صحيفة الاتحاد

ثقافة

أدباء ومسرحيون يستعيدون محطات أثيرة في حياة ناصر جبران

من جلسة تأبين الراحل ناصر جبران (تصوير حسام الباز)

من جلسة تأبين الراحل ناصر جبران (تصوير حسام الباز)

إبراهيم الملا (الشارقة)

استعاد مجموعة من الكتاب والأدباء الإماراتيين والعرب مساء أمس الأول بمعرض الشارقة الدولي للكتاب، محطات وشواهد وذكريات أثيرة من سيرة الشاعر والقاص والروائي الإماراتي ناصر جبران، الذي رحل أثناء إقامة معرض الكتاب، حيث كان الراحل على موعد لم يتحقق لتوقيع مجموعته القصصية الجديدة الصادرة من دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، بعنوان: «شمس الضفاف البعيدة».
قدم الجلسة الاستعادية الكاتب إسلام أبوشكير قائلاً: «إنه مساء حزين، ذلك أننا فقدنا واحداً من أجمل الأصدقاء، واحداً من أصحاب التجارب الأدبية الغنيّة».
وسرد أبو شكير جانباً من السيرة المهنية والثقافية لجبران الذي ولد في إمارة عجمان سنة 1952 وكان عضواً مؤسساً لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ألّف العديد من الكتب المنتمية لحقول تعبيرية مختلفة شعراً وقصة ورواية ومقالاً، منها: «ماذا لو تركوا الخيل تمضي»، و«عطر الحقول»، و«ميادير»، و«استحالات السكون»، و«نافورة الشظايا»، و«محطات في حياة الناس»، ورواية «سيح المهب».
ودعا أبو شكير إلى ضرورة إعادة طباعة الأعمال الأدبية للراحل، وتجميع كتاباته غير المنشورة، والاحتفاء بتجربته محلياً وعربياً، وتقديمها للمشهد الثقافي الإماراتي وللأجيال الجديدة، بشكل يفي ويعبّر عن القيمة الثقافية العالية والأصيلة للراحل الكبير.
وتحدث القاص إبراهيم مبارك قائلاً: «إن رحيل ناصر جبران يعد خسارة كبيرة للثقافة في الإمارات، حيث توفرت فيه كل المواصفات الإنسانية الرائعة، وكل الأبعاد الثقافية والوطنية الملتزمة والرصينة»، مضيفاً أن علاقته بالراحل كانت مختلفة ومتميزة بسبب الرفقة الطويلة معه، وبسبب التوارد والتداخل الروحي بينهما.
وقال إن الراحل كان متأنياً في كل شيء، حتى في الكتابة، حيث كان دقيقاً وحريصاً عند تناوله لأدقّ التفاصيل الشعرية والنثرية والقصصية، وكان محباً للمسرح وحاضراً في كل دورات أيام الشارقة المسرحية منذ انطلاقتها وحتى آخر دوراتها، ولفت إلى أن كتاباته تصعد إلى هدف مرسوم من البداية، ولم يكن يكتب بشكل اعتباطي ومجاني وذاتي، بل كان يكتب لأرضه وناسه ومحيطه المحلي والعربي بخط ملتزم وبرؤية ثاقبة.
أما القاص عبدالرضا السجواني فذكر في كلمته أن الراحل كان يتصف بسمات شخصية جعلته متآلفاً مع الكل، مع من يعرفهم ويعرفونه عن قرب، ومع الذين جمعتهم به علاقة عابرة، وقال إن الراحل كان مستميتاً في رغبته بإنشاء اتحاد مستقل يستظل تحته كل كتاب وأدباء الإمارات، وعمل طويلاً على تحقيق هذا الحلم، حتى صار واقعاً عند تأسيس أول مجلس إدارة للاتحاد في العام 1986.
وأوضح السجواني أن جبران كان قليل الكلام، ولكن جمله القليلة كانت تعلق بالقلب وبالذهن ولا تغادرهما. وأضاف أنه كان يدعو إلى ضم النصوص الإبداعية الجديدة في المناهج التعليمية، بدلاً من النصوص التقليدية المكررة التي ظلت متخلّفة عن تطورات وتحولات المشهد الثقافي في الإمارات وفي الوطن العربي.
بدوره، قال الدكتور صالح هويدي: «كان ناصر جبران مبدعاً وإنساناً في ذات الوقت، وهو أمر له خصوصيته، فهو إنسان في نظرته، وانفتاحه على الجميع، وفي سؤاله عن أصدقائه من الأدباء والمثقفين سواء كانوا من أبناء جلدته، أو من الأدباء العرب المقيمين». مضيفاً أن الراحل كان صاحب همّ قومي، وصاحب رؤية خاصة، تبلورت في سلوكه وفي كتاباته أيضاً.
وتساءل الأديب والمسرحي عبدالإله عبدالقادر: أتعرفون لماذا نحب ناصر جبران؟ وأجاب: لأنه كان ينثر المحبة والصداقة أينما حلّ، ولأنه لم يكن فقط وطناً، إنما سيرة طيبة، وهو كالغيث، أينما يقع ينفع، وقال إن الراحل كان كريماً ومخلصاً وغيوراً على صنعته ومنشغلاً بمحيطه حتى النخاع.
وأشار القاص الإماراتي الشاب محسن سليمان إلى أنه تعرف على أعمال ناصر جبران عند حضوره إلى نادي القصة في اتحاد الكتاب العام 2002، واعتبره من القلائل الذين تناولوا أكثر من جنس أدبي، ولم يبخسوا أياً من هذه الأجناس حقها من الاهتمام والتجويد والعناية الشكلية والموضوعية، وقال إنه كان مخلصاً لكل ما كتبه من شعر وقصة ومقال ورواية، وأن علاقته بالمقاهي كانت علاقة وجدانية، استعاد من خلالها طقس التأمل الذاتي، وطقس الحوارات والنقاشات الأدبية التي كانت سائدة في الحواضر الثقافية الكبرى بالوطن العربي.
بدوره، أشار الكاتب وائل الجشي إلى أن ناصر جبران تمتع بأخلاق طيبة، وترك أثراً عميقاً لا يمكن محوه، وأن المحطات والومضات التي يستعيدها الآن، لا يمكن أن تفي الراحل حقه، نظراً لأن الكلمات لا تسع حجم الألم والخسارة بفقدانه.
وقرأ القاص والناقد عبدالفتاح صبري نصاً مكثفاً ومشتبكاً بحالة الحزن الطاغية على كل من عرف الراحل عن قرب، ومن أجواء النص، المقطع التالي: «نأتي، نسير، نموت، كل منّا وحده، عالمٌ في وحدته، لا نملك سوى الدموع، كيف سأرتب دمعتي، وأواسي حزني، وأنثر ذكرياتي على أهداب عمري، آيات مؤجّجة، لمّا علمت غيابك، شطح قلبي، يمامٌ في الهواء، يرسم بوح الجسد، بقصيدة النهاية ومبتدأ الحكاية».