صحيفة الاتحاد

ألوان

علماء: العمل.. قيمة يتوقف عليها إعمار الكون

العمل عبادة وفرض على كل إنسان (أرشيفية)

العمل عبادة وفرض على كل إنسان (أرشيفية)

القاهرة (الاتحاد)

حثّ الدين الإسلامي على العمل، وأُمِرَ العامل بأن يتحرى الدقة والإتقان في عمله، القيام به، والانتهاء منه بأفضل صورة وعلى أتم وجه، ببذل الجهد، والبعد عن التراخي، وهو وسيلة من وسائل المسلم للرزق الحلالِ، بل إنه عبادة خالصة، فالدين يدعو المسلم إلى العمل والانطلاق، وأن يستشعر مراقبة الله تعالى، وأن يؤدي العمل على أتم وجه وأحسن حال، وإتقان العملِ في الإسلام فريضة على المسلمِ.

قيمة ومعنى للحياة

يؤكد الدكتور عبدالله النجار أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو مجمع البحوث بالأزهر، أن العمل في الإسلام قيمة إنسانية خلاقة يتوقف عليها إعمار الكون واستمرار الحياة، واستخلاف الإنسان، ومن دونه لا يكون للإنسان قيمة ولا للحياة معنى، لأن قيمة الإنسان بعقله، إذ العقل هو الدرة التي امتن الله بها عليه، وجعله مفضلاً على جميع المخلوقات.

وتقديراً لقيمة العمل في حد ذاته تعامل الإسلام معه على أنه فرض وواجب وفى منزلة العبادة جاءت النصوص القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، لتؤكد أن العمل مطلوب لذاته، وبصرف النظر عما يدره من عائد مادي للعامل، فالقادرون على العمل يجب عليهم أن يعملوا حتى لو كان العمل لا يحقق لهم المستوى المادي الذي يرجونه، كما يجب عليهم أن يعملوا حتى ولو كان لديهم فائض مادي يكفي معيشتهم ويقضي حوائجهم، ذلك أن العمل يطهر اليد ويكرم الإنسان ويسمو بالحياة، ويدرك هذا المعنى من يتأمل قول الله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...)، «سورة التوبة: الآية 105»، فقد طلب الله العمل أولاً بالأمر الدال على الوجوب، وإذا كان الأمر بالعمل صادراً من الله عز وجل فإنه لا بد أن يكون عملاً نافعاً، يعود بالخير على الإنسان في دينه ودنياه.

ورؤية الله للعمل، فيها حض للعامل على أن يحسن عمله، وأن يتقي الله فيه، وأن يؤديه بالذمة والأمانة حتى لا يراه الله في مواطن يكرهها، ورؤية رسوله صلى الله عليه وسلم تفيد أن هذا العمل لا بد أن يكون مستقى من هدي شرعه، وقائماً على مبادئ سنته، حتى لا يظلم أرباب الأعمال عمالهم، أو يخدع العمال أصحاب العمل بأعمال زائفة لا توافق المستوى المطلوب، ورؤية الله ورؤية رسوله سبب لما يناله من الثواب الأخروي والبركة الدنيوية، والثواب والبركة ليسا من العوائد المادية التي يتقاضاها العامل.

والسنة النبوية الشريفة تؤكد هذا المعنى القرآني، وتدل عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها»، حيث أفاد هذا الحديث أن العمل مطلوب لذاته، ولو لم يعد على صاحبه فائدة منه، لأن من يزرع فسيلة بعد قيام الساعة لن يرجى له أو لغيره من المخلوقات بقاء حتى تنمو تلك الفسيلة أو تثمر.

الأمن الاجتماعي

يؤكد الدكتور محمد كمال إمام، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية ارتباط عمل المسلم بعقيدته، فالنبي صلى الله عليه وسلم يجعل الأعمال الدنيوية التي يقوم بها الإنسان لمعيشته، والسعي على نفسه وأهله، من أبواب العبادة والقربات إلى الله، ولم يتعد نفعها دائرته الشخصية والأسرية، فالزارع في حقله، والعامل في مصنعه، والتاجر في متجره، والموظف في مكتبه، وكل ذي حرفة في حرفته، يستطيع أن يجعل من عمله المعاشي صلاة وجهاداً في سبيل الله، إذا التزم فيه بأن يكون العمل مشروعاً، وأن تصحبه النية الصالحة إعفافاً لنفسه، وإغناء لأسرته، ونفعاً لأمته، وعمارة الأرض، وأن يؤدي العمل بإتقان وإحسان، ففي الحديث: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»، و«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».

وهدف العمل في الإسلام ليس كسب المال فقط، ففضلاً عن معانيه التعبدية، فإن من غاياته تحقيق الأمن الاجتماعي بين الناس، وهذا يؤدي إلى التوازن النفسي على مستوى الفرد والجماعة، ونظام هذه الحياة، يتطلب السعي والعمل، حتى يتحقق الأمن الاجتماعي في المجتمع، فجميع المخلوقات من حولنا تسعى بجد، وتعمل بنشاط، فكان من الواجب أن ينهض الإنسان للعمل، طارحاً الكسل وراءه، والعاقل لا يرضى لنفسه أن يكون كالاً على غيره، وهو يعلم أن الرزق منوط بالسعي.

عمارة الأرض

الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري الأسبق، عضو مجمع البحوث الإسلامية يقول: لقد أراد الله للإنسان أن يعمل ليعمر الأرض ويمهدها للعيش فيها، ومن أجل ذلك سلحه بالعلم الذي من خلاله يستطيع أن يقوم بهذه المهمة، والعمل إحدى مسؤوليات الإنسان الأساسية التي لا غنى عنها في الحياة، وعلى الإنسان أن يعمل بما يتناسب مع قدراته البدنية ومواهبه العقلية، وقد ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام، رأى في المسجد رجلاً يتحامل على الناس فسأل عنه، فقالوا: هذا عابدنا، فسأل عمن يرعاه ويؤكله؟ قالوا: كلنا يا رسول الله، فقال: «كلكم خير منه»، وهذا يعني أن ترك العمل بحجة العبادة يعد لوناً من ألوان التنطع في الدين، فالعمل نفسه عبادة، لأنه امتثال لأمر الله تعالى للإنسان بإعمار الأرض وصنع الحضارة فيها في قوله: (... هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا...)، «سورة هود: الآية 61»، أي طلب منكم عمارتها، وعمارة الأرض لا تتحقق إلا بالعمل الدؤوب، وبذل الجهد، والسعي بحثاً عن خيراتها، واستخراجاً لمعادنها، وتمهيداً لطرقها، واستزراع كل شبر صالح للزراعة فيها.

واجب شرعي

يؤكد د. عبدالفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن إتقان العمل واجب شرعي على كل موظف وعامل مهما كانت وظيفته، وإتقان العمل من أهم المبادئ والقيم التي أولتها الشريعة الإسلامية عناية فائقة لدرجة أنها لم تجعله أمراً دنيوياً تبتغى منه منفعة عاجلة فحسب، وإنما جعلته أيضاً أمراً تعبدياً يتقرب به المسلم إلى الله تعالى، مصداقاً لقوله عز وجل: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...)، «سورة التوبة: الآية 105»، وقد جعل الإسلام العمل وإتقانه سبباً من أسباب الكسب الحلال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أطيب ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»، كما جعل الإسلام الكد في العمل والاجتهاد فيه سببا لمغفرة الذنوب والآثام فقال صلى الله عليه وسلم: «من بات كالاً من عمل يده بات مغفوراً له».

وجعل الإسلام العمل فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد يأثم الجميع، فيجب أن يكون بين أفراد الأمة الصانع والمنتج والفني والعامل المتخصص في مختلف المجالات، خاصة أن غالبية المنتجات التي تحتاج إليها المجتمعات الإسلامية تصنعها أيد غير إسلامية، ويؤخذ على أفراد الأمة تقاعسهم عن أداء ما أوجبه الله تعالى عليهم، وحري بالأمة وقد حباها الله ثروات هائلة وأهمها الأيدي العاملة أن تحقق الاكتفاء الذاتي من مختلف الصناعات والمنتجات التي لا يستغني عنها أحد، وهذا يتحقق من خلال نشر ثقافة إتقان العمل.

والعمل في الدنيا أساس عمارتها، وعنوان حضارتها، والعمل المتقن ضمان للشرف والكرامة، وحماية من المذلة والمهانة، والسبيل إلى النجاح، وبالعمل المتقن نستخرج كنوز الأرض وخيراتها، وينال الإنسان حاجته من الطعام والشراب والكساء، وأكثر ما أساء إلى المسلمين اليوم تركهم إتقان العمل مما أتاح الفرصة لغيرهم أن يتقدموا الصفوف، حتى أصبح المسلمون مستوردين، ومستهلكين غير منتجين.

الأنبياء حرفيون

يقول د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري الأسبق: الأنبياء عليهم السلام كانوا ذوي حرف وصناعات برغم مسؤولياتهم في الدعوة إلى الله وانشغالهم بذلك عن العمل والاحتراف، قال ابن عباس: كان آدم حراثاً، ونوح نجاراً، وإدريس خياطاً، وإبراهيم ولوط كانا يعملان في الزراعة، وصالح تاجراً، وداود حداداً، وهذا رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول بشأن داود عليه السلام: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»، ولا ريب أن هؤلاء الرسل لم يكونوا أغنياء يجمعون المال ويكنزونه، وإنما كان كل ما حصلوه وسيلة للعيش الكريم الذي يحفظ كرامة الإنسان ويقيه السؤال ويصون ماء وجهه.