صحيفة الاتحاد

ثقافة

لطيفة بنت مكتوم: الصورة تجسد لغة الرسالة في أحضان الأمومة الفسيحة

نوف الموسى (دبي)

قابلتني بابتسامة شفافة، واختارت الجلوس في الطبيعة الخارجية لـ«مركز تشكيل»، في ند الشبا بمدينة دبي. فتحت ستائر فصل الحياة الجديدة، بمعرضها المسكون بأمومتها الممتدة في لوحات فوتوغرافية فنية. انزاحت للفن التشكيلي، ورسمت كل المسودات على ورق أبيض وبقلم رصاص. وقبل أن تنادي باسم ابنها البكر «مكتوم»، قالت: «أحمد الله أني لم أجسد روحي في تلك الولادة الحيّة مباشرة؛ وانتظرت اكتمال التجربة، لأبديها بكامل ألقها وصعوباتها وقوتها. الانتظار كان ضرورة، والنتيجة في عمقها احتياج إلى النمو الروحي»، الفنانة والمصورة الفوتوغرافية الشيخة لطيفة بنت مكتوم؛ أوضحت وبصراحتها المعهودة، أنها كتبت قصتها بطريقتها، غاب الجمهور في لحظة إبداع الصورة الفوتوغرافية، وحضر في لحظة الشعور بها. اللافت في حوار الشيخة لطيفة بنت مكتوم، الانسيابية بين عرض التجربة كشرح تفصيلي، وبين تأملها للسؤال بحالة من الصمت اللحظي. حيث لا تأتي الإجابة إلا بعد امتداد عفوي لبصرها بتجاه ملامح البيئة المحيطة للجلسة الحوارية. تنكشف كأم وفنانة، من خلال بلورتها لمعاني التمازج الكوني، وإثرائها لمنظومة بحثنا المستمر عن ما يشبهنا عبر تجربة مفردات الحياة، وترجمتها إلى لغة نستطيع فهمها. وقبل الاسترسال في إجابتها عن رمزية المسرح والأداء البشري المتقن، أكدت أنه يكفي أن نمتلك «شعوراً مذهلاً» لاستيعاب فوتوغرافيا فنية، ننطلق منها بإحساسنا، لفضاءات التشابه في العاطفة الإنسانية.

عبر فوتوغرافيا «النمو»، شكلت الورود أيقونة فريدة بألوان التماهي بين الوردي والأزرق، أطلقت فيها الشيخة لطيفة بنت مكتوم، طيوراً سارية إلى السماء، تعكس وجودية بداية النمو غير واضحة الملامح لجنس المولود، حيث أخبرتنا حول يقينها المسبق بأنه (ولد)، وتصف معرفتها دون الكشف الطبي لجنس مولودها القادم بقوة الشعور الفطري الداخلي للأم. أرادت الفنانة الشيخة لطيفة أن تضع وروداً تنتج حساً بصرياً مفاجئاً للمتلقي، مؤكدة أن تأجيلها لتأطير تلك المشاعر عبر أعمال فوتوغرافية، كان جيداً وأساسياً، قائلةً: «انتظاري ولادة مكتوم، والتعرف إليه بشكل أكبر، واكتشافه، نتج عنه مشهد الطيور الزرقاء في المشهد الفوتوغرافي، الذي عكس تفرد طفلي، من أتى الحياة من خلالي، بطبيعة الحال، إلا أنه يحمل شخصيته وتكوينه الخاص، الذي ارتسم ضمن ملامح التكامل الكوني الشامل، ورجوعاً إلى دورة الحياة في الزهور، فإنها من بين أجمل دلالات الطبيعة، في القدرة المتتالية على الولادة والموت، باعتبارهما التعايش الأسمى للإنسان، مع استمراريته إلى جانب نعمة الوعي بهما كمرحلة ورحلة».

ترجمة الأمومة

- متى أحست الفنانة الشيخة لطيفة بأهمية أن تترجم أمومتها؟

في مصارحاتها الجميلة، التي تباغتها ضحكات؛ ترى الفنانة الشيخة لطيفة أنه منذ أن علمت بأنها تحمل مولوداً، وهي ترغب في خوض غمار تجربته فنياً، ولكن لم تتجرأ وقتها على فتح باب الفكرة، واستمرت في نسج مخيلتها، بسلسلة من المحادثات مع من حولها، والأقرب والدتها، من تكتب الشعر، وتسترسل في وصف أشيائها عبر اللغة المكتوبة، اعترفت حينها الفنانة الشيخة لطيفة، أنها لو كانت تمتلك موهبة الكتابة لفضلتها على الرسم. وما يجمعها مع أمها في اللغة الإبداعية، هو أنه ما إن تقرأ والدتها قصيدة، حتى تطلب لطيفة إيضاح التفسير، ليبقى في مخزونها الروحي، ويتشكل كطيف موسيقي من الجماليات المقرونة بالاستدامة التامة للإبداع.

إرادة الفنانة الشيخة لطيفة بنت مكتوم، بأن تكشف تجربة الأمومة، لم تقف عند مفهوم إظهار حدود التغير الجذري للمرأة الأم، ولكن رغبة شديدة في إتاحة فرصة أكبر لمشاركة ما تمر به الأم طوال فترة حملها، وأوضحت في هذا الصدد، أن هناك تكتماً غريباً لبعض الأمهات لأمور معينة، تعيشها أثناء فترة الحمل، من مثل مسألة الأحلام، مبينةً أن الأم تعيش كل ليلة، رحلة الذهاب إلى السينما في منامها، وتلمح تصورات عديدة للعالم من حولها بأشكال وألوان مختلفة. والحديث عنها يبدو مثيراً للاهتمام، ويتجلى في اللوحات الفوتوغرافية، رغبةً من الفنانة في إيضاح المشاركة الشعورية بين كل الأمهات، من يعتقدن أحياناً أنهن فقط من يعشن ذلك، فالحديث يساعد على فتح الأمور ومنح حرية أكبر في التعاطي، مؤكدة أنه لا يمكن لأحد فهم تلك الإرهاصات دون تجربة فعلية للأمومة.

«ما هي القصة التي تود رؤيتها اليوم؟»، هو سؤال الفنانة الشيخة لطيفة، الذي جاء رداً على سؤال رمزية المسرح في اللوحة الساحرة لفوتوغرافيا بعنوان «البداية»، مشيرة إلى أن الأعراس العربية، تصور مشهد المسرح، بشكل أو بآخر، من خلال رؤيتنا لمنصة الاحتفال مثلاً، وبها عملياً تفتح بوابة مسرح الحياة للوحات حياتية قادمة، كمثل قدوم ابنها مكتوم، الذي ساهم حضوره في إحداث اختلاف في أسلوب عمل الفنانة الشيخة لطيفة بنت مكتوم، الذي يشكل الهدوء فيه سمة رئيسة. ففي السابق، قبل زواجها وإنجابها، تركز وقت العمل في فترة ما بعد نوم جميع أفراد عائلتها، أما في حياتها الجديدة، فقد تحول الأمر إلى شراكة خلاقة بين وقت الفن ووقت الأمومة، وبسبب هذا التأثير أنجزت الفنانة الشيخة لطيفة الأعمال بشكل أسرع، مع الحفاظ على نسق روح الصور الفوتوغرافية ككل، مثل اللوحة الفوتوغرافية «الصبر»، التي تم تجسيدها واقعياً في المعرض، فطلبت الفنانة الشيخة لطيفة من عامل مختص تركيب خيوط الساعات المعلقة، وبعد ذلك قامت بالتقاط الصور الفوتوغرافية، ما يفرز نمطاً مختلفاً في سير خط العمل، حيث أحست بأنها تمارس دور المخرج، المتخيل للحالة الفنية في إطار المنتج البصري.

اللحظة الفوتوغرافية

أهمية انضمام الفنانة لطيفة بنت مكتوم إلى اللوحة الفوتوغرافية، خلق نقلة معرفية لزوار وجمهور معرضها، لأنه قدم آلية اتصال مباشرة مع التجربة الشخصية للفنانة، حيث أكدت أن كيفية التصوير تم تحديدها باستخدام ميزة الالتقاط الآلي، حيث تُحفظ اللحظة الفوتوغرافية كل 10 ثوانٍ، بعد أن يتم وضع الكاميرا في الجاهزية التقنية لماهية الصورة. إلى جانب مشاركة ابنها وزوجها، من ساهما في اكتمال لغة الرسالة الخاصة بمعرض «فصل جديد»، الذي نما بين أحضان طبيعة الأمومة الفسيحة، وإبراز قيمة العلاقات الإنسانية، وترجمة ذلك عبر اللوحة الفوتوغرافية بعنوان «بناية الدفء»، عمدت فيها الفنانة الشيخة لطيفة بنت مكتوم بكل ألقها العفوي والإنساني، بمشاركة زوجها، إلى استمرارية توهج علاقتهما من خلال الاهتمام بإشعال الخشب. تقول الشيخة لطيفة بنت مكتوم: «في يوم ما، قالت لي والدتي إنه متى اجتمع الناس في جلسة طيبة، زادوا نارهم المشتعلة حطباً قبل أن تُخمد، فالرماد إعلانٌ لانتهاء الجلسة»، لتبقى الفكرة في ذاكرتها الفنية، وأنتجتها كحالة استثنائية في قيمة (التواصل) بين الأزواج، ودوره في ترسيخ الدفء وضمان الاستمرار لحياتهم، وتفاصيلهم اليومية.