في شهر مايو، قام الرئيس باراك أوباما ورئيس وزراء اليابان شينزو آبي بزيارة مدينة هيروشيما اليابانية، حيث ألقت الولايات المتحدة قنبلة ذرية عام 1945، ما أجبر اليابان على الاستسلام سريعاً، لتنتهي بذلك الحرب العالمية الثانية، وقد كانت هذه لحظة تاريخية، حيث يعد أوباما أول رئيس أميركي يزور المدينة. والآن، ها هو آبي يرد الجميل. فقد قام يوم الثلاثاء الماضي بمرافقة أوباما إلى بيرل هاربر، موقع الهجوم الذي شنته اليابان على الأسطول الأميركي القابع في المحيط الهادئ قبل 75 عاماً، ما أدى إلى انضمام الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية. لكن هل تعد زيارة تاريخية؟ عندما أعلن عن هذه الزيارة في مطلع ديسمبر، قال مسؤول بوزارة الخارجية اليابانية إن آبي سيكون أول رئيس وزراء يزور بيرل هاربر خلال ترؤسه الحكومة، وكررت المنافذ الإخبارية هذا التأكيد، بما في ذلك صحيفة «واشنطن بوست»، لكن سرعان ما بدأت الأمور تبدو أكثر تعقيداً، فقد ذكرت صحيفة «يوميوري شيمبون» أن رئيس الوزراء «شيجيرو يوشيدا» سبق أن توقف في هاواي، حيث توجد قاعدة بيرل هاربر، عام 1951 عندما كان في طريق عودته من سان فرانسيسكو، كما قام بزيارة للمقبرة التذكارية الوطنية بالمحيط الهادئ، وبزيارة أكثر خصوصية لبيرل هاربر. ولم تكن الصحافة الأميركية قد أشارت إلى زيارة بيرل هاربر على نطاق واسع، لكنها ظهرت في الصحافة اليابانية، وذكر «يوشيدا» لمراسل صحيفة «يوميوري شيمبون» أنه قد «تأثر» بالزيارة. وتبين أيضاً أن قائد الأسطول الأميركي في المحيط الهادئ، الأدميرال «آرثر رادفورد»، كان موجوداً أثناء الزيارة. وكتب رادفورد فيما بعد أن الزيارة كانت غير مريحة بالنسبة لـ«يوشيدا»، وأنهما تقريباً لم يناقشا شيئاً ذا أهمية. والآن، فإن مزيداً من التطورات تشير إلى أن آبي ربما يكون ثاني رئيس وزراء حالي يزور بيرل هاربر. ففي الأسبوع الماضي، ذكرت صحيفة «هاواي هوتشي»، الناطقة بالإنجليزية واليابانية معاً، ومقرها هاواي، أن قائدين يابانيين آخرين قد زارا بيرل هاربر في خمسينيات القرن الماضي. ونشرت صورتين من الصفحة الأولى من أرشيفها، الأولى تزعم أن «إتشيرو هاتوياما» زار هاربر في 29 أكتوبر 1956، حيث تمت تحيته بإطلاق 19 طلقة وعزفت الفرقة الموسيقية النشيد الوطني الياباني. ويوضح العنوان الرئيسي الآخر أن «نوبوسوكه كيشي»، جد آبي، زار هاربر في 28 يونيو 1957، حيث وضع إكليلاً من الزهور على سارية العلم في النصب التذكاري الوطني في المحيط الهادئ. وأصبحت الحكومة اليابانية الآن مجبرة على تغيير قصتها، فبعد الإعلان مرة أخرى عن زيارة يوشيدا لقاعدة بيرل هاربر، قالت الحكومة بما أن النصب التذكاري «يو إس إس أريزونا» في قاعدة بيرل هاربر لم يكن قد تم تشييده حتى عام 1962، فإن آبي سيكون أول من زار النصب الأكثر شهرة. وقال كبير أمناء مجلس الوزراء «يوشيهيدي سوجا» في تصريحات صحفية، إن «آبي سيكون أول من يقوم بذلك صحبة رئيس أميركي». ومن جانبها، ذكرت «شيلا سميث»، زميل بارز في قسم الدراسات اليابانية بمجلس العلاقات الخارجية، أنها اندهشت للخطأ الذي حدث في البداية. واستطردت: «إذا كان يتعين على أي مؤسسة أن تعرف تاريخها، فيجب أن تكون هذه المؤسسة هي وزارة الدفاع اليابانية. لقد فوجئت أيضاً أن آبي نفسه أو حتى مكتبه لم يصحح السجل، حيث إنه دارس دقيق لدبلوماسية جده تجاه الولايات المتحدة». لكن ربما كان هناك سؤال أكبر، بحسب ما تشير سميث، وهو: لماذا قام زعماء يابانيون بمثل هذه الزيارة ثلاث مرات في خمسينيات القرن الماضي ولم تحدث هذه الزيارة منذ ذلك الحين؟ وقالت: «إنني أشك في أن هذا يتعلق بالسياسة اليابانية الداخلية»، وأشارت إلى أن المعاهدة الأمنية بين البلدين تم تعديلها عام 1960. «وكانت ستينيات القرن الماضي إيذاناً بحقبة جديدة من الديناميكية الاقتصادية وشعور جديد بالتقدم في اليابان. وربما ينظر للزيارات المستمرة لقاعدة بيرل هاربر على أنها تطلع إلى الوراء بدلاً من التطلع للأمام». وقد أجبر الرأي العام المحلي القادة اليابانيين في الماضي على إلغاء خطط لزيارة بيرل هاربر. ففي عام 1994، أجبر الإمبراطور «أكيهيتو» على التراجع عن زيارة مقررة إلى النصب التذكاري بعد احتجاجات واسعة النطاق في وسائل الإعلام اليابانية، والتي رأت أن هذه الزيارة بمثابة اعتذار. لكن، رغم التاريخ المعقد، فإن زيارة آبي ستكون لها ميزة مشتركة مع زيارة أوباما لمدينة هيروشيما: وتماماً كما كان الحال مع الرئيس الأميركي، فإن آبي ليس لديه نية للاعتذار. *كاتب متخصص في الشؤون الآسيوية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»