صحيفة الاتحاد

دنيا

القراءة.. نافذة الأسرة على المعرفة

اختيار الكتاب عامل مهم  في إثراء الوعي (تصوير حسام الباز)

اختيار الكتاب عامل مهم في إثراء الوعي (تصوير حسام الباز)

أشرف جمعة (أبوظبي)

القراءة دُرة المعرفة في محيط الأسرة، والتي تشكل حاضرها ومستقبلها، وتمضي بأفرادها نحو آفاق التجول في بساتين الكتب وتكوين المكتبات، فهي الجسر الذي يعبر من خلاله الكبار والصغار إلى طريق العلم وبناء العقول، فضلاً عن أنها تغرس قيماً نبيلة في النفوس، ما يجعلها ضرورة مجتمعية تتبناها الأسرة من خلال مبادرات داخلية لتعميق الوعي، وفتح نافذة على الثقافات والتجارب الإنسانية.
وعلى الرغم من تعدد منافذ القراءة داخل الأسرة، سواء بالاتجاه نحو الكتاب الورقي أو الرقمي، فإن القراءة تبقى هدفاً للارتقاء بالشخصية الفردية، ورفع مستوى التثقيف الذاتي، خصوصاً أن جميع مكونات الأسرة تستفيد من مشروعات القراءة في محيطها، وإنْ كانت كتب الأطفال بأنواع طباعتها والصور التي تحتويها وأسلوب عرضها تمثل دفقة معنوية للصغار.

في كل بيت
يقول الدكتور طلال الجنيبي، خبير دولي في التنمية الأسرية: «تكتسب القراءة أهمية خاصة في حياتنا، لذا يجب النظر إلى الكتاب على أنه الحافز في كل بيت للوصول إلى عالم المعرفة»، مبيناً أنه يتعين على الأسر العمل على تدشين مكتبات داخل البيوت بحيث لا تكون ترفاً أو واجهة للزينة، ويجب أن يتم اختيار عناوينها في بداية التأسيس وفق رؤية جميع أفراد الأسرة، لتعزيز روح المشاركة، وإدراك أهمية الكتاب كمحفز أساسي للقراءة والاطلاع وبناء العقول، خصوصاً أن هذه العملية تعمل على إيجاد علاقة وثيقة بين أفراد الأسرة والكتاب.
وأشار الجنيبي إلى أن اختيار الكتب يخضع إلى مستويين حالياً، الأول الكتاب الورقي الذي لا يزال يزين المعارض ويكسوها بشيء من المهابة، والثاني الرقمي الذي يتلقفه البعض لبناء ذوقه الخاص ورغبته في القراءة عبر الوسائط الرقمية، مبيناً أن حرية الاختيار تعمل على إثراء روح القراءة داخل الأسرة بما يرسخ هذه العادة المهمة.

تجربة مفيدة
ويقول الدكتور أحمد حبيب الغريب، عضو مجلس أمناء جائزة راشد بن حميد للثقافة والعلوم في عجمان، إن القراءة تشكل عاملاً مهماً في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب، ويجب أن تكون الوعاء المعرفي الذي تنهل منه الأسرة، وأن ترسم استراتيجيتها الفكرية على ضوء الكتاب حتى تتشكل لدى الأفراد في المجتمع كباراً وصغاراً تجربة مفيدة في إطار عمليات المطالعة التي تبني بشكل أو بآخر شخصية الفرد، ويشير الغريب إلى أنه يجب ترسيخ عادة القراءة داخل الأسرة عبر مستويات عدة، منها تغير بعض العادات الخاصة باختيار الكتاب، كأن تقوم الأسرة بتخصيص رحلة إلى بعض المكتبات من أجل اختيار المؤلفات التي تهم كل فرد في الأسرة، وفتح حوار حول أهمية هذا الكتاب أو ذاك لفئة عمرية معينة، بالإضافة إلى تشجيع الأبناء على القراءة بشتى الوسائل الورقية والإلكترونية، والاهتمام بكتب الطفل، واختيار المناسب منها، حتى يتشكل لدى الجميع وعي بالكتاب.

معارض الكتب
ويبين عبد الله الهدية، مدرب تنمية بشرية وأسرية، أن هناك تحديات كبيرة تواجه الأسر في إطار إيجاد علاقة بينها وبين الكتاب، في ظل الهيمنة النسبية للوسائط الرقمية التي شكلت علاقة من نوع آخر بين أفراد المجتمع والعالم الافتراضي. يشير إلى أنه يجب أن يكون هناك وعي من قبل أولياء الأمور بأهمية القراءة ودورها في إثراء العقل وتنمية القدرات، ومن الضروري أن تكون هناك خطط مستقبلية لغرس ثقافة الكتاب في النفوس وتدشين مكتبات داخل البيوت تكون حصاداً لزيارة معارض الكتب وكل منافذ المعرفة المتاحة، خصوصاً أن مرحلة اختيار الكتاب مسؤولية مشتركة، إذ إن الكتب الخاصة بالأطفال والمراهقين يجب أن تنتقى بعناية حتى تتربى الأجيال على الثوابت التي تمكنها من بناء عقولها بطريقة علمية صحيحة.

ملكات فردية
وتؤكد منى عامر «ربة منزل» اهتمامها بتطوير ملكات كل أفراد أسرتها من خلال القراءة، لافتة إلى أن لديها ثلاثة أبناء تحاول أن تجعل هناك علاقة بينهم وبين الكتاب، لكون المطالعة تعزز بداخلهم الثقة بالنفس، باعتبارها مصدراً معرفياً، وتوضح أنها تعمل على زيارة معارض الكتب وتفتح دائماً حواراً مع الأبناء، من أجل تحفيزهم للجلوس مع كتاب لتأمل الأفكار التي يحتويها بحسب كل مرحلة عمرية، وأنها سعيدة بالمبادرات الخاصة بالقراءة التي تتبناها الدولة، والتي تصب في مصلحة البناء الأسري وتدعيمه على المستويات كافة.
وتشير إلى أنها تحاول أن تخصص وقتاً للقراءة هي وزوجها، من أجل أن يستفيد الأبناء من هذه التجربة، وهو ما يحفزها ويغريها بالذهاب إلى مكتبة البيت، واختيار بعض الكتب المناسبة لقراءتها، وهو ما يولد سباقاً محموداً مع القراءة، وتؤكد أنها دائماً تسأل الأبناء لماذا نقرأ ولمن؟ حتى تقتنص منهم إجابات مختلفة، تنمي وعيهم الفكري، وتبين أنها تعطي الحرية لأبنائها في القراءة عبر الكتب الورقية أو الإلكترونية، وإنْ كانت تشجعهم أكثر على القراءة الورقية لكونها مريحة للعين، وتعطي إيحاءات معرفية مهمة، وتنمي لديهم ارتباطاً بالكتاب الذي يلمس باليد ويشم المرء رائحة أوراقه في سعادة.

رصد مكافأة
ويرى فاضل النعيمي، «مهندس»، أن القراءة تمنح العقل فرصة للنمو في الاتجاه الصحيح، وتتيح للمرء الفرصة لاكتساب المعرفة، والاطلاع على تجارب الفكر الإنساني في كل العصور، مشيراً إلى أنه يخصص بعض الأوقات للجلوس مع الأبناء، من أجل توعيتهم بأهمية القراءة، وأنه يعتني بشكل ما باختيار كتب معرفية لأطفاله، لتعمل على إكسابهم المعلومة بطريقة سهلة، وأنه يشعر بأن هذه النوعية من الكتب تساهم في إشاعة روح المرح بين الأبناء، وتدمجهم في المجتمع بصورة سليمة، ويشير إلى أنه يضع خططاً مع زوجته، من أجل تحفيز الأبناء، من خلال رصد مكافأة لمن يلخص فكرة الكتاب من محض خياله، وإبداء الرأي حول مدى الاستفادة من قراءته.

استثمار الكتاب
يرى الدكتور طلال الجنيبي، أن هذه المنظومة الورقية والرقيمة تمتد أيضاً إلى كتب الصغار التي أصبح لها عالمها الآخر، حيث اهتمت دور النشر بتقديم كتب ورقية تحوي مجسمات ورسومات بارزة، وأيضاً تقديم كتب إلكترونية للأطفال تتمتع بخصائص جاذبة، وهو ما يوسع دائرة القراءة داخل الأسرة، ويحفزها على استثمار الكتاب من أجل بناء معرفي يسهم في الارتقاء بالمستوى الفكري للجميع.

غرس ثقافة القراءة
يقول أستاذ القياس النفسي بجامعة الإمارات حمزة دودين: يجب تعزيز وغرس ثقافة القراءة في محيط الأسرة، من خلال استخدام وسائل مختلفة، ومن ثم تعديل سلوكيات الأبناء حتى نغرس عادة القراءة في نفوسهم، لافتاً إلى أن ما تبنيه الأسرة في عقول الأبناء تنميه المدرسة والجامعة أيضاً، لأن القراءة تشكل حاضر ومستقبل أفراد المجتمع، ويؤكد دودين، أن التوعية بأهميتها من العوامل المهمة في تنمية قدراتهم وتعزيز سبل الإنجاز، من خلال التعامل مع القراءة على أنها وجبة أساسية لا تقل عن وجبات الطعام التي تقدم لهم كل يوم، والتي لا يمكن العيش من دونها.