لينا أبو بكر (1) لغتك تدل على وطنك كما يدلك وطنك عليها، إنها مشروعك الوطني حين يكون وطنك معجمك اللغوي، وبينهما وشيجة إبداعية تضرب جذورها في عمق التداعيات التاريخية والدلالية... اللغة ليست وطنا بديلاً، ولكنها في حد ذاتها الوطن، فأن تتأمل الاتحاد ككيان بمعزل عن الاتحاد كصيغة لغوية لا يكفي طالما أن البلاغة المزدوجة تكمن باليقين اللغوي المبني على ثوابت وطنية، يتقاطع معها في الفكرة والدولة التي هي إمارة أمّ تضم سبع إمارات في سياق تعبيري يعكس بلاغة الانتماء للوطن كلغة... (2) إنك بينك وبينك، كمرآة الظلال التي تتناسب طرديا مع تقنية الانجذاب الفكري، وضوابط البرمجة اللغوية العصبية التي لا تحتاج إلى قوى خارقة بقدر ما تتمتع بقدرة على اختراق كونيات الغيب، لتتشبع بكيمياء الجذب بين وحدتين: الذات اللغوية والذات الوطنية. الوحدة في هذا الزمن المتشرذم تتصدى للاغتراب النفسي كسمة عامة لهذا العصر، حيث تتفشى أعراض انسلاخ عاطفي وتفسخ اجتماعي وشعور غامض بالانتماء للعدم، كأن الأرض منفى كبير، أو تغريبة سرمدية، خاصة أن محاولات العولمة باءت بالفشل الذريع للم شمل الغرباء في كوكب إلكتروني بديل، لم يحتوِ الشتات الإنساني في وطن افتراضي، ولهذا تتضرر فكرة الوحدة لأنها لا تقوم على أسس وطنية حقة قوامها المكان كضرورة قصوى وحقيقة ملموسة تضم المكونات البشرية والاجتماعية على اختلافها في كيان واقعي حي يبرهن الفكرة بالممارسة لا بالمراسلة... (3) الانسجام يحفزه تنوع يفضي إلى تكامل شمولي يبارك الاختلاف دون أن يبيح الخلاف، طالما أن الخصوصية أهم سنن الوحدة والمشاركة في آن، وهو ما يصونهما من عزلويَّة المصير. بين أبوظبي ودبي ــ مثلا ــ ما يقارب ساعتين من الزمن، وهي مسافة قريبة جدا من الفترة التي تستغرقها رحلة في القطار الممتد عبر النفق النهري بين باريس ولندن، غير أن الفارق بين الامتدادين هو الانقطاع الثقافي بين محطة المغادرة ومحطة الوصول بعكس الطريق الممتد بين إمارتي أبوظبي ودبي، ليس لأنه جسر اتصال أو صلة وصل بقدر ما هو جسر للعبور إلى المرايا العاكسة. (4) وراء هذا التصاعد المهيب في التطور والبناء رؤية ثاقبة وحنان جمعي وتكافل وطني وليس معاول عمياء، فالمدن التي تفتقر إلى المقومات العاطفية للعمران، لن تكفيها بهرجتها الحجرية طالما أن الخواء النفسي في الجوهر البشري هو الرقعة المقفرة التي تشوه اللوحة.. هذه كيانات قاحلة في تكوينها العضوي وصلدة وجدانيا وعزلوية كمنظومة اجتماعية يسهل انهيارها، أو تلاشيها كفقاعة مهما بلغت عظمتها ! (5) علاقة المواطن الإماراتي ببلاده علاقة أسرية، ربها الحنان، وأمها الحكمة، وهكذا ضمن تبادل وظائفي بين النجدين تتضح معالم هذه العلاقة أكثر حين ترى أبناء الوطن يربون الوطن كأنهم آباؤه، وحين يكون الحرص العاطفي هو القانون الفطري لا الوضعي، تتجلى قيمة التعمير كواجب وحق ومتعة بل وشجاعة أكثر منها نهجا عصريا أو حركة عمرانية أو تحصيل حاصل للتطور الحضاري. فلسفة كهذه تجنح إلى التلقائية والدقة والإقدام هي فلسفة انتمائية لا استثمارية رغم أنها كذلك، غير أن الضوابط التي تحكمها تجارية ليست بالمعنى المادي البحث بل بالمعنى البلاغي الذي كرسه القرآن الكريم للتجارة الرابحة بالدين. (6) البطولة في هذا الزمن لم تعد للمحاربين في وقت تحكمه الحسابات المادية والمصالح الإقليمية والدعاية الإعلامية، وسقوط الوجوه قبل الأقنعة، واجتياح فكرة الوطن بإيديولوحيات طائفية سامة، وحقن مذهبي وهلوسات تطرفية تخدر الوعي وتشل الهمم وتوجه الإرادة لحقول ألغام وجهنميات جغرافية ومقابر جماعية وكيانات سوداء يحرسها سدنة الخراب ومطارق الساحرات... البطولة في هذا الزمن هي لمن يعمرون الأرض ويحافظون على روح الإنسان لأنها كرامته، التي لا يسهل عليهم هدرها ولا إزهاقها لدواع أمنية...أو كرمى لرفاهية الخلفاء وملوك الطوائف ! (7) يتطور مفهوم الفداء في الإمارات دون أن يتخلى عن جذره الدلالي، فكما وجب على الشعب أن يفتدي الوطن بروحه ويموت في سبيله، تتعزز قيمة أخرى للافتداء قوامها الحياة لا الموت، فأن تسعى لتعيش أنت والوطن لا يعني أن تؤثر الحياة على التضحية بروحك في سبيل وطنك، إنما أن تفكر بالحياة أولا وأخيرا كهدف ووسيلة في ذات الوقت وتنتصر لها كلما استصعبتها وغدت عزيزة ونادرة يسهل أن يفرط بها القتلة وقطاع الطرق وعصابات الدم، فالموت ليس أثمن الآليات التي تحقق الافتداء في زمن ترخص به الروح ويصير الموت قذرا ومجانيا في الشوارع والمدارس وبيوت العبادة ودور الشفاء! لهذا عليك أن تصدق الاسكتلندي توماس كارليل حين قال: «جميل أن يموت الإنسان في سبيل وطنه ولكن الأجمل أن يحيا من أجل هذا الوطن». (8) الوحدة هنا لا تتسم بطابع أناني أو حتى استئثاري بقدر ما هو فرادة في بؤرة متشظية من هذا الكوكب الراقد على تنور الجحيم. ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، تغدو الوحدة الوطنية وحدها هي آخر ما تقبض به على جمرة العروبة مما يكفل لها الأمان أو الاستمرار داخل طوق من الجنات المفقودة. (9) سقوط المدن هو موضة العصر، وانحسار الاتحادات الاقتصادية أو الإقليمية التعاونية...العالم مصاب بأعراض «توحد – ذاتوية» مفرطة، تشي باضطرابات وطنية ينجم عنها ضعف التفاعل الاجتماعي والتواصل الإنساني، لتنغلق العوالم على نفسها وتنزوي في بؤر عنصرية ومافيات متطرفة وإقطاعيات طبقية من العصور الوسطى، وهو ما يتنافى تماما مع أفضلية الخبز الوطني على البسكويت الأجنبي حسب فولتير، ولكنه يؤكد الرجعية في سياقها البدائي الذي يعزز بغض الأمم الأخرى كأساس لمحبة الأمة الواحدة...من هنا تحديدا ابتدأ الخراب، من هنا ينتهي العالم! (10) هذا ثوبي السندبادي يسرق من عباءة البدوية سمرة ليلها وقمرة سرها، ومن قمباز جدي الفلسطيني هفهفة الريح تلعب بردة الثوب فتشف عن لوعة الدبكات تترنح في بحبوحة الشروال فتهز جذوع التين والزيتون على وقع بحة اليرغول لتلوع قلوب الرجال بين الأوف والدلعونا والميجنا... في لحظة التباس بين الغربة والغربة، ألتقي في مطار «أبوظبي» بعربي عائد إلى دياره، بعد أن قضى في الإمارات خمسة عشر عاما، تنهد بعمق وذرف لؤلؤه: «ماتت أمي وأنا في الغربة، وحان أن أعود قبل أن أموت بعيدا عنها...فأفقدها مرتين»... ناولته منديلا ماكرا يعب دمعته السمراء بفوهة عطر فاغرة كقارورة متفتحة.... تأمل قليلا ثم سأل: «أين وجهتك»؟ لندن بهذا الثوب! بهذا السندباد! سيضحكون عليك هناك.. و هو المطلوب! ..... شو؟ أنت غريبة! أصبت تماما... تعبيرك يختصر كل الحكايات.. آه، نعم...الغربة، مجددا! بالنسبة للغريب، الغرباء ليسوا طيبين بما يكفي لكي لا يكون ماكرا بما يحب ويشتهي، يحتاج الأمر إلى شيء من المغامرة حتى يدلل الغريب غربته بمتعة تقيه لعنة الذوبان.. تتحايلين.......؟ قناص الفكرة أم الغواية....؟ لا يهم، المهم أن علاقتك بمنفاك يجب أن تكون غاوية، فاختلافك سيجذب الغرباء إليك، قد يضحكون من غرابتك، ولكنهم سيأسرون بحنكتك في توليف غربتك مع غرابتك بأسلوب إبداعي، لن تستغرب أن يكون ممغنطا، ليس فقط لمحاكاته بل لإشباع فضولهم ولو بالسؤال عن كنهه... لا تحبين الغرباء؟ أم تحبك الغربة؟ لا أفهم الأمور بهذا المعنى... بل قد أرفضها، فالبغض لا يروق لي، ولا أتوقع من الحب أن ينطرني على الحدود، ولكن لي أعصاب سرية أو قل قرون استشعار حساسة تطور أدواتي بالتعامل مع الدخلاء على جهازي العصبي أو العاطفي، دون أية عدائية تذكر، بقدر ما هي دغدغة ناعمة ولاذعة لذاكرتي.... عذاب! أكثر مما تتخيل... ولذلك أفهمك وأنت العربي في بلاد عربية تشعر بالغربة ليس لأنها غربة مكان، بل لأن الوطن أم... صحيح.. احذر، لا توافقني في شيء قد أخدعك... (يضحك..في محاولة حذرة للفهم)... لو سلمنا أن الوطن أم، فأمي هنا في الإمارات...هل يعني هذا أن الإمارات وطني؟ حسناً ماذا عن فلسطين إذن؟ مونولوج...؟ من يعيش بعيدا عن لغته، وثقافته، وملامحه وجذوره، يعرف تماما معنى الغربة، ولذلك لن تعني الغربة في بلد عربي، نصف غربة، أنا العائدة إلى منفاي الأوروبي، يا لمفارقة العودة، إنما سأعتبر غربتي في وطن عربي نصف وطن، ليس فقط لأن أمي هنا، إنما لأنني أرى بأمي النصف المتمم لوطني.. مع العلم أن غربتي نصف أم ونصف وطن. الأنصاف لا.... إياك أن تحتج على الأنصاف..إنها اكتمال اللغة في حبة القلب. إمضاء أخير.... في غرفة تفتيش النساء في مطار أبوظبي، تعثر موظفة الأمن على ريشة صغيرة من أوراق نخلة، تهم برميها، ربما ظنت أنها عالقة بطرف الثوب.... مهلاً ! هذه خصلة من ضفيرة أمي النخلة... رافقتكما السلامة.