الاتحاد

الاقتصادي

مغارة النفط مقابل الغذاء·· حرمت العراقيين من خيرات بلادهم


لفهم 'كيمياء' الاقتصاد العراقي المعقد، لابد من معرفة المحرك الرئيسي للأداء الاقتصادي هناك، وهو كما يعلم الجميع 'النفط'·· ففهم مناخ الاقتصاد العراقي الصغير في التسعينات يبدأ مع فهم برنامج النفط مقابل الغذاء، الذي تدفقت من خلاله عوائد النفط في الفترة ما بين 1996 حتى ·2003 فباسترخاء الحظر، حسن البرنامج بلا شك حياة الشعب العراقي، وبالذات أطفاله، لكن البرنامج اثر بشكل سلبي على النشاط الاقتصادي الخاص بعدة طرق·
فقبل برنامج النفط مقابل الغذاء، وفر نظام حصص الطعام العراقي فقط حوالي 1300 سعر حراري لكل شخص يوميا، أي بما يقل عن 40 في المائة عن المستوى الذي اوصت به منظمة الصحة العالمية، ومكن برنامج النفط مقابل الغذاء الحكومة من مضاعفة متوسط جرعة السعرات في حصة الطعام الشهرية، الى 2200 سعرا، بحلول عام ·2002 وطبقا لما ذكرته الامم المتحدة فان معدلات سوء تغذية الأطفال قد تناقصت الى النصف خلال الفترة من 1996 حتى ،2002 بينما تناقص عدد من هم دون الوزن الطبيعي من 23 في المائة الى 10 في المائة، حسب احصاءات الامم المتحدة لعام ·2003 كما اشرقت صورة الاقتصاد الصغير ايضا، حيث قلصت العودة لعوائد النفط حاجة الحكومة لعوائد رسوم سك الذهب والفضة· وظل النمو النقدي والتضخم مروضين نسبيا اواخر التسعينات (أي ما دون 20 في المائة)·
لكن برنامج النفط مقابل الغذاء قلص حوافز النشاط الاقتصادي الخاص، فبتضخيم نظام الحصص القائم بالغذاء المستورد، احبط البرنامج الانتاج المحلي، وتوزيع الطعام، والمواد الاستهلاكية الاخرى· وحظيت بعض القطاعات الزراعية، مثل صناعة الالبان، بالمساعدة لانه يمكنها استيراد الغذاء· لكن صغار مزارعي الحبوب واجهوا تراجعا غير عادي في المداخيل، لانه ليس بامكانهم مزاحمة الحبوب المدعمة التي تاتي من الخارج·
اضافة الى ذلك، نجد أن البرنامج خصص تقريبا نفس السلة لكل عائلة، ومن ثم باعت غالبية البيوت جزءا من حصصها للسوق السوداء من اجل الحصول على المال، اما لتلبية الاحتياجات الاخرى، او لانهم يفضلون نوعية افضل من المواد· وعادة ما تكون الاسعار التي يحصل عليها المستهلكون في السوق السوداء اقل من نصف تكلفة ثمن شراء هذه البضاعة، الامر الذي يضغط الاسعار اكثر بالنسبة للمنتجين المحليين· واخيرا، بتوزيع الطعام عبر برنامج الحصص الغذائية الاصلي الذي تطبقه الحكومة، فان البرنامج حافظ على رابط ما بين كل عائلة ووكيلها المتكفل بالتوزيع، والذي عادة ما يكون محلا للمواد الغذائية او مخبزا· وهذا منع شركات تجزئة جديدة من الدخول·
وفاقم برنامج النفط مقابل الغذاء فساد الحكومة، فبعد عام 1999 ازاحت الامم المتحدة السقف السابق حول مبيعات النفط المسموح بها، وخففت المراقبة على واردات انسانية معينة· وقد استغل قادة العراق هذه المرونة الجديدة من اجل كسب ضرائب اضافية غير شرعية (بمعدل 10 في المائة) والمطالبة بعمولات عند شراء البضائع المستوردة·
وكانت بعض عناصر فساد النفط مقابل الغذاء معروفة حتى قبل حرب ·2003 وقدر تقرير صادر عن مكتب المحاسبة العام للولايات المتحدة في 2002 ان الحكومة العراقية حصلت على حوالي 2,3 مليار دولار على شكل ضرائب اضافية غير قانونية عن النفط، وعمولات عن عقود السلع خلال السنوات الخمس التي سبقت· هذا اضافة الى 4,3 مليار دولار تم الحصول عليها من خلال تهريب النفط الى خارج البلاد· وتم تسليط المزيد من الضوء على فساد برنامج النفط مقابل الغذاء بعد الحرب·
وعند تحضير ميزانيات الوزارات المختلفة منتصف عام ،2003 دهش مسؤولوا الميزانية في سلطة التحالف، عندما اكتشفوا ان عقود البضائع التي تم استيرادها عبر البرنامج كانت احيانا تمنح لشركات مملوكة للحكومة، دون معرفة السبب· وتملك تلك الشركات الحكومية الحرية المطلقة لبيع البضاعة المستوردة (ولنفترض سيارة) حيث تسجل كل العوائد ك 'ارباح' وتؤهل مدراءهما للحصول على مكافآت كبيرة· وفي مارس 2004 رفع مكتب المحاسبة تقديره للسرقة عبر برنامج النفط مقابل الغذاء الى 4,4 مليار دولار·
واكد سفير العراق لدى الامم المتحدة سمير الصميدعي ان مصداقية الامم المتحدة على المحك بعد تقرير لجنة التحقيق حول فضيحة برنامج 'النفط مقابل الغذاء' التي حققت في منافع حصل عليها كبار العاملين الامميين في البرنامج· وانتقد الصميدعي الدور 'السياسي' للامانة العامة، والامين العام السابق بطرس غالي، الذي وضع برنامج 'النفط مقابل الغذاء' ابان ولايته·
واتهم التقرير المرحلي للجنة المستقلة التي يرأسها الرئيس السابق للبنك المركزي الاميركي بول فولكر، المدير السابق للبرنامج، بينون سيفان، بالاساءة الى مصداقية المنظمة الدولية عبر تدخله في البرنامج· وقال الصميدعي ان 'التقرير يثير كثيرا من المسائل التي تتعلق بجوهر دور الامم المتحدة'· وذكر أن التقرير كشف ان اختيار الشركات المكلفة شراء النفط العراقي وبيع سلع استهلاكية او ادارة حسابات البرنامج، قد تأثر باعتبارات سياسية، ووجه انتقادات حادة الى دور المنظمة الدولية· واضاف ان 'قراءة التقرير تكشف ان الامانة العامة كانت تحرص في بداية تطبيق البرنامج على ارضاء نظام صدام حسين·
ووجه التقرير الانتقاد الى سيفان لتدخله في مسألة الاختيار، حيث تدخل لمصلحة شركة 'افريكان ميدل ايست بتروليوم'، واضاف ان بغداد مازالت تعارض طريقة تمويل تحقيق لجنة فولكر من حساب كان يستخدم لتسيير برنامج 'النفط مقابل الغذاء'· واكد ان هذه الاموال عراقية، وان اي مبلغ متبق في حسابات البرنامج، يجب ان تعاد الى العراق 'بلا تأخير'·
من جهته، كرر الامين العام للمنظمة كوفي انان عزمه على 'اتخاذ تدابير' بعد تقرير لجنة التحقيق، مؤكدا انه لا يريد 'لهذه الفضيحة ان ترخي بظلالها باستمرار على الامم المتحدة'· وقال انان للصحافيين 'ان التقرير يتضمن بالتأكيد بعض الضربات الموجعة التي تقلقنا، ولذلك نريد ان نسارع الى التحرك'· واضاف 'في نظر منظمة مثل الامم المتحدة، فان اقل مؤشر على الفساد، والتصرف المثير للشكوك، وعدم احترام القواعد، امر يدعو للاسف وخطر، ولا نستطيع تجاهله، لكننا نتعامل معه بجدية'·
واعتبرت وزارة الخارجية الاميركية ان التقرير الاولي للجنة فولكر يتضمن 'اتهامات خطرة' ضد بعض المسؤولين في الامم المتحدة، مشيرة الى انها تنتظر التقرير النهائي· وقال مساعد المتحدث باسم الخارجية الاميركية آدم ايريلي 'يتضمن التقرير في هذه المرحلة اتهامات خطرة، تتعلق بسلوك بعض مسؤولي الامم المتحدة، ويعترف بالحاجة الى اجراء اصلاحات في الادارة، ويدعو الى مزيد من الشفافية'· لكن ايريلي اضاف 'سيكون من غير الملائم ابداء رأي نهائي، لذلك من الافضل الانتظار حتى ينتهي التحقيق'· واعرب اثنان من اعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، هما ريتشارد لوغار ونورم كوليمان، عن الامل في ان يتيح التقرير البدء بملاحقة بعض الشخصيات المتهمة·
من جهته، رفض بطرس غالي الامين العام السابق للمنظمة، تحمل كل المسؤولية عن برنامج النفط مقابل الغذاء العراقي، الذي شابته فضائح مشيرا بأصابع الاتهام الى خليفته كوفي عنان· وفي تصريحات لراديو هيئة الإذاعة البريطانية (بي·بي·سي) قال غالي 'أشترك في المسؤولية، لكن يجب الا تحملوني العملية برمتها·' واعرب عن اسفه لسوء الإدارة والفضيحة التي ظهرت الآن مع تقرير فولكر·

اقرأ أيضا

النفط يرتفع ووكالة الطاقة تخفض توقعاتها للطلب