فاطمة عطفة (أبوظبي)

الترجمة نشاط ثقافي وفكري قديم قدم الوجود البشري لا غنى عنها في معرفة ثقافات الآخر. والترجمة تشكل محركاً فعالاً للتاريخ نفسه، لا يمكن أن نتصور تقدماً من دونها. فهل يكون المأمون قد فطن لهذه الحقيقة وسبقنا إليها؟ وهل تكون تسميته «بيت الحكمة» إشارة خفية إلى أن الترجمة هي طريق الحكمة، وأن الانغلاق على الذات هو طريق الجنون؟ بهذا التساؤل اختتم الناقد والروائي والمترجم الدكتور محمد آيت ميهوب المحاضرة التي قدمها مساء أول أمس في مقر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بأبوظبي، وجاءت بعنوان: «الترجمة ودورها في حوار الحضارات». قدم للأمسية الشاعر نعيم عيسى.
واعتبر الدكتور ميهوب أن الترجمة هي هيمنة على الآخر، كما هي أيضاً انفتاح على الآخر، وتابع قائلاً: لنتخيل عالماً لا ترجمة فيه، ولا حاجة لقوم إلى قراءة نصوص غيرهم. فهذا هو المستحيل، لأن الترجمة هي دليل ساطع على حتمية الانفتاح على الآخر، واستحالة الانغلاق على الذات وقصور الاكتفاء بمنجزاتها العلمية والفكرية والدينية. فسواء كانت الحضارة قوية مهيمنة معتدية أو ضعيفة تابعة أو معتدى عليها، فهي دائماً في حاجة إلى أن تعرف الآخر وتكتشفه وتضيف منجزاته إلى منجزاتها، أي أن تقيم معه حواراً حضارياً ما.
وعن هيمنة الترجمة، أوضح المحاضر الدكتور ميهوب قائلاً: إن المتعامل في حركة الترجمة الإنسانية في سيرورتها وتشكيلاتها الحضارية يتبين له أن الترجمة راسخة القدم في حمى الصراعات والحروب البشرية، لم تسلم من أن توظف لهيمنة طرف ما على طرف آخر، بدءاً من الاستيلاء على أفكار الآخر إلى تيسير شن الحرب واحتلال أراضي الآخرين. إن الترجمة عمل بشري لا يصلنا منه غير منتوجات العلمي والثقافي، ولكن خلفيته محفوفة بالأطماع والرغبة الجامحة في السيطرة على الآخر، وتأكيد الذات محوراً للوجود. وتوظف الترجمة عند الحرب، والتجسس، والرغبة في التفوق على الآخر واستغلال الترجمة لتعزيز محورية الذات.
وتطرق الدكتور ميهوبي في محاضرته إلى محاور عدة، مشيراً إلى الفائدة التي قدمتها الترجمة في العصر الوسيط حين قام الأوروبيون بترجمة مؤلفات العرب في الفلسفة والرياضيات والطب، كما أمكن لأوروبا أن تضع أيديها على الكنوز العربية في الأندلس وتستعيدها في لغاتها، بانية منها معالم نهضتها الحديثة. كما سعى العرب في مطلع نهضتهم الحديثة مع محمد علي في مصر والمشير أحمد باي في تونس، إلى ترجمة علوم الغرب ونقل معارفهم، كما وظفت الترجمة عند المصرين القدامى إبان صعودهم الحضاري، وأيضاً في بداية العهد الأموي وفي عصر المأمون، خاصة في ترجمة معارف غيرهم.
وركز المحاضر على أهمية الترجمة قائلاً: أما في المستوى العميق، فالترجمة لقاء يتجاوز المؤلف والمترجم إلى ثقافة كليهما وحضارتهما، بما يعني ذلك من قيم ورؤى للوجود ومفاهيم وطرائق للتعامل مع الواقع، مبيناً أن فعل الترجمة يندرج بالضرورة، مثله مثل كل إنتاج ثقافي، في سياقات الحضارة التي ينتمي إليها اجتماعياً وتاريخياً وسياسياً واقتصادياً أيضاً.