الاتحاد

الملحق الثقافي

أرواح تهفو.. وأخرى تندثِر

(أرشيفية)  Paul Bond   من أعمال

(أرشيفية) Paul Bond من أعمال

إعداد وترجمة: عزالدين عناية

تيزيانو روسّي شاعر إيطالي من مواليد (1935) بمدينة ميلانو، حائز الإجازة في الأدب من الجامعة الوطنية. اشتغل طويلاً في قطاع النشر لدى منشورات «فيلترينللي» و«غرزانتي» العتيدتين، كما عمل في المجال الصحفي الثقافي مع صحيفة «لونيتا» ومجلة «ريناشيتا». قرض الشعر في سن مبكرة وأدمنه إلى اليوم. امتازت قصائده بنبرة أخلاقية مشبعة بالواقعية، جعلته في صفّ «الخط اللومباردي»، وهو خطّ شعري مميّز في رؤية العالم وتصويره ينفر من المفارق والرمزي، شديد الالتحام بالواقع اليومي. تتوقف كوكبة الشعراء تلك، التي لا تزعم أنها مدرسة بل مجرد خطّ، عند قضايا هامشية مستوحاة من صلب الواقع، وهو خيار شعري جاء ضمن سياق تاريخي، يدفعه حب التميز عن «الهرمسية»، المغرقة في الغموض والإبهام، وعن «الطليعية الجديدة»، المهووسة بأجواء التسيس والالتزام حتى النخاع.
وكما يُعرِّف كوكبة «الخط اللومباردي» أنفسهم، هم شعراء لا يطاردون السراب ولا ينشدون المفارق والمُثل، بل يرمون بجذورهم في أرض «لومبارديا»، من واقع عيشهم يستوحون مشاهدهم ومن أفواه الناس يستلهمون مفرداتهم. لا يميزهم أسلوب محدد بل تقارب في الموضوعات.
في هذه الرباعيات التي كتبها الشاعر تيزيانو روسّي، أحد الأعلام المتأخرين لهذا الخط الشعري رفقة لوتشانو إيربا وفرانكو لوي ودانتي إيسالا، يدوّن قصص أناس على عجل، منهم الصبي اليافع ومنهم الشيخ العاجز، يهيّء لهم بطاقات هوية مستعجلة تحضر فيها ملامحهم وإن غابت منها مضامين الهويات المعتادة. وهي بالفعل تدوين للحظات هاربة عمادها أناس عابرون في ملحمة البطولات الخفية. الانشغال بالواقع مع «روسّي» يتجلى في الصور الشعرية المقتضبة والمكثفة، التي ترفض زخرف القول والإطناب. حيث يحلق الشعر فيها على مستوى منخفض، يلامس فيها قول الناس وعيش الناس، كما يقول روسّي، وقد جاءت تجربة الواقع لديه من مطلب أخلاقي عميق حشرته ضمن «الخط اللومباردي».


(الصبيّ. غ)
ليس له سِوى صوت الحساءِ
ذلك وحده، لا يكفيه،
بيْد أنّه بتهجٍّ
سَوف يأتي ما لا أحَد يأْتيه.

(الصبيّة. ب)
مُشدوهة العينينِ
في الصّمتِ تنتظر
تنبعُ أشياءُ
من بحيرة الحليبِ الطافحة،
أسماء
قطرات غيثٍ منهمِر.

(الصبيّ. ب)
يلاحِق كرتَه
إلى منتهى الآفاق
جسارة عظيمة
في ترويضه للسّاق،
الكون في انسياب.

(الصبيّة. ل. أ)
اليوم الأوّل في المدرسة..
اللّوحة
الكرّاس الأبيض
التمرِين
الظّفر على السّطر،
كائن آخر يناديه مشوار جديد.

(الصبيّة. ز. أ)
«لست أنا، لستُ..»
مبرّئةً الذمّة
وهي تمدّ إلى الأمام أنامل عشر..
فجر مرهق ببدايات التصنّع
لخداع خصوم إخوة
في غير حدّة.

(الصبيّة. إ. أ)
في ملتقى الثَّنايا مكثتْ
ومن منازل عدّة
نادتْ الحفيدةُ ذويها بتمتمة..
حذوها المذْوَد المقدَّس الذي تهواه.

(الطفلة. ك)
تخطُّ بقلم مرهق
على الورقِ سطراً
مساراً،
ثم تمدُّه بعيداً
طويلاً
متسائلة: أينَ الرَّحيل؟

(الصبيّة. أ)
تفتح سجلَّ الذكريات مجدّداً..
القلم بين الأصابعِ،
ينقضي اليوم الهوينا
وما خطّت سوى
اليوم في كلّ الأرجاء.. تسلّيتُ.

(الصبيّة. ر. أ)
في درْب الآلامِ
لها نزق خفيّ..
تنادي بحذر، هل تخبر الأحياء
بالقَدر الشقيّ؟

(فانيسا. أ)
الثوب تحت النور المهاجرِ
بهاء وغرابة.. تحوم،
في لحظة تستوحي شيئاً
من مواسم.. تبدُو مغمَضةَ الجفون.

(الصبيّ. أ. ب)
مقلِّباً حافظة محشوّة بالأمتعة
حطام رتلٍ، أوراق مرهقة،
عود ثقاب
مثل قلبه الذّاوِي.. كلّه التهاب.

(الصبيّة. ل. إ)
في سكون اللّيلِ
في ساعة تغمرها النّجوم
متيقِظة، ترنو إلى الوصولِ،
ستفعل في جنح الظلام
أَوَليست مناراً في الليل البهيمِ؟

(الصبيّ. د. ر)
يقلِّد الكبارَ
القلم سيجار
يتهجى كتاباً، صفحاته مقلوبة
بداية عاثرة للسَّعيِ للأمامِ.

(الصبيّ. ش)
في عجائب حديقة الحيوانات
والقداسة مهيبة
يتمّلى..
لا الفيل الضخم
بل اليمامة على الطريقِ صريعة.

(الصبيّ. أ)
بالألمِ البريء لا يعبأ
له إلْف لسُكنى الأقبية،
بتحولات الطّبيعة لا يبالي..
مهابته في جسدٍ أضناه الوهن.

(كريستيان. غ)
الجِراب على الكتفِ
يخطو ولا يعرف للمقام سبيلاً.
أوسلو، كلكوتا، مسّينا، فلورنسا
ومدنا في عزلة حزينة..
يذكرها قليلاً
ويتعلّم مما يميّزها الكثيرَ.

(مارا. ل)
تجيل الفكر من خارج
في أحبّتِهَا
في سنّ يمور فيها الجسد.
الجنس لا غالب له
يملي نواميسه الخفيّة
ظِلالاً للتّوالدِ المستَجد.

(غوليلمينا. أ)
من الكلمات المتصاعدة كالسّحاب
في وهج العشقِ
من الترانيم العالية
خلاصُها،
تلك الزّقزقة انعتاقها
تلك القصّة التي مضت.. غابت.

(مارسيو. ب)
ينتفض القرنُ الجديد ويتوارى
مخلِّفا عَلماً منيراً
نحو مصير قدسيّ
يهرع على سرج غير مألوف.

(أنسيلمو. ب)
تهاجر معزوفةُ الموسيقا
عمق النغمِ لاهب
وقعه شجيّ
أكثر من ترانيم أغنية
هنا يتلاشى الزّمن القادم!

(كورينا. ر)
المصائر بكماء
وغرابة الحياة خلف المعبر
تنورتها تهتزّ
خطوة أخرى وتتعثّر.




(أوسيبيو. ز)
يرسم على الجدار بطون القبائل
في فتنة غامرة هنا
تحتشد الفتوّة
أطلال حُلم أبيّ.

(فالتر. د)
وماذا ترجون مني
في عفونة مدينتكم..
لا أبالي بما تلوكونه
فقطْ ترّهات بغايا.

(الدكتور كالوستري)
من عيادته في ذلك البرج العجيب
ينثر الخير والشرّ سواء،
هكذا يبعث الوجود والعدم
أرواح تهفو
وأخرى تندثِر.

(السيّدة كامبني)
تعتقد في أثر الأبراج
لمقاصد كونية تجهد النفس..
بكظم الغيظ
تهتزّ مع خفقات القلب.

(روزا. إ)
لن تبقى
بحسب الزَّمان في الخلفِ
إذا ما حلّ طيف الشهداء
تلقي نفسها هدراً في أعمال مجيدة،
تتنقّى من وهمها
لعلّ ذلك أجدى...

(تاديو. أ)
رفقة سآمته (كما يقولون)
يتطلّع نحو الغروب
إلى أبنية باهتة
توشك أن تُهدّ..
داخل أيّ مشهد
سينقضي الحدث؟

(السيد ميدالي)
ما أدراهم بطبعي؟
أنا أتقن فنّ العوم
في أيّ وضع
فالكلّ يتحوّل عندي..
بوسعي أن أجعل ذاتي رماداً..
لهيباً، أو نبراس بداية.

(السيدة موتيسي)
تلوذ بأشجانها وأشباحها
سائلة عن جلسات ولعاب وفير..
علّها تلاقي مرّة عنتاً
وهي تنبض سوياً في تلك الجماعة.

(الدكتور بيانكي)
إلى أراض قصيّة يرحل
نحو حروب خاضها الكلّ..
طبيب محدودب، دكتور
يعالج الجميعَ
ولا يبالي بالشرفِ.

(السيّد دبلوسي)
غباوته تملي عليه الاندساس
في محاريب الزّمان، ليتلو
من أوراقه لغْواً
فقدْ عبَر ثُلّة من الرّجال هناك قُدماً.

(الرسّام بونفانتي)
بيدٍ من لحم، يطوف على الأوراقِ
يرسم ما تيسّر من الطيف
لِفَتاته التائهة تلك:
سِمات خفية لحزنه.

(الأستاذ سرميلي)
التقنية الحيوية، حدود قصية
وهو يجسّ ولادات أخرى
في سماءِ الممكن الكلّ
في الفعلِ دوماً تلتئمُ الحقيقة.

(الدكتورة بيانالي)
صيدليتها، عُلبٌ ملوّنة،
حوَت بعض الخلاص.
وعلى المصرف يلهث الأحياء تباعاً
بجهد جهيد، باندفاع ولِين.

(لياندرو. م)
عابرٌ باتجاه البرزخ
يذرع أناه
جيئة ذهاباً..
سوف يصحو من سكره
قليلاً قليلاً.

(أتيليو. ر)
يقود سيّارة الإسعاف،
بين نحيب الموتِ وسكراته،
لكن الآن نحو مجازاة بهيّة
مولود جديد بحواسّه الخمس.

(إدواردو. أ)
مولع بالعشق عن بعد
لأشخاص ملامحهم خفيّة،
ذاك هواه
قبل أن يتوارى في دغل المدينة...

(السيّد غاروسي)
تحت نجم حسير
قضى عمره
يقبع الآن في حيٍّ خراب
وعلَى الغليون آثار القرون.
هلْ يستطيع لمّ شمل ذلك الكلّ؟

(السيّدة زاكيني)
هل يدرِكون أين بأسها
وكم صلة أبيَّة لها؟
سحرٌ أناقتها
ودفءٌ تحت راحتِها.


(السيّدة ملتاسي)
من أريكتها تلوِّح
يا بهيّ الأولاد،
يا فتيّ الأحفاد،
كنتَ ما كنت
جئتَ
والمهمّ أنّكَ أنتَ.

(السيّد ريلوندي)
يَنشد فهمَ التبدّل
يصرّ على الصّحف والسياسةِ
ويلتهم التلفاز.
يخمن
علّه يظفر بما يخبّئه العالَم.

(السيّد برانزي)
أنهكه السُّقام ويتجاسر
يرفع الكيس الثخين قليلاً:
بيأس يتطلّع إلى أعلى
أتراه يبلغ الذروة،
صندوق القمامة؟

(السيّدة ريشيوتي)
بين أشغال التنظيف المرهقة
تنتصب ربّة البيت ببأس..
ضدّ الأوساخ وكمائنها
معركة ضارية لا تعرف المهادنة.

(الأستاذ كوسو)
لعلّه ألِف مشاق الحياة..
حقيقة ترهق وتضني
تبدو أكثر صدقاً لديه
من حقيقة تغبط.

(إتور. ز)
دائماً ينحشر في الثنايا المتعرجة
لما ينبغي، للبحث
عن ندامة لم تُعرف قط
لاحقاً سيرتدّ صدى تألّمه.

(السيّد شيزاريتي)
صقّال دقيق في صمت
على طرف قدميه يرفل
خطوط مستقيمة وخُشيبات
تتلاقى بإتقان هناك.

(بونيفاشيو. م)
هكذا عنيد بالسّلب والإيجاب
يجرّب إحساساً مفعماً بالتمام
كأنّه من خشب وإهاب
من مستخلص العتاد.

(إينوشنسو. ر)
سادن يجمّع المقاعد،
ينفض يافطات بارزة
ويرعى الشّموع.
ملكٌ مغبرّ في شغل دؤوب
لمن هو غير موجود..

(السيّدة زيكاري)
في متجرها مجرّة أناقة تدور،
مع رفاق قدامى
لحظة أخرى تفيض.
هي في عبورِها الخاطف
ونحن في خطانا الوئيدة نسير.

(السيّدة بانكيلي)
تستضيف أحبّة،
تبدو بستاناً بين زفير ما يزعج
ميلانو فريدة
تتبعُها هوامش
مرْفأ كلّه لطف.

(السيّدة توبري)
كلّ ما يُروَى عنّا
من جمود العواطف مغرض،
هي أميرة هذا اللقاء،
ترجّ جبالنا الغرقى وتبعث فينا الحياة.

(السيّدة نيرازي)
الوقت هنيء والجوّ نعيم
أرى نزهة في عمق لطيف
فناجين القهوة..
جُلّ الأعزّاء موعدهم نميمة
الآن يجتاحني الألم.

(إيفانا. ف)
تتوارى الهوينا بآلام سبعة أو أكثر، مرفرفة كخيال قدسي هل بإمكانها أن تخطو هناك فوق الهاوية؟

شاعر الرباعيات
تيزيانو روسي نشر عدة دواوين شعرية وأعمالا نثرية: «عسل ولا» (1988)، «حركة التريث» (1993)، «تبدو كأنها الجنة» (1998). مجموعة «سباق البشر» (2000) التي نالت جائزة فياريجيو تُرجمت إلى عدة لغات منها العربية، وقَع الشاعر إثرها في إغراء الرباعيات. نشر الشاعر كذلك مجموعات لاحقة منها «عكس الريح» (2005) و«يوميات ضائعة» (2006).

اقرأ أيضا