برزت في الآونة الأخيرة العديد من المفاهيم والممارسات المؤسسية التي تمثل ملامح مرحلة جديدة في العمل الحكومي.. أحد أبرز هذه المفاهيم هو استشراف المستقبل الذي يمثل أحد التوجهات الاستراتيجية التي تتخطى حدود دراسة المستقبل وتوقع ملامحه وأبعاده إلى المساهمة الفاعلة بتصميمه وتشكيله وبنائه وصناعته بما في ذلك استشراف حاجات وتوقعات المتعاملين وتصميم منتجات وخدمات تتجاوز هذه التوقعات والاحتياجات بشكل مبتكر واستباقي، حيث تكمن أهمية وقيمة هذه الممارسة في الدور الأساسي الذي تلعبه في مواكبة الجهات الحكومية للتقدم الهائل والمتسارع في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ونمو اقتصادات المعرفة والمدن الخضراء والذكية والتطور في القطاع الصحي والتعليمي وأنظمة التنقل الذكية ومفاهيم مواطنة الشركات وتأثيرها على البعد البيئي والثقافي والاجتماعي لمجتمعاتها. وناقشت القمة العالمية للحكومات العديد من المناهج الاقتصادية المتوقع شيوعها في المستقبل ومنها الاقتصاد التشاركي كمثال على استشراف مستقبل الاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل، أعود لأذكِّر بأهمية مواكبة ثورة تقنية المعلومات والاتصالات لما تشكله من حجر أساس في ما يتعلق بإنترنت الأشياء (أو ما سيُصبِح مستقبلاً إنترنت كل الأشياء) والخلايا الجذعية وصناعة الأعضاء والذكاء الصناعي والتحول الرقمي والطباعة الثلاثية والرباعية الأبعاد وغيرها من التطورات التقنية الهائلة والتي ستُحدث تغييراً جذرياً في حياة البشر وتوقعاتهم من الحكومات. في هذا السياق يتوجب على الحكومات الناجحة إحداث تغييرات وتحولات جذرية في نماذج عملها وأسلوب تقديم خدماتها وآليات وممارسات إدارة تجربة متعامليها. حيث يتوجب تسليط الضوء على مواضيع الخدمات الذكية وإدارة البيانات المفتوحة والبيانات الضخمة والوسائل الريادية وغير التقليدية للتمويل الحكومي، بالإضافة إلى دعم هذه التوجهات بأطر قياس تركز في جوهرها على قياس مؤشرات السعادة والابتكار الحكومي والتنافسية وتوطين المعرفة. كَمَا يتوجب على المؤسسات التي تسعى لتحقيق مراتب ريادية العمل على مأسسة ممارسات ومفاهيم استشراف المستقبل ضمن نماذج عملها من خلال ربطها ومواءمتها مع عمليات التخطيط الاستراتيجي والتشغيلي والتي من أهمها تخطيط السيناريوهات (يمكن الاستفادة من تجربة شركة «شيل» وقصة نجاحها بعد ابتكارها لهذا المفهوم). استشراف المستقبل لا يقتصر على إعداد التوجه الاستراتيجي للجهة بَلْ يتعداه إلى التنبؤ بعدد من التصورات المستقبلية المبنية على أساس مقارنة عاملين أو ثلاثة عوامل لا تربطها علاقة سببية واضحة ومن ثم تحديد الأولويات الاستراتيجية لكل سيناريو متوقع بما يشمل تسخير مفاهيم التفكير التصميمي والابتكاري في صناعة وإعادة تشكيل مستقبل العمل الحكومي. سعادة المجتمع بمختلف فئاته ومكوناته هو الهدف الأسمى والنهائي لأي حكومة، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال اقتصاد معرفي قوي ومستدام وبيئة عمل حكومي داعمة لمفاهيم وممارسات التعلم والابتكار المؤسسي وخدمات ذكية تسبق في تصميمها وتقديمها توقعات واحتياجات متعامليها الحالية والمستقبلية. يوسف قطيط