صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

إيطاليا السِّحر الضّاري

المسرح الروماني (الكولوسيو) مع شروق الشمس

المسرح الروماني (الكولوسيو) مع شروق الشمس

على نقيض ما يتربّص بالقادم إلى روما بقصد الهجرة من جفاء وازورار، تغوي المدينة الزائر بسحرها الفاتن وجمالها الآسر. وبالفعل تبقى روما، وإن تبدّلت العصور، ذئبة ضارية ساحرة، كما صوّرها الروائي الجزائري الإيطالي عمارة لخوص في روايته «كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضّك». ويتمثّل سحر روما في غوايتها الفنية، حيث تختزن المدينة ثروة فنية باذخة على مستوى عالمي. وهي ثروة تعود إلى عصور تاريخية متباعدة، تمتد من العصور القديمة إلى التاريخ الراهن. وتتشكّل أساساً من المعابد والكنائس والمعالم التاريخية والحقول الأثرية والغاليريات الفنية والقصور المهيبة والنقائش. ما أهّل روما لحيازة موضع الصدارة في اختزان التراث البشري. ولكن تلك الثروة الوفيرة، أو بالأحرى ذلك المتحف المنثور الذي يلاقيك حيثما ولّيت وجهك عبر أرجاء المدينة، تقابله ثروة مودعة داخل المتاحف والغاليريات والمحال التاريخية والقصور. وهي عبارة عن مخازن هائلة لثروات فنية متنوعة تتكون من المخطوطات والأعمال الإبداعية والنقائش والمسكوكات والتحف واللوحات وتلامس مجالات عدة. حيث تتشكّل الشبكة المتحفية في المدينة الخالدة، كما يطلق عليها أهلها بافتتان، من سلسلة متنوعة من المتاحف، تمثّل قوة جذب فاعلة للزوار. ففي كل ركن من أركان روما وأحوازها يمكن العثور على أثر موغل في القدم، ما يجعل تلك الحاضرة بمجملها متحفاً فسيحاً يستهوي الزوار.
ولا ريب أن روما المدينة الفنية الهائلة، والتي كما يقول أهاليها «لم تُبن بين عشية وضحاها» حين يلمحون دهشة الزائر، هي نتاج تراكمات عصور، مع هذا ينبغي ألا تكون الشجرة التي تخفي الغابة الفنية الكثيفة التي تقف عليها إيطاليا بوجه عام.

أنّى ولّيت وجهك تحاصرك الروائع
حيث تضمّ إيطاليا 4976 متحفاً ومعْلَماً يضاهي المتحف، تتوزع بين عامة وخاصة. ومن جملة تلك المؤسسات نجد 4158 متحفاً وغاليري ومقراً لمجموعة خاصة، فضلا عن 282 فضاء أثرياً و536 معلَماً ومركَّباً أثرياً. وبحسب الإحصاء الذي رعته الوزارة المعنية تتوزع المؤسسات المتحفية بنسبة 1،7 متحف أو مؤسسة شبيهة ذات طابع متحفي على كل 100 كلم مربع، أي بما يعادل مؤسسة لكل اثني عشر ألف ساكن تقريباً. وتحتضن كمونة (بلدية) من ثلاث كمونات في إيطاليا متحفاً ويبلغ عدد الكمونات الإجمالي 2246 كمونة. هذا وقد سجّل التوافد على المؤسسات المتحفية وشبه المتحفية والمؤسسات الفنية، خلال العام المنقضي، رقماً قياسياً بلغ 115 مليون زائر، أي بزيادة ستة بالمئة؛ لكن يبقى تركز الزائرين في ثلاث محافظات رئيسة هي لاتسيو التي تشمل روما، وكذلك محافظتا توسكانا وكامبانيا. لتحافظ متاحف لاتسيو على أعلى نسبة في جذب الزوار بعشرين مليون زائر، تليها محافظة كامبانيا بثمانية ملايين، ثم محافظة توسكانا بستة ملايين. هذا وقد أورد وزير الثقافة الإيطالي داريو فرانشيسكيني في تعليقه على تقرير صادر عن الوزارة أن عدد زوار المتاحف الإيطالية وحدها قد حقق رقماً قياسياً خلال العام الفائت بما يعادل 46 مليون زائر، وهو ما لم يشهده تاريخ إيطاليا، جراء إصلاحات تشريعية وترسانة قانونية تم سنّها في الفترة الأخيرة، بما وفّر حصيلة مداخيل بلغت 175 مليون يورو.
فالثروة الثقافية والفنية تبقى من أبرز ذخائر الدولة الإيطالية، ولعل ذلك ما رسّخ في التقليد السياسي تسمية «وزارة الثقافة» بـ«وزارة الثروة والأنشطة الثقافية». حيث تضم إيطاليا 49 موضعاً مصنَّفاً ضمن قائمة «التراث العالمي» (world Heritage) تتعهده اليونسكو بالرعاية، بما يجعل إيطاليا تتصدّر قائمة الدول الحائزة على أكبر عدد من مواقع التراث العالمي. فهي تضمّ أوفر عدد من المواقع قبل الصين (45 موقعاً)، وإسبانيا (44 موقعاً)، وبما يجعل إيطاليا الأولى عالمياً من حيث حيازة المواقع المدرَجة ضمن قائمة التراث العالمي. وبالتالي يكون في إيطاليا 16،3 موقع على كل 100 ألف كلم مربع، قياساً بالمملكة المتحدة التي تضم 11،4 موقع، وألمانيا التي تضم 10،6 موقع.
ويفيد الموقع الرسمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بأن من جملة 936 موقعاً مصنَّفاً ضمن مواقع التراث العالمي، والتي تتوزع بين مواقع ثقافية (725) وبيئية (183) ومختلطة (28)، تحوز إيطاليا 47 موقعاً معترفاً به (من بينها 44 موقعاً ثقافياً و3 مواقع بيئية) بما يجعلها تحوز نسبة مئوية عالية تبلغ 5،02 بالمئة من جملة المواقع العالمية. ما يؤهل إيطاليا لحيازة المرتبة الأولى في مواقع التراث العالمي ويجعلها من ضمن مجموعة الدول الأعلى تأثيراً في المجال الثقافي على نطاق عالمي، إذا ما نظرنا إلى ثراء الأنشطة الثقافية والفنية وطابعها العالمي.

التراث صناعة ثقافية
من جانب آخر تبلغ أعداد المواقع الأثرية والمتاحف، وفق إحصاءات وزارة الثروة والأنشطة الثقافية الإيطالية مئة ألف وحدة، الأمر الذي يجعل البلد في طليعة الدول المستثمرة في التراث كصناعة ثقافية. والجلي أن الثروة الثقافية في إيطاليا تتمركز وسط البلاد بنسبة 42 في المئة. ليبقى المسار الرئيس للزائرين والسواح يتراوح بين المسرح الروماني (الكولوسيو) والبلاتينو (هضبة البالاتين التاريخية) التي بلغت أعداد التوافد عليها سبعة ملايين خلال العام الفائت. وبشكل عام تبقى المعالم التاريخية الأكثر جذباً للسياح في إيطاليا: المسرح الروماني، والبلاتينو، وحفريات بومباي، وغاليري الأكاديما، التي يرتادها سنوياً زهاء اثني عشر مليون زائر من جملة أربعين مليوناً.
وعلى نطاق آخر تبلغ أعداد المتاحف والمؤسسات الفنية والتاريخية غير الحكومية 4340 وحدة، من بينها 129 حقلا أثرياً و802 معلم ممتحَف وفضاء فني، تحظى جميعها بنظام دخول وزيارة، وهي عبارة عن قصور أو معالم ذات صبغة تاريخية أو فنية. وللتوضيح تتوزع هذه الثروة تقريباً على كافة التراب الإيطالي. ذلك أن التراث غير الحكومي، أي غير التابع للدولة والعائد إلى أفراد وعائلات ومؤسسات خاصة، هو تراث على درجة عالية من الثراء والتنوع في إيطاليا وينافس ما بحوزة الدولة، وهو ما يدعم صورة إيطاليا كمتحف منثور على كامل التراب الوطني. وتمثّل المحافظات الأكثر حيازة للثروة المتحفية الخاصة: بيمونته ولومبارديا وفينيتو وإيميليا رومانيا وتوسكانا وماركيه، التي تضم أكثر من 300 نقطة تتجمع فيها سلسلة من المتاحف، أي بما يفوق نصف الثروة المتحفية الوطنية. وبما يتخطى المعدل الوطني 1،7 مؤسسة على كل 100 كلم مربع في توزع المؤسسات المتحفية، وتحوز محافظات ماركيه وليغوريا والبندقية وتوسكانا متحفيْن على كل مئة كلم مربع.
ومؤسسات تاريخية وفنية غير حكومية بهذا الحجم (4340 مؤسسة متحفية) مضاف إليها ما ترعاه وزارة الثروة والأنشطة الثقافية مباشرة، تبدو ثروة في منتهى الأهمية مقارنة بغيرها من البلدان الأوروبية. ذلك أن تراثاً بذلك الحجم لا تتفوق فيه على إيطاليا سوى ألمانيا التي تضم 6175 متحفاً ومؤسسة شبيهة. في حين يتقلص عدد المتاحف والمؤسسات الشبيهة في المملكة المتحدة إلى أقل من ألفي وحدة، ويناهز العدد في إسبانيا 1500 وحدة. أما في فرنسا فيبلغ عدد المؤسسات التي تحوز صفة المتحف 1173 وحدة. في حين لا يرتقي العدد في باقي الدول الأوروبية الأخرى إلى ألف متحف وفق الإحصاءات الأخيرة (26 مايو 2017) الصادرة عن مؤسسة «إجموس» المكلفة بالإحصاءات المتعلقة بالمتاحف.
وتقريباً يتشكّل ثلث المتاحف الإيطالية غير التابعة للدولة (والبالغة نسبتها 29،8 بالمئة) من غاليريات للعروض الفنية ومؤسسات تعنى بحفظ المجموعات الفنية القديمة والحديثة، فضلا عن المجموعات الفنية ذات الطابع الديني. كما نجد من ضمن تلك المتاحف غير التابعة للدولة صنفاً آخر من المتاحف يتكون من مؤسسات تعرض أدوات ووثائق ذات طابع إثنوغرافي وأنثروبولوجي (تشكل 16 بالمئة من المجموع العام)، والتي من ضمنها متاحف ذات صبغة فلاحية أو معنية بالفنون الشعبية والتراث القروي.
من جانب عدد زوار تلك المعالم الفنية والنقاط المتحفية غير الحكومية، فقد بلغ حجم التوافد 75 مليون زائر وفق أعداد مكتب الإحصاء الوطني. ولو أضفنا إليها زيارات المتاحف والمعالم الحكومية (نحو أربعين مليوناً) يمكن الحديث عن 115 مليون زائر. وهو جمهور يناهز عدد الذين ارتادوا دُور السينما خلال الفترة نفسها (قرابة 116 مليوناً) وبما يفوق خمس مرات عدد الذين توافدوا على ملاعب كرة القدم (22 مليوناً).

الفاتيكان والسياحة الدينية
في حاضرة الفاتيكان الواقعة في قلب روما تختزن المتاحف أهم المجموعات الفنية العالمية، العائدة إلى الحقبة الكلاسيكية الإغريقية-الرومانية مروراً بمصر القديمة ومختلف العصور الإسلامية، وصولا إلى أعمال كبار الفنانين العالميين أمثال مايكل أنجيلو ورافائيللو وليوناردو وجيوتو وفازاري وكارافاجيو وبنتورويكيو وبيروجينو وغيرهم، إلى الأعمال الفنية الدينية المعاصرة لفان غوغ وماتيس وشاغال ومور وغريكو وميسينا وآخرين. ويمثّل متحف الفاتيكان أحد المحطات الرئيسة في رحلة الحجيج المسيحيين والسواح العاديين. هذا وقد توافد على هذا المتحف خلال العام المنقضي ستة ملايين زائر، بما يضعه في مصاف المتاحف الكبرى بعد متحف اللوفر وفق الترتيب العالمي. ومتحف الفاتيكان هو في الواقع تجمّعٌ لاثني عشر متحفاً تقع على أربعين ألف متر مربع داخل حاضرة الفاتيكان الممتدة على أربعة وأربعين هكتاراً، والتي باتباع السور المحاذي يمكن الطّواف بها على مدار الساعة.
إذ تعود فكرة إنشاء متحف الفاتيكان إلى البابا يوليوس الثاني، الذي ترأس كنيسة روما خلال الفترة (1503-1513م). فقد دعا حينها مايكل أنجيلو لإنجاز «الكابيللا سيستينا» ورافائيللو لإضفاء مسحة فنية على «القصر الرسولي» مقر البابا الرئيس، ومن ثمّ أنشئت النواة الأولى لمتحف الفاتيكان. منذ ذلك العهد تعهّد بابوات روما تلك النواة المتحفية بالتهذيب والإثراء بتماثيل ونقائش تعود إلى شخصيات مسيحية وأخرى سابقة للعهود المسيحية، إلى أن اتخذ المتحف شكله الحالي مع الأستاذ فرانشيسكو بورانيللي الذي تولى إدارته بين 1983 و 1996. ويشكّل «المتحف المصري» ضمن مجموعة متاحف الفاتيكان واحداً من أهم المتاحف الأثرية والتاريخية، وهو مستودع هائل للآثار والتحف النادرة الواردة من حفريات في مصر. فضلا عن متاحف أخرى أحدها مخصص للمسكوكات والطوابع البريدية، وآخر مخصص لتراث الحملات التبشيرية، يضم ذخائر اللقى الإثنوغرافية الواردة من البلدان التي شهدت تنصير الكنيسة الكاثوليكية، وقد أنشئ خلال القرن الماضي (سنة 1926) بإيعاز من البابا بيوس الحادي عشر. ناهيك عن متحف آخر شبيه بمستودع يضمّ مختلف أنواع الحوامل والعربات التي كان يُنقل عليها البابوات أثناء إقامتهم القداس في ساحة القديس بطرس. كما نجد متحفاً يضم الأعمال الفنية الدينية تعود إلى كل من ماتيس وروالت وشاغال وغوغان ومور ومارتيني وفرّاتسي وكارّا وغيرهم. ما يناهز ربع قرن أقيم في روما، على مرمى حجر من المسرح الروماني، مع ذلك تباغتني هذه المدينة، بين الفينة والأخرى، بسحرها وجمالها، أبقى مشدوهاً وكأني وصلت في التو إلى روما، لعل تلك إحدى عجائب هذه المدينة الفاتنة.

أرقام
* تضمّ إيطاليا 4976 متحفاً ومعْلَماً يضاهي المتحف، 4158 منها لمجموعة خاصة، فضلا عن 282 فضاء أثرياً و536 معلَماً ومركَّباً أثرياً
* تتوزع المؤسسات المتحفية بنسبة 1،7 متحف أو مؤسسة شبيهة على كل 100 كلم مربع، أي بما يعادل مؤسسة لكل 12 ألف ساكن تقريباً
* تحتضن كمونة (بلدية) من كل ثلاث كمونات في إيطاليا متحفاً ويبلغ عدد الكمونات الإجمالي 2246 كمونة
* 115 مليون شخص زاروا المؤسسات المتحفية وشبه المتحفية والمؤسسات الفنية خلال العام المنقضي
* تضم إيطاليا 49 موضعاً مصنَّفاً ضمن قائمة «التراث العالمي» ما يجعلها تتصدّر بقية العالم