الاتحاد

الملحق الثقافي

أبناء المسافة

أحلم بالأمس بيدي غيمة (أرشيفية)

أحلم بالأمس بيدي غيمة (أرشيفية)

نص مشترك أمل إسماعيل و يوسف الناصري

يتكاثر أبناء المسافة، ويتعذر على أمّهم الأرض إدراك عددهم أو لملمتهم في أحشائها مجدداً، كأنهم يولدون خارج الزمن، أو يلفظهم التاريخ الذي ملَّ من تكرار نفسه دون أن يتعلموا الدرس. على سطح هذه البسيطة جئنا، وتعلمنا خطواتنا الأولى، وبينما كنت أجاهد لإخراج أصابع قدميّ من رمال الصحراء كانت حجارة الجبل تمعن في إعادة تشكيل أصابع قدميك لتلائم حوافّها المدببة.
سأودع أبنائي الصغار في البيت، وسأرد تحية ابنتي الصغرى بأحسن منها وهي تلوّح بيدها المعفّرة بالتراب من نافذة تغطيها زهور الجهنَّمية: «لا تبكي يا ابنتي، فأنا أيضاً طفل عفويّ الدمع وفي عينيَّ سيلٌ ينتظر انسكاباً، انتظريني مثلما تنتظرين لعبة العيد، مثلما أنتظر أنا أيضاً لحظة العودة وأحلاماً أحسبها اليوم قريبة تتدلى كقطف عنب في كَرْم جدّك».
بعد ساعة سأكون في محطتي الأخيرة التي أنطلق منها نحو الجبل، سأنتظر سيارة الأجرة التي تحمل كل الصاعدين للجبال وتكدسهم في جوفها أو في أي شبرٍ متاح، رفاهية الركوب مسألة ثانوية، ينسدل الليل على الأجساد الملتحمة، وتتحول الطريق إلى أفعى تتلوى على أنغام العجلات المتعبة من حواف الجبل الشاهق الذي يعيد رسم النهر العظيم جدولاً صغيراً. خطأ بسيط واحد يعني نهاية مأساوية أسفل النهر، لعل أحداً لا يفكر في الموت عدايَ. سكان الجبال يستمدون قسوتهم من الطقس القاسي، فيسخرون من فكرة السقوط، يتحدثون في كل شيء.. يضحكون ضحكات تبدو لمن يتصفح قسمات وجوههم حقيقية تمسح ذلك الخطر المتربص بهم في المنعرجات.
أعبر كل يوم طريقاً مرصوفاً يمتد إلى ما لا نهاية، شقّته الجرافات والعمال الآسيويون في القيظ والرطوبة، هكذا بكل فخر أحتفي بقدرة الإنسان على اختصار الزمن والعمر والمتعة، عبر طرق مُعبَّدة مُنارة تشق بطن الصحارى. نُتَف شجيراتٍ هنا وهناك، أشجار سدر غارقة في الرمل شَذَّبت أطرافها قضماتُ الجِمال السائبة، أعمدة الكهرباء الشاخصة تبدو كطابور طويل لمهاجرين ينتظرون حصتهم من المؤن، ورتل سيارات تلتهم الطريق التهاماً. مطمئنة إلى ما يحملني وأحمله، تتدحرج الأقلام والكتب الملقاة كيفما اتّفق في قعر السيارة مع كل انعطافة، أعتذر أحياناً بصوت متهكم، وأحياناً أخرى أنغمس في تأمل التماع السراب.
ماذا سأحمل معي؟ أشياء كثيرة سأحتاج إليها على قمة الجبل، لكن لا شيء أهم من قطع الحلوى التي يشتهيها تلاميذي هناك، أدوية الأطفال التي تحوّل بيتي إلى منجم من الذهب لمن يدقّ بابي آخر الليل باحثاً عما يُسكن آلام طفله، وربما حذاء للطفلة اليتيمة التي تجلس في المقعد الأخير من الصف كي تخفي رؤوس أصابعها الفضولية البارزة من شقوق حذائها المهترئ عن أعين زملائها. سأحمل أوراقي البيضاء لأكتب لك، لكل أولئك الذين أحبهم، لأطعم الجبل قصائد أبنائه الذين اكتفوا بالرياح والصدى. فوق الجبل قد أحتاج إلى كل شيء مهما كان تافهاً، فلا شيء يُشبع نهم العواصف الثلجية إذا برزت أنيابها البيضاء ممتدة من النهر إلى السماء.
في ساعة من الزمن، تتوقف تكّات الساعة، أدخل الأبدية على سرعة 140 كم/ ساعة، يلتحم جسدي بالسيارة، تلك التي أحبها لأنها ترحب بي كلما فتحت بابها، وتتمنى لي عودة سالمة عندما أغادرها أيضاً، فتنشأ بيننا صداقة تليّن الحديد، وتُذيب الفروقات، فروقات بين عالمين أحدهما من طين الأرض وآخر من حديد سماوي، يقود أولهما العالم نحو الخراب، بينما يلين الآخر لخدمته! نتهامس بنزقٍ طفولي كأننا نغتاب عابراً، ثم أنتبه إلى ما اعتراها من وقع المسافات، فأمسح على الخدوش التي أصابت جسدها الفضي، وقد تتعثر أصابعي بأثر ضربة حجر تلقّتها خطأ، نتبادل النظرات والألم، لو أنك تسمعها فقط!
تستسلم السماء للغروب، وينساب النهر صافياً رقراقاً، إنها سيمفونية الطبيعة الأُم التي تتجلى في خرير مياه جارفة تجاري حفيف شجر الجوز والصفصاف، الشمس التي تودّعني برقّة وهي تسحب آخر أشعتها من على القمم العالية ليمر محاذاة كتفي. هل وصلت؟ كلا، ليس بعد! رحلتي الحقيقية تبدأ الآن، لم يعد لدقات الساعة أي أثر، كعاشق يتتبع أثر معشوقته، أتحسس كل خطوة أخطوها بكل خفقة في قلبي، أقبض على كل الخواطر والأفكار المتفلتة لأحرس عمري بساعاته كاملة غير منقوصة لأجلها، أسلم بكل سكينة على الشجرة العجوز حارسة الجبل والنهر والطيور المهاجرة. لا شيء أركبه غير أفكاري التي تحملني وأحملها، تتوسد ظهري حقيبة، وفي يدي قنينة ماء أملؤها من العين. كائنات تعرفني وأعرفها، تحنّ إليَّ وأحنّ إليها، ترعرعنا معاً، وها نحن نمضي في شبابنا وكهولتنا معاً.
لا أجمل من أن تسطع الشمس في عينيك مباشرة، كأنها تهنئك لأنك أول المرحبين بمقدمها الصباحي المثير، أشعتها تكاد تعميك فلا ترى الطريق، لكن ذلك لا يهم، إنها تحتفل، وأنت ومن معك من رفقاء الطريق كذلك. كأنك تتجه نحو الشمس مباشرة، تغرق في احمرار خدّيها، تقبّلها فتحضنك بلا خجل على مرأى من السماء والأرض، تغذي سيرك نحوها، تتبعك السيارات الأخرى التي بت تعرفها، كأن اتفاقاً سرياً عقد بينكم جميعاً، وعندما تفتقد أحدهم، تخشى الأسوأ، لعله تعرض لحادث سير! لعله غيّر الطريق ولن تراه مجدداً! رفاق لا تعرف أسماءهم، بل سياراتهم وأرقام لوحاتها!
تلوح لي من هنا أضواء خافتة من القرية الأولى العالقة بين جبلين يبدوان كنهدين، غرف صغيرة من الحجر المرصوص تخبئ في رحمها أناساً بسطاء وتهبهم الدفء في شتاء لا تعرف له انتهاء. أشجار جوز هَرِمة باتت تميزنا إذا ما مررنا بها، تمد جذوعها عميقة لتتصل بجدول الماء الذي يتغذى من الثلوج الذائبة. علاقة سرّية تنشأ بيننا ولا نملك إنكارها أو البوح بها، يرحل الزوار، تختفي آثار الغرباء، ترحل طيور دون أن تخلِّف أعشاشاً للذكرى، لكن همسهما لا ينقطع، جذعها العاري يستحمّ في الجدول صباح مساء، وأنا أحتفل بقصتهما في خشوعٍ كصلاةِ عابر سبيل. مسجد بحجم صالة انتظار ضيقة لعابري الحدود المنبوذين على أطراف الدول، ألمح صبية يوقدون ناراً للتدفئة ويرددون سوراً من القرآن الكريم، أقف لأتبين الآيات التي يتلونها، فيتدفأ خدي بدمعتين.
في الصحراء تتمنى أن تطير، تنبسط الأرض برتقالية موشّاة بالنَّمش الأخضر أمام ناظريك، أفتح نوافذ السيارة الأربع، أتلمس الهواء المندفع بأصابعي التي لا تحتمله فتنثني، أشعر كأنني طائر يقاوم العاصفة بجناحين خجولين، فأمد أصابعي بتحدٍّ لترفرف مستوعبةً سرعة الرياح، هكذا.. إلى أن ينتهي الطريق السريع وأدخل إلى طرقات المدينة الوادعة.
صاعداً طريقي إلى السماء، يرسل البدر المكتمل نوره تاركاً الشمس تستريح في أوطان أخرى، أشعته الفضية هي التي ألهمت الشعراء أغانيهم، الوجه الذي يتبعني طفلاً هو نفسه الذي يتبع أحلام العاشقين، أتحسس حريتي وحقيقة روحي ومشاعري، خطواتي تنغرس في التراب وتتوحد معه، وأنا غارق في وحدة تعزفها الذئاب في عواء ممتزج بأهازيج تدعوني للعودة إلى الحي القديم.. أرض عذراء، لا أبواق سيارات ولا دخان إلا ما ترسله مواقد الحطب.. عذراء ككل البدايات المدهشة.
حادث سير أمامي، يصدف بصورة شبه يومية أن أمرّ بمثله، إما أن تكون سيارة متدهورة من تلقاء نفسها، أو رجلاً منهكاً أغوته المسافة، أو مجنوناً يختبر صبر عجلات سيارته، أو شبه غائب مثلي رأسه يشتعل بالأفكار فيحجب دخانها عنه الطريق، لم أفكر أبداً بحوادث السير على أنها مسألة مصيرية، المرة الوحيدة التي كادت تنقلب فيها السيارة لم أكن أنا في موضع القيادة، النافذة مشرعة، ويدي محلقة -كالعادة- خارجها، كل ما فكرت فيه كان: هل سأتمكن من الكتابة إليك لو أن أصابعي انسحقت تحت حطام السيارة؟
وصلت في وقت مكتسٍ بملامح الليل، قلت لك سلفاً بأن عقارب الوقت لا تلدغنا هنا، لا مواعيد صارمة ولا حقائق قاطعة. تسللت إلى القرية التي أُدرس فيها والأحلام تنسكب من السماوات تهدهد سكانها، لا أحد ليستقبلني إلا خرير الماء ودفق الشلال. أفقت في الصباح على غيمات باردة تقبّل كل خلية من جسدي. أن ألامس بيدي غيمة، أسافر معها إلى البعيد، أتحول إلى سندباد الذي زار تلك الجزر فأرسى عليها مراكبه، ثم أُطلُّ من عَلٍ على كل الأقطار دون أن تحدّني حدود أو يطالبني جمركي متجهم بجواز سفر.. حلم استغرق من طفولتي وقتاً طويلاً منتظراً نزول سحابة! اعتليت أعلى النخلات، قفزت أعلى وأعلى.. ثم كوَّرت حلمي في مجاهل روحي. كأنَّكِ معي الآن تمدينَ يدكِ التي هي يدي، نسلم على الغيمات، أرتمي في حضنها الطري، ليتني فهمتها حينها، مطلبها بسيطاً كان.. أن نصعد إليها عوضاً عن نزولها إلينا!
آهٍ.. كم تمنيت أن أعانق السحاب دون ترتيب مسبق كما تفعل أنتَ! لكن هذه الرفاهية ليست متاحة ههنا إلا لأهل الجبل، أستعيض عنها بالضباب -رغم خطورته أحياناً- إلا أنه يشعرني بأنني أسبح في بحر من الغيم، أمواج وأمواج من الضباب، مسافة لا نهائية من البياض، كأنني على وشك ولوج نفق سحري يؤدي إلى الجنة. هل تدري أني صعدت جبلاً مرة! فعلتها وهربت بسيارة أخي إلى اللا مكان، بحثت عن ذلك الجبل الذي سيدعوني إليه، ووجدته في منطقة اسمها «شمل» في رأس الخيمة، درجات شقها أهل المنطقة في بطن الجبل صعوداً إلى أعلى، كل صخرة فيه كانت تدعوني إليه، استسلمت للنداء، ارتقيت إلى السماء ومع كل درجة كنت أتخفف مني، لم يعانقني الغيم على قمته لكن السماء غسلت روحي بالمطر. ثمة جبال تدعونا إليها لأنها تريد منا شيئاً، ولو سألتني أن أعود إلى ذلك الجبل الآن، لما استدللت على الطريق!
ما زال الطريق طويلاً، الغيمة الحُبلى تتمخض عن أولى القطرات، قطرات المطر تستحيل ثلجاً، تتدثر القرية بالبياض، تختفي القمم، تختفي الحقول الصغيرة التي يزرع فيها الفلاحون عنبر الجبل، أحس بنفسي ضئيلاً آخذاً في التلاشي، أتلمس طريق العودة إلى البيت الدافئ بحذر شديد، أخطو خطوات مترددة خشية السقوط من شفا الحافة التي أقف عليها، كثرٌ أولئك الذين تلقفهم الجبل وحوَّل أجسادهم إلى شامات تزيد صخوره الصماء صلابة. حوادث المسافات يرتكبها القدر، لكنني لا أملك الجرأة على مواجهته، كان أقصى أمانيَّ أن أتوقف لأسعف ذلك الرجل الذي تدهورت سيارته السوداء أمامي وانتهى الأمر بها معانقةً عمود الإنارة، أن أخرج حقيبة الإسعافات من سباتها العميق تحت المقعد، لكنني كنت مهذبة إلى الحد الذي جعلني أتصل برقم الطوارئ لأبلغهم بتفاصيل الحادث وإحداثيات الموقع، ثم أتابع طريقي كأي مدني مثالي ملتزم بإشارات المرور. الغيمات المسافرة لم تحملني إلى هناك، لكنها حملت رسائلي التي صففت عليها نوتات سيمفونية نعزفها معاً على طريق ممهد يمتد طولاً على صحراء، وآخر يعرج بي امتداداً في السماء، لأطل من هنا على ذكرياتي، على خطواتي التي لم تُمحَ بعد من مراتع الصبا، لأعانق أطفالي وأقرأ في عيونهم أشواقي وأحلامي، نغني معاً نفس الأغاني القديمة.. عن الوطن، عن غصن الزيتون الذي لن يذبل في يدنا، عن القامة المنتصبة والخطوات الثابتة، تلك التي لا تهزها ريح.
على طرفَي المسافة يمضي كلٌّ منا، يغادر ظله ليمنحه للآخر، ثم يعود فيلبسه من جديد، أحتفي بالشمس بينما تسامر القمر، وأعيد ترتيب الكلمات على أوراقي بأناقة وأنت ترسمها بصبر وأناة على دفاتر تلاميذك المتربة، طعم الحياة يحلو.. ملح الحياة يمنح بحري سحراً وجداولكِ عذوبة! تستدير الأرض فتبدو كبطن امرأة حُبلى بالأماني، مترقبين ولادة مباغتة، نبحث عن اسم للمولود الجديد، نحن أبناء المسافة، أيمكننا أن نطلق عليه -متوسمين الخير- اسم القدر؟!


اقرأ أيضا