دينا جوني (دبي) تعيش النظم التعليمية في الإمارات والعالم مرحلة إعادة التشكيل أو ما يسمى بـ«إعادة التخيل»، فتضاعفت التجارب والأفكار والدراسات والمنتديات المتخصصة التي تعمل على تطوير التعليم وربط مخرجاته بالنمو الاقتصادي والازدهار للدول، لتخريج أجيال تناسب مهاراتها متطلبات القرن الحادي والعشرين، وتلبي احتياجات سوق عمل «ضبابي» المستقبل لم تتضح ملامحه بعد. في ظل لهاث الدول لتحقيق نتائج أفضل وفقاً لمقياس الاختبارات الدولية المختلفة، وابتداع أساليب تقييم وتدريس لا تنتهي حولت الطالب والمعلم في بعض الأحيان إلى أدوات هدفها الأوحد تحقيق نتائج دولية أفضل «أوتوماتيكياً»، ومع تبني تقنيات «محاكاة الواقع» التعليمية الحديثة، ومناهج البرمجة والروبوت التي تضمن للفرد مساحة في خريطة عمل المستقبل، تقرر الإمارات العودة إلى الأصل، والتمسّك بالجوهر، بالتركيز على «الطالب - الإنسان» أولاً. فقد أضاف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بُعداً آخر على العملية التعليمية برمتها هو البعد القيمي والأخلاقي، عبر إطلاقه منهج التربية الأخلاقية، إلى جانب البعدين المادي والعلمي اللذين يتصف بهما التعليم. فعلى الرغم من أن جميع مدارس الدولة تطبق منهج التربية الإسلامية الذي يتضمن قيماً دعا إليها الإسلام، إلا أن تكريس مادة خاصة بالتربية الأخلاقية العابرة للثقافات والشعوب في هذا الوقت، يكتسب أهمية قصوى من نواحٍ عدة تعليمية وسياسية واجتماعية، كما يفرض معها أساليب تدريسية تختلف عن كل ما تمّ تطبيقه حتى اليـوم في المناهــج الدراسيــة فــي الإمارات. وجهة نظر ولعل مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تشدد على أمرين، أولهما: العودة للإنسانية في زمن أصبح العنف المتجول على الشاشات وجهة نظر، والجريمة مبررة، والثاني هو تأصيل القيم والأخلاق في نفوس الطلبة، ليكونوا أناساً صادقين ومسؤولين ورحيمين، بما يساعدهم على عيش حياة إيجابية، تدفعهم بالتالي ليكونوا أفراداً فاعلين ومنتجين ومؤثرين في مجتمعاتهم. ومبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان هي نفسها تكريس لتراث الإنسان، والتمسك بأصوله وهويته، ونهل من موروث شخصياته، فالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ربط قبل ذلك العلم بالأخلاق، حين قال: «من دون الأخلاق ودون حسن السلوك ودون العلم لا تستطيع الأمم أن تبني أجيالها والقيام بواجبها، وإنما حضارات الأمم بالعلم وحسن الخلق والشهامة ومعرفة الماضي والتطلع للحاضر والمستقبل». تحويل القيمة تعلم وزارة التربية والتعليم جيداً أن تأليف منهج مثالي للتربية الأخلاقية لا يعني مباشرة أن التطبيق سيكون على قدر المطلوب، فتفعيل المادة وتحويل القيمة من فكرة نظرية إلى تطبيق فعلي ملموس أمام الطالب، يحتاج إلى شخصية مقنعة تتمتع بميزات خاصة، ترافقها أدوات تعليمية «غير تقليدية». وفي الوقت الذي تحضر الوزارة مع لجنة مشتركة من الخبراء، وديوان ولي عهد أبوظبي، ومجلس أبوظبي للتعليم، وهيئة المعرفة والتنمية البشرية، المضمون الكامل للمادة، لبدء التطبيق التجريبي في يناير المقبل، دعا عدد من الخبراء والتربويين إلى التوسّع في المادة، وعدم حصرها في كتاب واحد، لتشمل مختلف المواد الدراسية العلمية منها والإنسانية، بما يتيح إحاطة الطالب بهالة يومية من القيم والأخلاق والمبادئ، يتم تمريرها خلال الحصص. وتؤكد الشيخة خلود القاسمي الوكيل المساعد في وزارة التربية والتعليم لقطاع ضمان الجودة في لقاء مع «الاتحاد»، أن التطبيق الكامل لمنهج التربية الأخلاقية سيتم في العام الدراسي 2018 - 2019، أما في العام الدراسي المقبل، فسيكون التطبيق على صفوف الحلقة الأولى والثانية، على أن تجرب المادة على صفوف الحلقة الثالثة باستثناء الثاني عشر. وقالت: إن خصوصية وحساسية الفئة العمرية لطلبة الحلقة الثالثة تتطلب التأني في تطبيق المنهج، للوقوف أولاً على نقاط القوة للمادة والتحديات التي تعترضها في الصفوف الأخرى، قبل تجريبها على طلبة المرحلة الثانوية. ميثاق خاص وقالت القاسمي: في المرحلة الأولى، سيتم تدريب معلمي مادة الدراسات الاجتماعية لتمكينهم من تدريس هذه المادة إلى حين انتهاء عمليات التقييم والمراجعة للمنهاج المطور. على أن تتبع ذلك إجراءات لاستقطاب معلمي مادة التربية الأخلاقية، بعد الانتهاء من وضع المعايير والمواصفات المهنية المطلوبة، وبعد ذلك، يخضع المعلمون الذين يتم اختيارهم لتدريب مكثّف. كما ستتم الاستعانة بشخصيات مجتمعية مختلفة لتدريس المادة في وحدات معينة. وأكدت تشكيل لجنة مشتركة لوضع ميثاق أخلاقي لمعلم التربية الأخلاقية، ومراجعة الميثاق الأخلاقي العام للمعلم المطبّق حالياً، لتضمينه الجزء المتعلق حصراً بمعلم المادة الجديدة، بحيث يتم تخصيص حصة واحدة أسبوعياً لمادة «التربية الأخلاقية» للمراحل والصفوف الدراسية كافة من الصف الأول إلى الحادي عشر، وعلى أن تؤخذ تلك الحصة من مادة الدراسات الاجتماعية، إضافة إلى السماح للمدارس الخاصة بتدريس المادة باللغتين العربية والإنجليزية، مع الحرص على تضمين الهوية الثقافية للدولة في المنهاج الدراسي المطور. مواصفات وأضافت: ونظراً لما توليه وزارة التربية والتعليم من أهمية خاصة لمادة التربية الأخلاقية وما تعول عليه من طموحات في إيصال المفاهيم السلوكية والأخلاقية المستهدفة إلى الطلبة، فقد تم تحديد مجموعة من المعايير المهنية لشغل وظيفة معلم لمادة التربية الأخلاقية. وتهدف الوزارة من وراء تلك المعايير إلى استقطاب الكفاءات المتميزة لتدريس المادة، من دون اشتراط حصول المرشح على مؤهل علمي ذي علاقة بمادة التربية الأخلاقية كعلم السلوك والنفس والدراسات الاجتماعية، إضافة إلى قدرته على تطبيق المنهج المتمركز حول المتعلم والقدرة على التكيف مع تغير متطلبات تعليم الأطفال والمراهقين، والقدرة على تحفيزهم وإلهامهم. كما تشترط الوزارة بطبيعة الحال إلمام المعلم بالبيئات المحلية والإقليمية، ومعرفته بالسياسات التعليمية المعمول بها في الدولة، وامتلاكه مهارات التقديم والتواصل واستخدام التكنولوجيا الحديثة. تكاملية أخلاقية وأكدت الشيخة خلود القاسمي، تضمين بعض القيم في المواد الإنسانية الأخرى، إلى جانب مادتي المهارات الحياتية والعلوم الصحية، عند تطوير المناهج الحالية؛ بهدف تحقيق التكاملية والتأكد من إحاطة الطالب بالأفكار نفسها خلال اليوم الدراسي، لكي يختزن عقله تلك القيم، وتصبح جزءاً أصيلاً من شخصيته وأسلوب حياته ونظرته للأمور ومعالجته لها. وبشكل عام، سيتم تدريب جميع المعلمين على إطار المنهج الجديد وكيفية تعزيز القيم التي يتضمنها. فالطالب في نظر الوزارة، مسؤولية المدرسة وليس معلم بعينه، ولفتت إلى أن لا بد من تعاون الهيئات التدريسية جميعاً في نقل تلك القيم إلى الطالب، كلّ حسب المادة التي يدرّسها. التطبيق «حلزوني» وتابعت: تعتمد وزارة التربية والتعليم في تطبيق المنهج، الشكل الحلزوني الذي يراعي في شرح وتطبيق كل قيمة مدى تناسبها مع عمر الطالب، وستقوم الوزارة بإحداث تغيير نوعي في أساليب تدريس المادة، مبتعدة بذلك عن الأساليب المتبعة في تدريس المواد الأخرى. فتعليم التربية الأخلاقية لا يشبه بقية المواد العلمية التي تهدف إلى نقل المعرفة؛ لأن المعرفة وحدها هنا لا تكفي هنا، بل تحتاج إلى ممارسات تطبيقية للقيم المطروحة، كما أن الصعوبة الأخرى تكمن في كيفية تعليم الطالب القيمة انطلاقاً من وجهة نظر يتبناها المعلم، من دون أن يفرضها فعلياً على الطالب، لأن هذا الفرض في حدّ ذاته ينافي أصلاً القيم الأخرى التي يتضمنها المنهج مثل احترام الاختلاف والهوية الذاتية. وهناك أفكار عدة طرحتها اللجنة المعنية بالمنهج الجديد، وتشرح الشيخة خلود القاسمي أنه ستتم على سبيل المثال معالجة سيناريوهات عدة، خلال حصة التربية الأخلاقية، ومواقف حياتية مرتبطة بالقيم المطروحة في الوحدات الدراسية والبالغ عددها 65، وسيقوم المعلم برصد تعامل الطالب مع الموقف، لتوجيهه نحو التعامل الأمثل. كما سيقوم المعلمون برصد الحالة العامة في الصف أولاً، من خلال عرض حالة دراسية على الطلبة، ليتوصل المعلم من خلال المناقشات، إلى طريقة تفكير الطلبة، للوقوف على كيفية تعزيز تلك القيم من خلال المنهج. وكذلك ابتكار أدوات ملاحظة لسلوك الطلبة وقياسها خلال فترات زمنية مختلفة. وسيكون الطلبة معنيين بتقديم مشاريع عدة تصبّ في مجال القيم في عدد من الوحدات الدراسية. كما سيتم إجراء زيارات ميدانية إلى المتاحف ومراكز الآثار لفهم التراث المادي والتاريخي للدولة؛ لأن المنهج يتطرق إلى حقبة من تاريخ الدولة في وحدة «اكتشاف تراث الإمارات»، و«التراث المعنوي»، و«نشأة الدولة»، وكذلك الاستعانة بالفيديوهات المحلية والدولية التي تبرز جوانب مضيئة في العمل الإنساني والأخلاقي سواء من خلال مبادرات أو شخصيات. وأضافت القاسمي: كما تشمل تلك الأساليب، على سبيل المثال، استخدام التعليم التفاعلي القائم على تنفيذ الأنشطة والتمارين الجماعية، وتشجيع الطلبة على التعلم الذاتي والبحث عن المعرفة في المراجع العلمية والثقافية، إضافة إلى استثمار وسائل التكنولوجيا والألعاب لتعزيز انتباه الطلبة ومشاركتهم. القيادة الرشيدة تحثنا على الإبداع أشارت الشيخة خلود القاسمي الوكيل المساعد في وزارة التربية والتعليم لقطاع ضمان الجودة، إلى أن عمل الوزارة لا يتوقف على تنفيذ المنهج وتفعيله وتطويره، فالقيادات الرشيدة في الدولة، بدءاً من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، تحث الجميع على الإبداع في ما تقدمه. وقالت القاسمي: «إن الإمارات لطالما كانت سبّاقة في طرح المبادرات الخلّاقة، وليس جديداً على صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الخروج بمبادرات تلقي بظلالها على جميع المواطنين والقاطنين في الدولة». ولفتت إلى أنه تطبيقاً لهذا النهج، فإن وزارة التربية والتعليم تطمح إلى تصدير منهج التربية الأخلاقية إلى العالم بشكل عام، ومختلف الدول المجاورة بشكل خاص في المراحل اللاحقة. فالمنهج الجديد الذي يتسم بطابع إماراتي عربي، يعدّ أيضاً حاجة ماسة لمختلف الشعوب في زمن يتفشى العنف على مختلف الشاشات الصغيرة والكبيرة، وتزداد أعداد الأطفال خارج المقاعد الدراسية بسبب الحروب المتنقلة التي لم تكتب خاتمتها بعد، وهم بذلك يعدون بيئة خصبة للتطرف الأعمى والاستغلال، الأمر الذي يجعل من بناء سدّ أخلاقي أمراً ضرورياً لتأمين التوازن في عالم الغد. جو تعليمي تفاعلي أشارت خلود القاسمي إلى أن المادة ستطرح للمراجعة دورياً لتعزيزها بالمعلومات المحلية والإثرائية، من خلال الخبراء الذين وضعوا الإطار العام للمادة، واللجنة الفنية المؤلفة من وزارة التربية، وهيئة المعرفة والتنمية البشرية، ومجلس أبوظبي للتعليم، وديوان ولي عهد أبوظبي. وأكدت أن توفير جو تعليمي تفاعلي يستند إلى تطبيق الاتجاهات الحديثة في التعليم والتعلم الفعال بعيداً عن الأساليب التقليدية في تلقين الدروس، سيمكن الطلبة بكل تأكيد من تحسين مستويات تحصيلهم في مادة التربية الأخلاقية، وسيحثهم على تطوير معارفهم ومهاراتهم وسلوكياتهم من خلال توفير الأساليب التعليمية التي ستمكنهم من زيادة الوعي الفكري وتطوير التكوين الشخصي، وتحقيق النضج السلوكي المنشود. أربعة محاور مرتبطة بمجال التعليم يشتمل إطار البرنامج الدراسي على أربعة محاور مرتبطة بمجال التعليم وهي: الشخصية والأخلاقيات، والفرد والمجتمع، والتربية الثقافية، والتربية المدنية. وقد تم دمج مختلف المحاور الأربعة للبرنامج الدراسي ضمن 3 مجالات رئيسة هي المجال الإدراكي الذي يتم من خلاله تزويد الطالب بالمعارف والمهارات الضرورية. والمجال الوجداني، ويتم تعزيز القيم الإيجابية وغرس القيم الوطنية الأصيلة المميزة لدولة الإمارات، ومنها قيم التسامح والولاء والتعاون والكرم. ومن خلال هذا الجانب، يتم تعزيز شعور الطالب بالاعتزاز بالقيم الأخلاقية والاستعداد للتخلق بها، وإنْ لم يشاركه الآخرون ذلك من محيطه العائلي أو المجتمعي. وفي المجال السلوكي، يتم تحويل القيمة إلى سلوك يمارسه الطالب في حياته، من خلال التعرف إليها ثم إضافة مفردات وقيم جديدة عليها، لكي يكتسب أخيراً القدرة على الحكم على المواقف الصعبة، والقيام بما يجب إزاء المواقف السلبية التي يواجهها الطالب في حياته. وفي هذه المرحلة، يصبح المنهج أكثر تعقيداً، ويصبح خيار التمسّك بالقيم كالقابض على الجمر، تقابله صعوبات حياتية ومادية وعاطفية قد تواجه الطالب. وقام فريق عمل متخصص في مجال تطوير المناهج الدراسية وخبراء متمرسين في مادة التربية الأخلاقية، بوضع التوصيف المساقي للبرنامج، كما قاموا بتصميم ووضع المواصفات الخاصة بكل وحدة دراسية، بما يضمن تدرج وتكامل المفاهيم والمهارات المتضمنة في منهاج التربية الأخلاقية، بحيث تستند إلى بعضها بعضاً، وتزداد تعقيداً واتساعاً مع تطور الطالب، كما تمت مراعاة أن يتم تدريس المنهاج وفق منهجية مترابطة على امتداد 11 سنة دراسية، لمنح المزيد من التفصيل والتطور ليتناسب مع درجة نضج وإدراك الطالب عبر السنوات الدراسية المختلفة.