الاتحاد

الأمية العربية المعاصرة

تعد حركة الحياة أو السعي كمفهوم أوسع من أهم مكونات حقيقة الوجود كونها احدى المفردات التكوينية لقانون إلهي يعجز العقل البشري حتى عن فهم أو إدراك الشيء اليسير من ذلك المدرك من العلاقات والعناصر التكوينية المتداخلة المشكلة له ولاسباب الوجود في اطار المفهوم التعريفي لمكونات النظام الوجودي سواء في كينونته الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية·· الخ، فهي نظم تكوينية يفسر أداءها منظومة قوانين تحكم استقامتها الوظيفية في الحفاظ على مضمون الاستمرارية الحياتية للكائن الحي· ويبدو ان تفسير النظرية الاقتصادية للحركة أو السعي يمثل في المقابل اساس الظاهرة الاقتصادية برمتها كمفهوم علمي نظري وعملي يفرض حقيقة الحركة أو السعي كأساس للبقاء تعكسها ظاهرتا ما يطلق عليه الاقتصاديون بالندرة النسبية للموارد وتعدد الحاجات البشرية أو ما يسمى بظاهرة عدم كفاية الموارد لاشباع جميع الحاجات الانسانية· غير ان نتائج التفاوت بين الناس وخاصة في درجة الحركة أو السعي أدت وتؤدي الى التفاوت في مستويات الأداء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي·· الخ وانعكس ذلك التفاوت بين الشعوب والأمم حيث افرزت، بدورها حضارات بشرية متعاقبة ساهمت في اثراء الموروث البشري كنتاج طبيعي لكمّ تراكمي من المستوى المعرفي النظري والممارسي العملي متزامنا مع تغيرات مجتمعية متطورة رغم تباينها السببي في النشوء والانهيار ومدى مساهماتها النهضوية· ولا شك ان المستوى الحياتي الحديث قد كشف للاجيال المعاصرة اهمية التأمل ومن ثم العمل بمستوى قيمي هادف منعكس خاصة في مجموعة قيم ذات معانٍ محمودة منها الجدية والاخلاص والطموح وهي قيم متزينة حتما لامتزاجها بمستوى معرفي متقدم يبرهن على أن هذه القيم المدعومة بالاسلوب العلمي في التناول لشتى الظواهر الحياتية تتصف بأنها كالسيف ذي الحدين وفقا لحجم أو المدى الممارسي لها من عدمه فاما ان تكون نتائجها التطور والرقي وبالتالي بقناعة مغروسة في نفوس الاجيال تؤدي الى وضع أسس مجتمعات متحضرة ذات ديناميكية حياتية طموحة والمساهمة والمشاركة في صنع مستقبل انساني مشرق، أو قد تكون نتائجها التخلف والانجرار وراء كوابيس مجتمعية يصنعها واقع متدنٍ من المستوى المعرفي المؤسس لفساد نفسي يقود الى أمراض مجتمعية فتاكة مكروناتها عدم الجدية والاتكالية وموادها افتعال مفاهيم وسلوكيات تخدم زرع ظاهرة الاحباط قبل بلوغ استيعاب ظاهرة السعي مرحلة النمو حتى ولو شبه الكاملة في اجيال يفترض فيها أنها لو تركت لشأنها لمكنتها معطيات ظرفية مكانية وزمانية من تملك جرعة معرفية كافية بمستوى يحتم التأسيس المعرفي المستوعب لاهمية العمل بالمزيج المعرفي القيمي من اجل انطلاقة مجتمعية تنموية نهضوية مسلحة بعوامل تتجاوز في قوة دفعها مظاهر وعوامل ومقومات ظاهرة التخلف· ولذلك فإن النجاح المجتمعي التحديثي المؤسس لسعي حياتي مجتمعي نهضوي يبدأ بتعميم مفاهيم وسلوكيات جوهرها ذلك المزيج القيمي المعرفي المؤدي الى زرع القناعة لدى الأجيال بحتمية احترام وبالتالي العمل بما تعلمته الأجيال من شتى أنواع العلوم وكذلك التعميق الفكري والوجداني لديها بأهمية احترام المجهود الادائي والاستنتاجي عملا بالضوابط العصرية المتمثلة في التميز الهرمي الاكاديمي وفقا لمقاييس تحكيمية متعارف عليها كالدرجة العلمية أو الخبرة أو العبقرية الفطرية المدعومة بالتفوق الاكاديمي··· الخ·
الكارثة التي يواجهها عالمنا العربي والإسلامي اليوم تتمثل في ضآلة الهامش إن لم يكن الاستبعاد الكامل لمنظومة وسائل التناول العلمي كأسس للتعاطي مع شتى الظواهر وللأسف اعتماد بدائل مبنية على العشوائية كأسس استنتاجية· والنتيجة النهائية لهذا الطرح لمثل هذا النمط من الفهم والسلوك هو انتفاء أو فقدان الاستفادة من ذلك الوقع الايجابي الصريح والضمني المعهود للكلمة المؤسسة علميا أو المنطقية المقروءة أو المشاهدة أو المسموعة من حيث تأثيرها في دفع السلوك في اتجاهات ما ترمي اليه من اسس بناء حضاري للفرد والمجتمع، فلم يعد لها أي الكلمة ذلك الكم المفترض من التأثير العملي رغم ما يحمله المزيج القيمي العلمي من منطق مستنتج من معطيات وحيثيات وحقائق علمية صحية وصحيحة قضى كل من حمل قدرا منها جزءا كبيرا من حياته في تتبع فهمها بهدف التأهل والرقي المعرفي الى مستوى صناعة الطرح المفيد والهادف الى تحقيق منجزات حياتية للفرد والمجتمع· لقد وصلت اعراض الكارثة الى أقصى حدودها من حيث الاهمال المجتمعي للكلمة المنطقية السوية المفيدة والأخذ بما هو مناقض لها وكأن هناك عداوة صريحة لكلمة المنطق العلمي المفيد أو كما قال الاستاذ محسن العيني في شهادته على العصر أنه وكما يبدو أن العرب قد فقدوا الاحساس لمعنى ما يقرؤونه· وهذه في رأيي هي الأمية المعاصرة والتي سنعود الى تناولها مستقبلا ان شاء الله·
د· علي صالح الحجري
جامعة صنعاء

اقرأ أيضا