الاتحاد

تقارير

العلاقات التجارية بين الصين وأميركا اللاتينية

أندريس أوبنهايمر
صحفي أرجنتيني متخصص في الشؤون اللاتينية

خلال زيارته الأخيرة لأميركا اللاتينية، وعد الرئيس الصيني «زي جيبينج» بإطلاق حزمة جديدة من الصفقات التجارية والاستثمارية وصفها بأنها ستحلق بالعلاقات القائمة بين الاقتصاد الصيني المزدهر والمنطقة إلى ذُرى جديدة لم تبلغها من قبل. واستقبل العديد من رؤساء أميركا اللاتينية هذا التصريح بكثير من الارتياح باعتباره يمثل أخباراً طيبة، وخاصة بعد أن شهدت اقتصادات بلادهم تباطؤاً نسبياً في الأشهر الأخيرة.
إلا أن أحدث الأرقام المتعلقة بالتجارة بين الطرفين تحكي لنا قصة مختلفة تماماً تشير إلى أن أهم الأخبار التي «تختبئ» وراء زيارة «زي» تحمل طابعاً سياسياً لا اقتصادياً. وتوضح تلك الأرقام أن التجارة المتبادلة بين الصين وأميركا اللاتينية بدأت بالتباطؤ بعد عقد من النمو الاستثنائي بالرغم من أن الصين تفوقت على الولايات المتحدة عندما أصبحت الشريك التجاري رقم1 مع معظم دول أميركا اللاتينية.
وارتفعت أرقام صادرات أميركا اللاتينية إلى الصين من 2.4 بالمئة من أصل مجمل صادرات المنطقة إلى العالم عام 2002 إلى 11.7 بالمئة عام 2012 وفقاً لإحصائيات رسمية صادرة عن صندوق النقد الدولي. إلا أن هذه النسبة هبطت بشكل طفيف إلى 11.6 بالمئة عام 2013 فيما تشير معظم توقعات الخبراء الاقتصاديين إلى أنها سوف تواصل نموها وفق وتيرة أبطأ من التي كانت عليها خلال السنوات الأخيرة.
وتكمن بعض أهم أسباب هذا التباطؤ في أن الاقتصاد الصيني بحد ذاته لم يعد ينمو وفق معدله السنوي القياسي الذي بلغ 10 بالمئة خلال العقد الماضي. ومن المتوقع أن يبلغ 7.5 بالمئة هذا العام، وأن يحافظ على هذا المعدل خلال السنوات القليلة المقبلة. ويُضاف إلى ذلك أن العديد من الخبراء الاقتصاديين يشككون في أننا سنشهد مواصلة النمو القياسي في التجارة بين الطرفين للمعدلات نفسها التي بلغها خلال العقد الماضي، لأن أميركا اللاتينية لا تحتل مرتبة رفيعة الأهمية في الأجندة التجارية والاقتصادية للصين. وفيما تبدو الصين ذات أهمية تجارية، خاصة بالنسبة لأميركا اللاتينية، فإن أميركا الأخيرة لا تحتل مكانة خاصة بالنسبة للصين.
وآثر «ر. إيفان إيليس» الذي ألّف عدة كتب حول العلاقات بين الصين وأميركا اللاتينية، والعائد لتوّه من رحلة تعليمية إلى الصين امتدت لشهر كامل، أن يؤكد لي ما كنت قد لاحظته بنفسي خلال رحلاتي المتكررة الأخيرة إلى الصين من أن الصينيين لا يعرفون إلا النزر اليسير عن الأوضاع في أميركا اللاتينية.
وخلال ممارسته مهمته التعليمية في أهم معهد تجاري صيني متخصص بالتجارة وإدارة الأعمال، وجد «إيليس» من خلال استبيان شمل طلابه الصينيين الستة والثلاثين بأن تسعة منهم يعتقدون أن «ماتشو بيكشو» هو الأب الروحي لاستقلال بوليفيا فيما هو في حقيقة الأمر أحد معاقل حضارة الأنكا، ويقع على رأس جبل شاهق الارتفاع في البيرو، ويعتقد سبعة منهم أن «بانشو فيللا» هو الرئيس الحالي للمكسيك، ولكنه في الحقيقة ثائر مكسيكي ضد الاستعمار الإسباني توفي عام 1923. وهناك ما هو أهم من كل ذلك، فلقد تركز جلّ اهتمام السياسة الخارجية الصينية في السنوات الأخيرة على آسيا وأفريقيا بأكثر من أميركا اللاتينية. ويقول دبلوماسيون من أميركا اللاتينية إنهم غالباً ما ينتظرون سنوات حتى يحصلوا على موافقة لمقابلة المسؤولين الصينيين الكبار.
وحكى لي السفير المكسيكي السابق في الصين «خورخي جواخاردو» والذي خدم في بكين بين عامي 2007 و2013، قصة معبرة. فبعد أن فشلت الجهود الفردية المضنية التي بذلها العديد من سفراء أميركا اللاتينية للفوز بموعد لمقابلة وزير التجارة الصيني، قرروا أن يبعثوا إليه رسالة جماعية يطلبون منه فيها الاجتماع بهم جميعاً في مقابلة واحدة. ويتحدث «جواخاردو» عما حصل بعد ذلك فيقول: «وجاءنا ردّ من الوزارة يقول بأنهم يأسفون لإبلاغنا بأن من غير الممكن النزول عند رغبتنا بسبب ضيق الوقت. ولم تتم هذه المقابلة على الإطلاق».
وخلال زيارته الأخيرة إلى المنطقة، أبرم «زي» صفقة مشتركة مع البرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا، أو ما يعرف باسم مجموعة دول «البريكس»، لتأسيس «بنك التنمية الجديد» NDB لمساعدة دول الاقتصادات الناشئة. واقترح أيضاً تشييد شبكة لخطوط السكك الحديدية تربط بين دولتي حوض الأمازون البيرو والبرازيل، وأعلن عن إبرام العشرات من الاتفاقيات التجارية والاستثمارية الثنائية مع دول أميركا اللاتينية. وأطلق «زي» أثناء زيارته إلى أميركا اللاتينية إيماءات لم تحظَ إلا بالقليل جداً من اهتمام المعلقين بالرغم من خطورتها على المدى البعيد، عندما أشار إلى أن الاجتماعات التي عقدها مع زعماء أميركا اللاتينية ليست إلا تمهيداً لعقد أول قمة بين الصين وقادة مجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي CELAC قبل نهاية العام الجاري، وهي المجموعة التي تم استبعاد الولايات المتحدة منها.
وفي رأيي الشخصي، أن الأخبار المهمة التي تواردت عن زيارة «زي» إلى أميركا اللاتينية لا تتعلق بالمشاريع الاقتصادية التي أعلن هو ذاته عنها، بل إن الهدف الأساسي من هذه الزيارة هو القرار الصيني بتقوية العلاقات السياسية مع دول المنطقة. وهذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها الصين عن تغيير نهج علاقاتها بدول أميركا اللاتينية من الخط الثنائي (دولة مع دولة) إلى الخط الإقليمي (دولة مع منطقة)، وهذا بالضبط ما فعلته في أفريقيا. حتى لكأن الصين تخاطب بهذا النهج الولايات المتحدة قائلة: :لقد اقتحمتِ بيوت جيراني، وها أنا أقتحم بيوت جيرانك».

اقرأ أيضا