أحمد عثمان (باريس) بيير ريفردي، الشاعر السوريالي، يخرج من دائرة النسيان النسبية بديوان «أغنية الموتى»، المكون من 43 قصيدة، الذي كتبه قبل عام 1945، وبالتحديد خلال الحرب العالمية الثانية، ومزود بمائة وخمس وعشرين لوحة ليثوغرافية رسمها بابلو بيكاسو في عام 1948، فبعد أن أصدرت مطبوعات غاليمار عدداً من الكتب، ضمن سلسلة «شعر» المرموقة، الناتجة عن الصداقات المتبادلة بين الفنانين والأدباء، تابعت مشروعها بكتاب عن بيير ريفردي (1889– 1960) وبابلو بيكاسو (1881– 1973) يحمل عنوان «أغنية الموتى». يكشف الديوان عن كتابة لامعة وغامضة، ثرية بالصور، غير ممتلئة «بالحشو» صادقة، كما هو الحال دوماً مع قصائد ريفردي، يقول: «يذهب، يأتي، يتقهقر/‏‏‏‏ شعاع شمس على شمع العسل/‏‏‏‏ دمعة حزينة في قلبك/‏‏‏‏ حب يرجع في الصمت/‏‏‏‏ ثقل اليد على جبهتك/‏‏‏‏ ودوماً الموت العنيد/‏‏‏‏ الموت الشره». ويكتب:«في نواحي الليل/‏‏‏‏ من كل الذي يختبئ على جبهتك/‏‏‏‏ يرشح شعاع نور/‏‏‏‏ كخيط نيران على الباب/‏‏‏‏ من كلام فمك». بيير ريفردي، الشاعر الذي نال استحسان جميع أقرانه، مجدد قصيدة النثر، مؤلف نظرية الصورة التي ألهمت كثيراً السورياليين، يظهر في أحسن حالاته بكل صفحة من صفحات الديوان، ونقبض من خلالها على هذه الصور: الشمس التي تغيب في آخر حياة كل إنسان، ظلال القرن الذي يمتد، عذاب الحميمية التي لم تمنع الشاعر يوماً ما عن البحث دوماً عن «الدقة»، ذلك التصور الأثير لديه. لا تبحث الكتابة-المخطوطة في هذا الديوان عن التستر على حالات الشطب (النادرة أحياناً) التي يسببها الإيقاع الطويل والملح، مجازفة دوماً بفتن يد «الكاتب» (بالمعنى الأدبي للكلمة) ودفعه إلى التكرار: «لا شيء يحفظ في الأيدي التي تختلط/‏‏‏‏ يبقى أو يلتقط بالأصابع/‏‏‏‏ لا شيء سوى اللمعان الذي ينزلق/‏‏‏‏ مياه الريح المرشحة التي تنساب شفيفة/‏‏‏‏ في عيني». ليثوغرافيات بابلو بيكاسو ليست رسومات. على نحو تجريدي، تجمل جانباً كبيراً من قصيدة ريفردي، على غرار ديكور الأوبرا، كأنها الستائر الحمراء التي ترتفع على المسرح الداخلي للإنسان. تؤطر، تحيط بالنص، تتزاوج ومشاعر الاختناق التي تتحرر منه، كما الأقواس المفتوحة التي تعتبر محاولة للهروب من كل ما يهددها. بيكاسو، صديق مقرب لفترة طويلة من الشاعر، تمكن من اختراق القصيدة في عمقها لكي يترجمها بلوحاته. شاعرية ريفردي وفن بيكاسو يرتبطان بقوة بغناء هذه الأغنية «أغنية الموتى»، وهكذا ومن دون أدنى شك، هذه الموسيقى الخاصة بالموتى سوف تحفظ بيير ريفردي طويلا في ذاكرتنا.