يبدو أن اختيار دونالد ترامب لـ«ديفيد فريدمان» سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل، هو اختيار مواتي للجالية اليهودية الأميركية ولإمكانية دفع عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية للأمام. لكن قد يكون أكثر من ذلك كما يبدو للوهلة الأولى. لطالما كان الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو القضية الأكثر إثارة للجدل بين اليهود الأميركيين. وقد اتهم مفكرون يميلون لليسار مثل «بيتر بينارت» المؤسسة اليهودية الأميركية بتجاهل الانتقادات الموجهة لإسرائيل ورفض جيل الشباب الذي يرى التسويات المتعلقة بحل الدولتين باعتبارها وسيلة لإنقاذ إسرائيل من نفسها. أما اليهود الأميركيون من اليمين، والذين هم أكثر وعياً بالمسائل الأمنية، فقد انحازوا إلى حد كبير مع المحافظين السياسيين في إسرائيل، وقالوا إن الفلسطينيين لم يكونوا أبداً جادين بشأن السلام. ولسنوات حتى الآن، وجد كل فريق حليفاً في عاصمة ما أو أخرى. فاليهود الأميركيون يرون أنهم يعكسون النظرة المستقبلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيما يرى اليهود التقدميون في الرئيس الأميركي باراك أوباما زعيماً أميركياً متعاطفاً. وكانت النتيجة هي حالة من الجمود، فالجانبان تعلما ترسيخ مواقفهما وهم يعلمون أنه لن يحدث أي تغيير كبير. لكن ليس بعد الآن. فاختيار ترامب لـ«فريدمان» يزدري بشكل واضح اليسار اليهودي الأميركي. وقد شبه أنصار الجماعة اليسارية بـ«الكابوس»، في إشارة إلى اليهود الذين ساعدوا النازية في معسكرات التعذيب. ولعل الأهم من ذلك أن ترامب وعد بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وهي خطوة أحجمت عنها العديد من الإدارات خشية إثارة غضب العالم العربي، ويعد فريدمان من أكثر المتحمسين لمشروع الاستيطان. وقد كتب «شيمي شاليف» في صحيفة «هآرتس» اليسارية الإسرائيلية أن آراء فريدمان متطرفة للغاية لدرجة أنه «يجعل نتنياهو يبدو يسارياً في منظمة جي ستريت». وقد تعهد قادة جماعة «جي ستريت» الأميركية بمحاولة منع تعيين فريدمان، بيد أنهم سيفشلون في الغالب. وسيحاول اليهود الأميركيون التقدميون، الذين أبعدتهم واشنطن وتل أبيب عن السياسة، النضال ليكون لهم أي تأثير سياسي. وربما يبتعد الكثير من اليهود الأميركيين عن قضية إسرائيل باشمئزاز. ونظراً لأن هذه هي القضية الوحيدة التي تحرك جميع قطاعات المجتمع، فإن تأثيرها سيء على التماسك اليهودي في المدى الطويل. ويبدو أن تعيين فريدمان قد يثير الغضب في الشرق الأوسط. وقد حذر الفلسطينيون من أنه إذا نقلت الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس (وهو التحرك الذي قد يأخذ عدة أشكال، بعضها أكثر استفزازية)، فإنهم سيسحبون اعترافهم بإسرائيل وستجد الولايات المتحدة نفسها موضع ازدراء في العديد من العواصم العربية. ومن ناحية أخرى، فإن تعيين فريدمان سيؤدي إلى تآكل اليسار الإسرائيلي، وسيعزز الأحزاب الإسرائيلية المؤيدة لنتنياهو (يمين)، في حين أن رئيس الوزراء، الناجي سياسياً في نهاية المطاف، ربما ينجرف بشدة إلى اليمين، ما يثير غضب كل من اليهود الأميركيين وناخبي الوسط الإسرائيلي على حد سواء. وهناك خاسر آخر محتمل وهو رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ومعه حركة «فتح» والسلطة الفلسطينية نفسها. على مدى عقود، كان الفلسطينيون يتظاهرون بأنهم يمارسون لعبة الدبلوماسية، لكنهم عملياً لم يفعلوا شيئاً لدفع عملية السلام إلى الأمام. وقد أشار أوباما مؤخراً إلى أن العالم العربي مستمر في تعليم أبنائه كراهية إسرائيل، وقام الفلسطينيون مؤخراً بإطلاق اسم مدبر مذبحة ميونيخ، التي حدثت أثناء دورة الألعاب الأولمبية، على إحدى مدارسهم. ومع ذلك، وبينما وجه الرؤساء الأميركيون تأنيباً لطيفاً، كان عباس على ثقة منذ فترة طويلة بأن إسرائيل، وليس الفلسطينيون، ستشعر بوطأة الضغوط الأميركية. لكن تلك الأيام ولت الآن. وربما يمنح ترامب وفريدمان إسرائيل تفويضاً مطلقاً لتعزيز بناء المستوطنات، مع عدم إيلاء أي اهتمام للتطلعات الفلسطينية للحصول على السيادة. ومع إدراك الفلسطينيين أن عقداً من حكم عباس لم يحقق شيئاً، فمن المرجح أن تخسر حركة «فتح» أمام حركة «حماس» الأكثر راديكالية. وما سيحدث بعد ذلك لا يمكن تخمينه. وقد يلجأ الفلسطينيون إلى العنف بنفس النمط الذي بدأ عام 1929، وأن تعود المنطقة إلى دائرة الإرهاب العربي والانتقام الإسرائيلي. وسيعاني الجميع، وفي النهاية لن تتقدم قضية إقامة دولة فلسطينية للأمام قيد أنملة. والجانبان يدركان ذلك. وهناك احتمال آخر، هو أن يدرك نتنياهو وعباس أن الوقت ليس في صالحهما. فهل هذه تكون اللحظة المناسبة للتنازل ومحاولة التفاوض بشأن اتفاق حقيقي؟ إن فريدمان لن يحب ذلك، لكنه لن يستطيع إلغاء الناخبين الإسرائيليين الذين يحبذون ذلك. *كاتب أميركي متخصص في العلاقات الأميركية الإسرائيلية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»