الاتحاد

دنيا

العيد بين جيلين..عادات موروثة وتقنيات عصرية

اجتماع الأسرة ميزة في العيد (تصوير عمران شاهد)

اجتماع الأسرة ميزة في العيد (تصوير عمران شاهد)

أشرف جمعة (أبوظبي)
العيد في الإمارات له نكهته الخاصة، وحيويته التي تشكل ملامحه وفق عادات وتقاليد إماراتية أصيلة لم تزل تقاوم ما أضفاه العصر على شبكة العلاقات الاجتماعية من تراجع نسبي في نسيج خيوط الود والتقارب الحميم بين أفراد المجتمع وبعضهم بعضاً، وعلى الرغم من التباين بين فكر الجيل الماضي الذي لم يزل يحتفظ بجمل العادات الموروثة، وبين جيل الشباب الذي خلق منظومته الاجتماعية على هواه، وفق ارتباطه بتقنيات العصر والعوالم الرقمية التي أصبحت أداه لإرسال برقيات العيد من دون الإقدام على الزيارات، وتقديم التهنئة وجهاً لوجه، لكن الجيل القديم يبذل كل ما في وسعه لتظل معالم العيد بشكلها العتيد حاضرة في قلب المدنية، وهو ما يطرح إشكالية المفارقة والمقارنة بين العيد قديما وحديثا وفق رؤى كبار السن الذين يمثلون عبق الحياة، وجيل اليوم الذين يمثلون طلائع المستقبل.
طابع مميز
من بين الذين يعيشون لحظات العيد بصورته القديمة في أجواء الحاضر المتغير جمعة الرميثي، الذي يبلغ من العمر 65 عاماً، إذ إنه يحرص على استقبال كبار السن في أيام عيد الفطر المبارك في باحة داره ومن ثم تدار «السوالف» وتسترجع الذاكرة أيام الماضي العطر. ويقول الرميثي «رغم بساطة الحياة قديماً وقلة الموارد وضعف الإمكانات إلا أن عيد الفطر كان له طابعه المميز وفرحته الغامرة التي تجتاح النفوس، وكان من أجمل ما يميزه اللقاءات الحميمية التي تجمع المتخاصمين فينسى كل طرف ما في قلبه من نفور للآخر، وفي هذه اللحظة تتعانق الأرواح من جديد وتبدأ صفحة ناصعة من العلاقات الإنسانية»، مضيفا «لعيد الفطر طقوس في قلب البيئة الإماراتية القديمة تتمثل في الحرص الشديد على صلاة العيد، ومن ثم زيارة أهل الفريج والمناطق المحيطة، وإعداد واجب الضيافة في البيوت والانشغال في الاحتفالات الشعبية وتقديم العيدية».
ويشير الرميثي إلى أن العادات الحالية لعيد الفطر لخصها الشباب واختصروها بصورة لا تجانس ما درج عليه كبار السن، حيث المغالاة في تقديم العيدية، بالإضافة إلي تفصيل عدد كبير من الكاندير، لكن الظاهرة الأكثر غرابة هي ضعف تواصلهم الاجتماعي مع جملة عادات البيوت الإماراتية وهو ما فكك نسبياً عمليات التواصل المباشر في هذه المناسبة الجليلة وحلت الأجهزة الذكية كبديل رئيس لكلمة «كل عام وأنتم بخير» التي تقال بشكل مباشر لتصبح عبر رسالة مكتنزة على وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر الرسائل النصية وهو ما أفقد العيد طابعه الحميم.
طقوس ودلالات
لا يخفي سالم مرشد أن العيد منذ ربع قرن على أقل تقدير كانت له دلالات مختلفة وطقوس معينة شكلت الروح الإماراتية الشعبية المفعمة بأصالة الموروث المحلي، على الرغم من أن عيد الفطر يظل له نهكته الدينية التي تدعو للتبجيل واحترام مكانته رغم مرور السنين وتغير العادات. ويلفت إلى أنه يتذكر أن تفصيل الكنادير لم يكن بهذا الزخم في هذا العصر حيث إن ذلك لم يكن يستغرق وقتاً أما الآن فلابد من أن يكون بالحجز وقبل نهاية شهر رمضان بأسبوعين وكان من يحصل على عشرة دراهم، فهو من الرابحين، أما اليوم فالعيدية أخذت أشكالاً مبالغاً فيها جداً، وأصبحت تعطى للطفل الذي يجد نفسه في نهاية أيام العيد يمتلك مبلغاً من المال كبيراً، بالإضافة إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أثرت بوجه أو بآخر على زخم التجمعات العائلية وزيارة الأقارب في الأماكن القريبة والبعيدة ويشير إلى أن ذلك لم يؤثر بشكل قاطع على أن هناك العديد من القيم المتوارثة لم تزل موجودة ويحاول كبار السن أن تظل موجودة في كل مكان.


بساط المحبة
ينظر محمد مرشد (30 سنة) إلى تجمع الأهل في عيد الفطر منذ ما يقارب العشرين عاماً على أنه كان لقاء الأسرة السعيدة بامتياز حيث الجلوس في الباحات الواسعة للبيوت التي كانت تدار فيها أكواب القهوة العربية بآدابها وتقاليدها المعروفة ومعها كان يحلو السمر والأحاديث الممتعة. ويذكر أنه كان في طفولته من محبي هذه الجلسات ويقترب من كبار السن ويستمع إلى أحاديثهم الممتعة على بساط المحبة وفي ظـلال عيد الفطر. ويرى أنه علي الرغم من أن العيدية كانت عبارة عن عطاء رمزي، إلا أنها كانت تعني الكثير للصغير، وتشعره بسعادة كبيرة لدرجة أن الأطفال في الماضي كانوا يتبارون في جمع العيدية.


جوهر التغيير
يعتقد عبدالله الرميثي الذي لم يزل يدرس في الجامعة أن بعض التغييرات التي حدثت في هذا العصر بالنسبة لمناسبة عيد الفطر أضفت عليه طابعاً جمالياً لأن التغيير هو سنة المجتمعات المتحضرة، لكن على ألا يمس جوهر هذه المناسبة الدينية الغالية على النفوس، ويؤكد أنه يجتمع مع أصدقائه في اليوم الثاني لتحديد وجهتهم في العيد ويشير إلى أنه قرر التوجه إلى دبي للترفيه عن النفس وزيارة أماكن مختلفة خصوصاً وأنه من سكان أبوظبي ويرى عبدالله أن عيد الفطر المبارك لم يفقد أبداً نكهته ولم يزل يمثل للجميع فرحة، لكن المشكلة هو ضعف مستوى العلاقات الاجتماعية بين الناس أدى إلى تقلص المشاهد التي كانت تحدث قديماً والمتعلقة بكثافة الزيارات بين الأقارب والجيران، لكن أجمل ما في كبار السن أنهم يحافظون على جملة العادات والتقاليد الإماراتية الموروثة، ويبثون في نفوسنا بوارق الأمل، ويعطوننا دائما لمحات خاطفة عن جمال الحياة في الماضي، وكيف كانت مراسم عيد الفطر تتم في إطارها الشعبي الحميم والبسيط في آن واحد.

اقرأ أيضا