إن غريزة الديمقراطيين في الكونغرس (كابيتول هيل) الآن تقودهم إلى محاولة تكرار ما فعله الجمهوريون مع باراك أوباما، وذلك مع دونالد ترامب، بالتعبير عن غضبهم تجاه كل ما ينطق به، ومعارضة كل ترشيح يقوم به، وإعاقة كل تشريع يقترحه، ورفع دعاوى قضائية لوقف كل قانون، وتحويل كل زلة إلى فضيحة.. وباختصار: تقويض شرعية رئاسة ترامب! وخطورة هذه الاستراتيجية هي أنه لإنجاز كل شيء، سيكون الرئيس الجديد مضطراً للدخول في أحضان العناصر اليمينية في اجتماعات الترشيح للجمهوريين في الكونغرس، وهم الذين زعموا (كذباً) أن فوز ترامب ما هو إلا تفويض لإضعاف وخصخصة الحكومة، وخفض الضرائب وتمزيق شبكة الأمان الاجتماعي، والقضاء على النقابات، والانسحاب من العالم، وفرض نسختهم من القيم المسيحية على جميع الأميركيين. و«الجمهوريون» لديهم أغلبية ضئيلة نسبياً في مجلسي النواب والشيوخ. وهذا يعني أنه إذا لم يكن هناك ديمقراطيون على استعداد لشق الصفوف من خلال المعرقلين ممن ليسوا على استعداد للموافقة على أي شيء في اجتماعات الترشيح الخاصة بهم، فإن ترامب لن يكون أمامه خيار سوى الاعتماد فقط على أصوات الجمهوريين لتمرير أي تشريع. ونعلم من التجربة المريرة أن جناح «حزب الشاي» سيرفض تأييد سوى نتائج التشريعات الأكثر تطرفاً، بغض النظر عن تأثير ذلك على البلاد أو الآفاق السياسية طويلة الأمد للحزب. وهم يرون أن دورهم يتمثل في إحداث تغيير جذري. والتسوية والاعتدال ليسا من أدواتهم السياسية. إن ترامب ليس من الجمهوريين المنتمين لحزب الشاي، وهو لا يهتم كثيراً بالسياسة وليس من المرجح أن يكلف نفسه عناء معرفتها كثيراً. إنه أكثر طموحاً وأنانية من أن يقيد نفسه بإطار أيديولوجي. وبالنسبة للديمقراطيين، فهذا ينطوي على أخبار جيدة وأخبار سيئة. الأخبار الجيدة هي أنه على الأقل في السنة الأولى تقريباً، عندما سيكون حريصاً على إظهار سيطرته على واشنطن، يتعين على ترامب التحول إلى المؤسسات البحثية المحافظة، وجماعات الضغط في الصناعة والأغلبيات الجمهورية في الكونغرس كمصدر لمقترحات سياسية صلبة. أما الأخبار الجيدة، فهي أنه نظراً للضغط المستمر من الجناح اليميني الجمهوري والجشع الطبيعي لجماعات الضغط في مجال الصناعة، فإن المؤسسة الحزبية لن تكون قادرة على مقاومة إغراء التواصل ومحاولة الزج بسياسات بعيدة عما سيقبله الجمهور. وهذا يعطي فرصة للديمقراطيين الذين هم على استعداد للعمل مع ترامب لصياغة بدائل مقبولة سياسياً. ويجب ألا تنخدعوا بتعيينات ترامب في مجلس الوزراء، فقد اختار للمناصب الرئيسة، الخزانة والخارجية والدفاع ورئاسة الأركان، قادة عسكريين عمليين ورجال أعمال مثله. وأكثر المرشحين الراديكاليين أو ذوي الدوافع الأيديولوجية لحقائب الصحة والخدمات الإنسانية والتعليم والعمل والعدل ووكالة حماية البيئة.. لطمأنة اليمين الجمهوري أنه حقاً واحد منهم. ولا ينبغي أن نقلل من الضرر الذي سيحدثه هؤلاء المعينون خلال السنوات الأربع القادمة في تفكيك إرث أوباما، لكن بالنسبة للقضايا التي ترقى للاهتمام الرئاسي، كالهجرة والتجارة والضرائب والإنفاق على البنية التحتية، فإن ترامب سيؤثر النفعية السياسية على التعصب الأيديولوجي. يمكنكم أن تتوقعوا أن يستمر الجمهوريون في مجلس النواب في تجاهل أو ازدراء الديمقراطيين لصياغة تشريع يمليه المحافظون المتشددون. لا شيء جديداً هنا. أما العمل المثير للاهتمام، فهو ذلك الذي سيحدث في مجلس الشيوخ، حيث يتمتع الجمهوريون بأغلبية مقعدين فقط وربما يحتاجون إلى 60 صوتاً لتمرير معظم التشريعات. وهناك سيجد صانع الصفقات الرئيس أنه من الممكن صياغة تنازلات مع المعتدلين العمليين من كلا الحزبين. والسؤال الرئيس، هو ما إذا كان هؤلاء المعتدلون، لاسيما الديمقراطيين، سيترددون في الاشتراك في مثل هذه المناقشات. *كاتب أميركي متخصص في الاقتصاد والأعمال ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»