الاتحاد

دنيا

ضحك حتى البكاء مع خالي من الكوليسترول


القاهرة - ماجدة محيي الدين:
الجمهور والنقاد نقيضان لا يجتمعان في السينما المصرية حاليا·· فإما ان ينال الفيلم اعجاب وتقدير النقاد أو يحقق أعلى جماهيرية وأكبر إيرادات·· والفنانون في هذا الأمر قسمان·· احدهما اختار الجمهور والشباك والآخر اختار النقاد وخبراء السينما·
ويبدو ان الفنان أشرف عبدالباقي قد اختار ان يكون من القسم الثاني حيث تحظى افلامه بإجماع نقدي كبير على قيمتها وحبكتها وموضوعاتها·· بينما لا تحقق أي جماهيرية ولا تحظى بايرادات تذكر وتأتي في المرتبة المتأخرة بين الأفلام المعروضة·· وتكرر هذا السيناريو في فيلمه الأخير 'خالي من الكوليسترول' مع الفنانة إلهام شاهين·· فقد اجمع كل النقاد على ان 'خالي من الكوليسترول' فيلم كامل الدسم فنيا·· لكن الجمهور كان له رأي آخر·· إذ لم ينل الفيلم من كعكة إيرادات سينما العيد سوى 350 ألف جنيه في ذيل قائمة أفلام العيد وهي 'زكي شان' و'أبوعلي' و'أبوالعربي' و'الباحثات عن الحرية' حيث تخطى 'زكي شان' و'أبوعلي' حاجز ستة ملايين جنيه في أسبوعي عرضهما·· بينما تجاوز 'أبوالعربي' ثلاثة ملايين جنيه وبقي الباحثات عن الحرية حول مليون جنيه·
وقال البعض ان احد أسباب العزوف الجماهيري عن فيلم 'خالي من الكوليسترول' هو اسم الفيلم الذي يرى كثيرون انه غير تجاري·· لان الجمهور الذي يتابع السينما حاليا قد لا يعرف معنى الكوليسترول·· ولا ما يعنيه الخلو من هذا الكوليسترول·· لكن المؤكد في نهاية المطاف ان أشرف عبدالباقي يراهن على سينما ذات قيمة وكذلك الفنانة الهام شاهين·· وهما يودان ان يقدما فنا يبقى في أرشيف السينما وذاكرة الجماهير·· ولو على حساب الشباك لانهما مقتنعان على ما يبدو بأن من يضحك أولا سيبكي كثيرا·· لكن من يضحك اخيرا يضحك كثيرا·
وهذه الظاهرة ليست بدعة في الفن السينمائي فكم من افلام لمخرجين كبار ونجوم قمة فشلت فشلا ذريعا على المستوى الجماهيري لكنها الآن علامات مضيئة في السينما المصرية ومنها مثلا فيلم 'بين السماء والأرض' للمخرج صلاح أبوسيف وفيلم 'باب الحديد' للمخرج يوسف شاهين·
فيلم 'خالي من الكوليسترول' فكرة وسيناريو واخراج محمد أبو سيف وشاركه السيناريو والحوار عثمان شكري ويصعب تصنيفه بأنه فيلم كوميدي·· رغم انه يثير الضحك من أول مشهد حتى النهاية وطوال الأحداث·· لكنه ضحك كالبكاء فنحن نضحك طوال الوقت على أوجاعنا وأوجاع البطل 'أيوب' أشرف عبدالباقي وعلى الكثير من الأمراض الاجتماعية في هذا الزمن الصعب·· والتي يعيشها 'أيوب' الشاب البريء النقي الموهوب في مجال تصميم وإخراج الاعلانات·
ويعكس السيناريو خبرة وتعمق مؤلفه ومخرجه محمد أبو سيف في دراسة علم النفس قبل تحوله لدراسة السينما·· حيث يستعرض نماذج انسانية ويحدد مناطق الداء في النفس البشرية وفي المجتمع·· ويفضح بخبرته السابقة في مجال الاعلانات الغش التجاري الذي اصبح واقعا ملموسا في كثير من الحملات الاعلانية·
ولجأ أبوسيف الى تكنيك جديد غير شائع في السينما المصرية عندما تعمد تضفير الموسيقى والغناء والاستعراض مع المشاهد الدرامية من خلال مقاطع غناء أوركسترالي سريعة·· لا تشعر المشاهد بالملل ولكنها تضيء المزيد من التفاصيل الموجعة التي يتعرض لها الانسان الطيب 'أيوب' أشرف عبدالباقي في هذا الزمان المادي·· كذلك أعطى المخرج من خلال حركة الكاميرا احاسيس مختلفة مرة يجعلنا نشعر بالانطلاق والمرح داخل شركة الاعلانات التي يعمل بها البطل نتيجة الايقاع السريع للحركة والعمل والغناء بين المكاتب·· واخرى يخنقنا بإحساس يحيطنا بمعاناة مخرج ومصمم الاعلانات 'أيوب' داخل المكان المغلق الذي يضيق عليه كلما أرهقه العمل وحاصره الوقت·
معالجة كوميدية
ورغم ان الفيلم لمس الكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الا انه قدمها بمعالجة كوميدية لجمهور يبحث هو الآخر عن البهجة ولو عبر شريط سينمائي·
النجمة الهام شاهين·· تألقت في أداء شخصية 'جميلة' وصعدت الى أعلى درجات الصدق في دور أقل ما يوصف به انه تحد حقيقي لأي ممثلة من جيلها·· ليس فقط لصعوبة شخصية المعاقة ذهنيا والتي أدتها بسلاسة ولكن لان الهام نجحت فعلا في ان تقنعنا بأنها أم 'أيوب' أو أشرف عبدالباقي الشاب البريء الموهوب جدا في عمله·
أدت الهام شخصية 'جميلة' المرأة المعاقة بأسلوب راق·· وقدمت صورة مختلفة عما كنا نشاهده في أفلام سابقة فهي امرأة نظيفة وجميلة نتعاطف معها من أول لقطة·· ونراها 'جميلة' من الداخل والخارج رغم آثار الزمن التي صنعها الماكيير ببراعة·· ولا جدال انه دور من أجمل ما قدمت الهام رغم مساحته فالفيلم ينتهي وتظل صورة 'جميلة' أو الهام بكل تفاصيلها باقية·· الفنان أشرف عبدالباقي أحد فرسان الكوميديا الجدد·· اختار الطريق الصعب·· واعتاد ان يبحث عن قضية أو فكرة انسانية ليعالجها بشكل كوميدي في أفلامه·· مما جعله أكثر نجوم الكوميديا تمهلا في خطواته··· وقد أثبت من خلال شخصية 'أيوب' انه فنان شامل كامل اللياقة الفنية ومازال بداخله الكثير من القدرات التي لم يتح له إظهارها·· وجاء 'أيوب' لينفس عن بعض هذه القدرات·· وأدى أشرف دور الشاب البريء بدقة وحذر·· لم يبالغ في إظهار سذاجة 'أيوب' حتى نظنه 'أبله' بل درس الشخصية وقدمها ببراعة لاعب السيرك الذي يسير على السلك بمهارة دون ان يفقد توازنه طوال العرض·· كذلك المشاهد التي جمعته بوالدته 'جميلة' أو الهام شاهين كانت صادقة وناعمة تعكس عالمهما النقي الخاص الذي يعيشان فيه بكل الفضائل وكأنهما صنعا جمهورية 'أفلاطون' داخل جدران المنزل·· والتحولات التي مر بها 'أيوب' عاشها أشرف عبدالباقي وجعلنا نشعر بالغيظ والغضب من كل هؤلاء الأشرار الذين يحيطون به وقادوه الى حافة الجنون والإدمان ثم ارتكاب جريمة إثارة الرأي العام·
دائما حسن حسني
الفنان حسن حسني قدم نموذجا لرجل الأعمال الشرس الظريف 'كامل بك' صاحب شركة الاعلانات الذي لا يهمه الا الحصول على المكاسب المادية ويمارس الضغط على 'أيوب' وزملائه في العمل مما يدفع كلا منهم الى طريق الادمان سواء ادمان الحبوب المهدئة أو المخدرات وهو لا يمانع في ان يتعاطى الموظفون هذه المخدرات داخل الشركة طالما سيجعلهم ذلك اكثر انتاجا في العمل·· بل يسمح لهم بالنوم ايضا على المكاتب بعد ان يستنفد كل طاقتهم في العمل حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي·
الفنانة الشابة خلود أو 'كاميليا' الساعد الأيمن لصاحب شركة الاعلانات 'كامل بك' أو حسن حسني·· قدمت دورا مميزا مكتوبا بعناية واستطاعت من خلاله ان تقدم أوراق اعتمادها الحقيقية كممثلة رغم رصيدها السابق من الأدوار السينمائية والتليفزيونية·
ولم تعتمد 'خلود' على ملامحها الجميلة فقط في اداء شخصية 'كاميليا' بل أكدت قدرتها في أداء الشر والرومانسية من خلال المشاعر المتناقضة التي جعلت 'كاميليا' تتعاطف مع 'أيوب' وتحبه لكنها ترفض الزواج منه لانه ضد مصلحتها في العمل·
قصة فيلم 'خالي من الكوليسترول' تدور حول الشاب 'أيوب' مصمم ومخرج الاعلانات الموهوب الذي نشأ في ظروف خاصة·· حيث استطاعت والدته 'جميلة' المعاقة ذهنيا أن تعلمه وتغرس فيه كل الفضائل والمثاليات فنشأ نقيا بريئا يكره الكذب والصور العارية والابتذال·· وينجح 'أيوب' ويدفعه تمسكه بالمثاليات للاصطدم بالواقع المر حيث تفرض المادة سطوتها·· ويضطر الانسان الى تغيير مواقفه والتخلي عن معتقداته ليكسب رزقه·ويحاول 'أيوب' الاحتفاظ بنقائه·· ويحقق مكاسب هائلة للشركة ورغم ذلك لا يحصل الا على الفتات وتذهب الملايين الى صاحب الشركة 'كامل بك' الذي يواصل الضغط على 'أيوب' ويستولي على كل وقته·· ويضطر 'أيوب' لإحضار والدته المعاقة ذهنيا 'جميلة' الفنانة الهام شاهين معه إلى العمل ليتمكن من رعايتها ومراقبتها بعد ان كادت تقتل نفسها بسبب تناول جرعات كبيرة من اكياس البطاطس المقلية المشبعة بالكوليسترول·وهكذا تدخل 'جميلة' عالم 'أيوب' الجديد·· وتذهب معه يوميا الى الشركة·· وتتدخل في العمل أكثر من مرة·· وتكون ملهمة لأيوب في أكثر من حملة إعلانية·· لكن مع النجاح يتزايد ضغط العمل ويفقد 'أيوب' صوابه خاصة بعد ان اشتعلت الغيرة في قلوب زملائه من نجاحه وتميزه·· ويقدم له البعض الاقراص المهدئة والمنشطة·· ثم يبدأ 'كامل بك' تقديم هداياه على شكل جرعات مجانية من البودرة·· ليبدأ 'ايوب' رحلة الادمان ويغرق في الديون لكامل بك الذي بدأ يطالبه بسداد ثمن ما يتعاطاه·ويثور 'أيوب' على 'جميلة' بعد ان افسدت بعض اللوحات الخاصة بإحدى الحملات الاعلانية·· وبعدها تصاب 'جميلة' باكتئاب وتموت·· وينهار 'أيوب' ويواصل عمله مع المزيد من جرعات الهيروين حتى يفقد صوابه··· ويقرر الانتقام بطريقته·· ويغلق الاستديو على نفسه بحجة انهاء العمل المطلوب منه·· ولكنه يعد شريطا خاصا يفضح فيه كل الممارسات الخاطئة التي تقع فيها بعض الشركات الاعلانية بهدف الترويج لأي سلعة حتى لو كانت ضارة وقاتلة·· ونظل نضحك على هذا الاسلوب الذي أعد به 'أيوب' الفيلم·· وكذلك يضحك ضابط الشرطة الفنان خالد صالح الذي يحقق في الجريمة التي ارتكبها 'أيوب' عندما عرض الفيلم على الهواء دون إذن من المسؤولين·

اقرأ أيضا