صحيفة الاتحاد

الإمارات

ما تاب

شَـبَّـتْ وشـابْ الـقلبْ مِ الـلَّي شـبابِهْ *** شَبْ بحشايهْ منْ لِظىِ الشُّوقْ شَبَّابْ

إمــعـذبـنِّـي غـــيــرْ عَـــــذبٍ عَــذابِــهْ *** وأعـــذبْ عـذابـي مــنْ ثَـنـاياهْ لِـعْـذابْ

روحــي وروحَــهْ واحِــدِهْ فــي تِـشـابِهْ *** مـتـشـابِهِهْ والـشِّـبْـهِ لـلـشِّبْهِ جَــذابْ

صَــــوَّبْ وصَــوَّبـنـي بـصـايِـبْ مِـصـابِـهْ *** مـصيوبْ مـنْ عـينِهْ ورمـشِهْ والأهـدابْ

وكِـتَـبـتْ لـــهْ مـكـتـوبْ كــاتَـبْ كـتـابِهْ *** أنْ هـوُهْ لـي مكتوبْ لأجْلي في لِكْتابْ

بـــهْ مـكـتفي وكـافـي كـفـاني مـثـابِهْ *** وبِـــهْ الـكـفايِهْ عَــنْ مـحـبِّينْ وأحْـبـابْ

والـطِّـيفْ لــي طـايِـفْ يـطَـوِّفْ هـلا بِـهْ *** يــا طـايـفْ الأطـيـافْ لـكْ طـيفْ مـرتابْ

ومـا كـانْ فـي الـلِّي كانْ كاينْ حسابِهْ *** مــنْ كــونْ كَـوَّنـتهْ وتـكَوَّنْ بـلا حـسابْ

أطـيَبْ مـنْ أطـيَبْ طـيبْ طـابْ بمطابِهْ *** طـيـبِهْ بَـلَـيَّا طـيبْ بـهْ تـطيبْ الأطـيابْ

ســرِّي وسِــرِّهْ سِــرْ مــا يـنـحكَىَ بِـهْ *** إبْــرِهْ فْ ظــلامْ الـلِّيلْ فـي بَـحْرْ عَـبَّابْ

ومــنْ غـالَـبْ الـمـغلوبْ يـغـلِبْ غِـلابِـهْ *** ومـــنْ غــالَـبْ الـغَـلاَّبْ يَـغْـلبهِ غــلاَّبْ

ظــبـيِ يـقـودْ الـسِّـربِ وأتـبَـع سَـرابِـهْ *** يــبـعـدْ وأنــــا لِـــهْ كـلِّـمـا لاحِ طَـــلاَّبْ

يـــا هـاجـري هَـجـرِكْ هِـجـيرْ ومـهـابِهْ *** ومـنْ حَرْ هجركْ هاجري ذقتِ الأنشابْ

أرويــتـنـي مــنــكِ الــرِّيــا يــرتـيـا بِـــهْ *** ومـا أرويـتني والـرِّيِّ في إيديكِ سَكَّابْ

مـحـجوبْ عـنِّـي فــي خــدورْ بـحـجابِهْ *** مـتـخَـدِّرٍ فــي خــدورْ وتـخَـدِّرْ أعـصـابْ

ولــي غـابْ عَـنِّي غـايبْ الـغيبِ جـابِهْ *** ومـنْ عـقبِ غـيبِهْ وغـيبِتِهْ دَقِّ عَ البابْ

بـاجـيـهْ بَـطـحـا ســيـلْ هـــادِرْ عِـبـابِهْ *** وبَـطـويهْ طَـيِّـهْ مــا طـووها هَـلْ الـنَّابْ

وبـابـيعْ نَـفـسي والـعِـمِرْ فــي طـلابِـهْ *** ومـنْ بـاعْ نَـفسِهْ هـانْ لِـهْ قَـطعْ لِرْقابْ

لاتــعـتـذِرْ عِـــذركْ مـــا يَــعـذِرْ ولا بِـــهْ *** سِـبَبْ عـلىَ بِـعدِكْ تِسَبِّبْ لكْ أسْبابْ

طِـبـعِـكْ مـــا يـتـغَيَّرْ ومــا مــنْ غـرابـهْ *** ومــا هــي غَـريبِهْ أنْ تِـسَمَّعْ لـلأغرابْ

قــالــوا يــمـوتْ الــلِّـي يــجِـرْ الـرِّبـابَـهْ *** وأصـابِـعِهْ تـلعَبْ عـلىَ الـقوس ِ مـاتابْ

قصيدة العتاب والأمل

بمزيج من المشاعر المختلفة كالغيرة والوله والانبهار والشغف والأمل واليأس واللقاء والحرمان.. إنه مزيج عجيب نحو سعادة يتمناها القلب، وعذاب يتربص به، فلذته تمتزج بالألم، وألمه يمتزج باللذة، والعاشق لا يمل من طول الانتظار، مهما بلغت به السنون تظل في حياته إثارة، وهي إثارة فيها ألوان من الوجع والعتاب بل الأمل والدهشة والفرح .. لقاء الحبيب ومحادثته وعتابه لذة مجنحة، ولكن في أجنحتها بعض الجروح المؤلمة من الهجر والغياب.

والتّحدّي هو ثمرة البلاغة والغوص في أعماق اللغة، وهو في شعر الغزل تعبيرٌ قويٌّ لا يصدر إلا عن نفس ألِفَت العذاب، وجاشت بكلّ هذه الجروح الْمُستعذبَة، ولذلك، فإنّ قصيدة صاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي تُعدُّ أنموذجاً مهمّاً في مجال استعذاب الجرح والصّبر على البعد، وفي الوقت ذاته في مجال همّة الشاعر الْمُحبّ الذي لا يكلّ ولا يملُّ وهو يصبر على عذاب المحبوب وتمنُّعه ودلاله.

لم يكن، إذن، تكرار سموّه لحرف «الشّين» هكذا لمجرّد التكرار، وإنّما هي زفرات حارّة نقرأ من خلالها كيف يتشكّل المعنى الذي يستند إلى الجذر اللغويّ «شبَّ»؛ فهي إذن شرارة النار التي يتلقاها الشاعر بكلّ محبّة ، وربّما لا يصبر على نارٍ غيرها، وتلك هي علائم المحب النبيل الذي يصبر على النار!

إنّ نَحْتَ الشاعر المعاني من الجذر الأصيل يجعلنا نثق، بل وننقاد كلّ الانقياد، إلى التفاعل معه دون تردد، كيف لا، وهو يأسرنا باللعبة اللغوية، والموسيقى التي تفور من شدّة ما به، كلّ هذا فضلاً عما تستودعه حالة الحبّ في «الحشا» من لظى الشوق الذي يعانيه شاعرٌ شاب قلبه من محبوبه الذي أوقد «شبابه» كلّ هذه النار التي لا تنطفئ، ويزيد من لهيبها أنّ هذا الحبيب يتمنّع ويكون تمنّعه سبباً لأن يبوح المعذّب بالحب بكلّ هذه الآلام.

لا يقتصر التكرار على ما يستولده الشاعر من معانٍ وينحته من ألفاظ أساسها حرف «الشين» وحده، بل إنّ باقي حروف اللغة تشارك صاحبها الشاعر الذي لانت له وخبرت تطويعه لها، فانقادت لتنبئ عنه في هذه القصيدة المليئة بالشكوى من جور ذاك الذي لا يكفّ عن التعذيب.

هل هناك فرقٌ بين «العذاب» و«العذب»؟!.. الإجابة ستكون حتماً بإنّ فرقاً كبيراً بينهما، مع أنّهما ينتميان إلى الجذر ذاته، وذلك هو سبب نجاح التجاور اللفظي الدّال على معنى مختلف، فالشاعر الذي يحسن اللعب على تناقضات الألفاظ واستثمار تضادّها في الدلالة والمعنى، هو بلا شك شاعرٌ يفرض احترامه على قارئه ومتلقيه، لأنّ تشابه الكلمات في مخارجها وأصواتها وحروفها إنْ لم يكن لغاية بلاغيّة أو للعبة في المعنى، فهو لا يعدو كونه مجرّد تكرار أجوف لا يبين عن شيء.

إنّ هذا «العذاب» هو «عذب» لدى الشاعر، بل إنّ تصريحاً وفرحةً بهذا العذاب في اسم التفضيل «وأَعْذَبْ »، لنستمر مع صفات التقارب بل التجاذب بين الشاعر ومحبوبه الذي يشبهه في ذاته وروحه وخصائصه، وهو مع كلّ هذا التشابه والتوحّد في الخصائص كان قد صوّب صاحبه بعينه ورمشه وأهدابه، وكلّ هذا التفصيل في أدوات «الصيد» هو لشدّة الألم الذي يكتنف الشاعر.

وتكثر في القصيدة الأمثلة على التكرار الذي يزيح عن نفس القارئ الملل، ويحفزه للاستمرار، بل ويجعله يحفظها سريعاً ويتفنن بإلقائها، ناقلاً تحدي الشاعر الأول محمد بن راشد، لنكون أمام قصيدة تُقرأ ويتمّ التمثل بها في كلّ آن، خصوصاً لدى المحبين الذين ينوب عنهم صاحب السّمو في عذاباتهم الجسام.

هذا الحبيب- الذي كُتب في «الكتاب» أنّه يتعلّق بالشاعر أو هو له، أو هو مرتبطٌ به أشدّ الارتباط، لا يضاهيه أحد، بل يستغني به الشاعر عن غيره، وتلك فرادة، لدرجة أنّ السرّ بين الطرفين هو بمنزلة «الإبرة التي نبحث عنها في ظلام الليل»، وهو ما يؤكّد العلاقة ويلفت إلى حسن التشبيه وقوّته وحمله لهذا الارتباط الوثيق الذي خُطّ في اللوح المحفوظ من قبل.

في القصيدة نحن، أيضاً، مع مشهديّات يمتعنا بها صاحب السّمو دائماً، كوصفه حبيبه ظبياً يقود سرب الظباء، بما يكتنز ذلك من معاني الجمال واللطف واللباقة والشخصيّة الآسرة، ولكنّنا أمام «هجر» هو «الهجير» بعينه، وذلك مثالٌ حيٌّ على تشابه الحروف وتشابه الخصائص في هذا المقام، وهو ما يدلّنا على ثقافة الشاعر العالية وبحثه عن المعاني المواتية في هذا البيت أو ذاك مما يخدم الحالة قيد الشعر.

لكنّ هذا الذي استمرأ الغياب عن عين الشاعر وبقي في قلبه، يلوح له فجأةً، فتكون اللهفة بحجم التعبير عنها، وما ذاك إلا لأنّه جعل من الشاعر خبيراً وحكيماً ولطيفاً ومحبّاً شديد الحب، بل إنّ مَوجَهُ ليطويه بعد كلّ هذا الغياب.

ويتجلّى شعر الحكمة في القصيدة بقول سموّه «ومن غالب الغلاب يغلبه غلّاب»، وقوله «من غالب المغلوب يغلب غلابه»، وتلك سمات نحبّها لدى قصائده التي تكتنز بالدرر ونحاول أن نتصيّد فيها ما خفي بذكائه وتقصّده، إذ مع كلّ هذا التفصيل قد يكون للشاعر معنىً آخر، وهو الشاعر المتسامح الذي يوقن بأنّ العازف يموت ويده تعزف أو تلاعب قوس الربابة، وهو ما يشير إلى أمثلة نرويها حين نعجز عن ردّ الآخرين عن سلوكهم أو لا نستطيع أن نغيّر من صفاتهم أو طبائعهم، وفي ذلك بعض العذر، مع أنّ الشاعر الخبير بحالة هذا المحب «الذي لا يتوب» يظلّ صدراً واسعاً لمزيد من المفاجآت والتناقضات التي يتوافر عليها الحبيب.