الاتحاد

تقارير

مسلمو أوروبا بين الاندماج وسيناريو الجيتو

رون وليامز·· هل هو حقاً نصير المسلمين في الغرب؟

رون وليامز·· هل هو حقاً نصير المسلمين في الغرب؟

أشعل ''رون وليامز'' رئيس أساقفة ''كانتربري'' معركة فكرية وسياسية جديدة في بريطانيا، بشأن تطبيق الشريعة الإسلامية على المسلمين في قضايا الأحوال الشخصية والمواريث؛ هذه المعركة التي تشابكت مع الجدل بشــأن الإســـلام في أوروبا اليوم، بدءاً من الحوار الصاخب حول موضوع الحجاب في هولندا وإسبانيا، وصولاً إلى تحالف اليمين المتطرف الأوروبي ضد ''الأسلمة''·
رئيس الكنيسة الأنجليكانية الذي يحمل شهادة الدكتوراة من ''أكسفورد''، دخل ''عش الدبابير'' بوعي كامل لما سيحدثه من ضجة، فهو لم يدع إلى النظر إلى الشريعة بشكل عقلاني في ''زلة لسان''، أو أسيء فهم تصريحاته، بل إنه أصر على أقواله رغم دعوة البعض داخل الكنيسة الأم في بريطانيا إلى إقالته· لقد تبنى ''رون وليامز'' رؤية واضحة تقوم على الدفاع عن حقوق المسلمين في أوروبا، وتعزيز التفاهم بين أصحاب الديانات المختلفة في القارة الأوروبية، في مواجهة ما يصفه البعض ''الوثنية العلمانية''، فهذا الأسقف المحافظ بدأ زعامته للكنيسة الأنجليكانية في 2002 بخطاب مخصص لرفض حظر الحجاب في فرنسا والتنديد باعتقال المسلمين في بريطانيا وأميركا، وهي سابقة فريدة في تاريخ هذه الكنيسة، بأن يحمل الراعي رسالته الأولى لطائفة من دين آخر·
ومع اندلاع الحرب في العراق، أعلن ''وليامز'' معارضته الصارمة للحرب وللسياسات الأميركية والبريطانية في بلاد الرافدين وأفغانستان، بل واعتذر لعدم قيادته حركة شعبية واسعة ضد الحرب، ورد على تصريح الرئيس الأميركي ''جورج بوش'' بشأن ''الحروب الصليبية''، بقوله إن الحروب الصليبية هي ''خيانة للمسيح''·
لم يكتف ''وليامز'' عند ذلك، بل ندد بشكل مباشر بمعتقل ''غوانتانامو'' الأميركي، ودعا إلى تعويض الرقيق الذين استعبدتهم الكنيسة في القرن الثامن عشر، وعندما جاء إلى الشرق الأوسط في عام ،2004 أخذ من بيت لحم بداية الطريق لرفض السياسيات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين والتنديد بالاحتلال الإسرائيلي، وكان استقباله الفريد في الأزهر بالقاهرة معلنا تضامنه مع المسلمين في الغرب·
البعض قد يرى أن كبير أساقفة ''كانتربري'' هو نصير فريد للمسلمين في الغرب، وهذا بالطبع صحيح، لكن أيضاً يجب ألا يحول ذلك دون رؤية الصورة كاملة؛ فهذا الأسقف هو ابن تيار جديد في الكنيسة الأوروبية يعلي من قيمة الانتماء الديني على حساب المواطنة، ومن وجهة نظره، فإن الدفاع عن المسلمين هو دفاع عن قيم الدين في أوروبا ''العلمانية''·
لكن من وجهة نظر اليسار العلماني البريطاني المدافع التاريخي عن حقوق المسلمين والأقليات، هناك قانون واحد في بريطانيا من المفروض تطبيقه على الجميع، وإنه كان الأحرى بأسقف ''كانتربري'' الدعوة لمساعدة المسلمين الذين لم يندمجوا في المجتمع البريطاني على أن يفعلوا ذلك، خاصة وأن أتباع الديانات الأخرى يلتزمون بالقانون المحلي، ولا يطلبون استثناء أو تطبيق قوانينهم الدينية الخاصة، ويرى هؤلاء أنه بدل محاولة الاستشهاد بالمحاكم اليهودية القليلة، كان يجب الدفاع عن إلغاء هذه المحاكم الدينية الاستثنائية·
ويرى معلقون بريطانيون إن فهم أطروحات ''وليامز'' بشكل صحيح يعني إفساح المجال لتطبيق الشريعة في التجمعات الإسلامية، وهذا سيكون سلبياً على المسلمين، إذ سيحرمهم من حماية الدولة في حال اصطدموا في متطلباتهم أو طموحاتهم مع قوانين الشريعة، وهنا يطرح البعض السؤال الآتي: ''هل من مصلحة المسلمين الأوروبيين زيادة قوة هذا التيار في مواجهة ''العلمانية'' الراسخة؟''· فهذا التيار يقود -وفقاً للبعض- إلى زعزعة ''الاندماج'' على أساس المواطنة، لصالح ''الاندماج'' على أساس الهوية الدينية، وربما بالتالي يزيد من عزلة المسلمين، والدفاع اليوم، قد ينقلب غداً إلى حصار داخل ''الجيتو''· لقد اختار اليهود منذ بداية القرن التاسع عشر أن يبقوا ضمن ''جيتو'' داخل القارة الأوروبية، وسمح لعددهم الصغير جدا -لا يتجاوز 3 ملايين شخص- بأن يبقوا على هذا ''الجيتو''؛ غير أن ''الجيتو الإسلامي''، سيحول المسلمين إلى وقود لإشعال نيران ''قوة اليمين'' في القارة الأوروبية·
إن اختيار العزلة والبقاء وفقا لقوانينك الخاصة وداخل سياج سميك فاصل عن المجتمع، يعزز من الخطاب السياسي والثقافي اليميني أوروبياً حول تقسيم المجتمع إلى طوائف دينية وعرقية وخلق نوع من ''التقسيمات'' تعزز من مؤسسات الفرز الطائفي أوروبيا، وبالطبع ستعمل هذه المفرزة في نهاية الطريق ضد المسلمين· هنا يبدو ضرورياً أن نسأل: مع·· أم ضد ''الجيتو''؟، مع·· أو ضد ''التقسيم الديني''؟، وأخيراً مع أو ضد ''رجل دين ضد العلمانيين في أوروبا''؟

اقرأ أيضا