الاتحاد

دنيا

إجهاض الجنين المشوه ·· رحمة أم جريمة قتل؟!

القاهرة ـ نجوى طنطاوي:
قتل النفس قضية مقطوع بأنها من الكبائر·· لا فرق إن كانت تلك النفس تدب على الأرض أو ما زالت جنيناً في طور الحياة·· ولا توجد أي مبررات لقتل نفس بغير نفس أو فساد في الأرض·· وربما يمكن الإفتاء بجواز إجهاض الجنين المشوه الذي يمثل وجوده خطرا داهما على حياة الأم باعتبار أن ذلك قتل لنفس بنفس·· أما ما عدا ذلك فإن كل المبررات ساقطة·· فالقول بأن خروج الجنين إلى الحياة وهو مشوه يعني انه سيعيش في عذاب ولابد من قتله رحمة به ينسحب بالضرورة على المعوق الذي أقعده حادث أو مرض أو المجنون الذي فقد عقله·· فهؤلاء أيضا ينبغي قتلهم رحمة بهم وبالمجتمع·· وقد دارت مناقشات مستفيضة في القاهرة بين العلماء والفقهاء ورجال الدين المسيحي حول مشروعية أو عدم مشروعية إجهاض الجنين المشوه·
وأكد فضيلة الإمام الأكبر د· محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر انه لا يستطيع أن يفتي بقتل إنسان وعلى الأطباء أن يعالجوا على قدر استطاعتهم وإرادة الله نافذة، والحالة التي يجوز فيها للأطباء أن يقرروا الإجهاض هي وجود خطر على صحة الأم يهدد حياتها أو إصابتها بمرض خطير، أو أن يكون الجنين في حالة لا تؤهله لان يكون سويا وغير مهيأ للحياة، وهو أمر متروك للأطباء فإذا كان التشوه سيؤدي إلى فقده لكل المعاني الإنسانية والحياة السليمة يمكن اجهاضه في أي شهر من شهور الحمل والأطباء هم الذين يتحملون المسؤولية·
وأكد قداسة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية انه لا يملك أن يقول بقتل النفس بسبب التشوه فالحياة في يد الله ولا يملك أحد قتل إنسان سواء كان مشوها وهو جنين أو وهو مولود، والادعاء بأنه عبء على المجتمع أو على الأسرة ليس تبريرا لقتل نفس منحها الله الوجود لان المجتمع يضم 'مجانين' بعضهم في درجات خطيرة ومع ذلك لا يملك أحد قتلهم وهناك من لديهم صرع ولا ينبغي قتلهم وعلى العلماء البحث في الأسباب وتوعية الناس للحد من الإصابة·
وأضاف إن التشوه إذا كان تداخلا في الأعضاء مثل التوائم الملتصقة مع وجود أعضاء مشتركة مثل الرأس أو الكبد وقرر الأطباء إجهاضها فليس هناك ما يمنع لان الجنين شبه إنسان، والحالة الثانية التي يباح فيها الإجهاض إذا كان يشكل خطرا على حياة الأم، والإجهاض محرم في المسيحية في أي فترة من الحمل والمجتمع قائم بتناقضاته بين السليم والمشوه·
لجنة طبية
واقترحت د· نجوى عبد المجيد -أستاذة الوراثة بالمركز القومي للبحوث- أن يكون قرار الإجهاض من خلال لجنة طبية تضم كافة التخصصات·
وقال د· خالد علي -أستاذ الوراثة بدولة قطر- ان التشوهات ليس لها حد قاطع والأطباء في حيرة متى يقال نعم للإجهاض ومتى يقال لا ، ولا بد من كود يحدد الشروط التي إذا توفرت يتخذ القرار بالإجهاض من لجنة علمية متكاملة·
واقترح د· أحمد شوقي -رئيس جمعية الإعجاز العلمي- تعديل التشريعات بحيث يسمح بالإجهاض في الحدود التي يقررها الأطباء· وطالبت د· سلوى السنيورة -من لبنان- بإصدار تشريعات تقنن التعامل مع الأجنة المشوهة وتأخذ في الاعتبار التقدم العلمي·· مشيرة إلى انه في لبنان يرجع قرار الإجهاض للأهل وموقف الأطباء ولا يوجد تشريع ينظمه·
وقال د· حلمي الحديدي -المقرر المصري للجنة العربية لأخلاقيات العلوم- انه بعد الاتفاق في الرأي بين المرجعية الدينية 'إسلامية ومسيحية' أصبح القرار في يد الطبيب، وحرصا على عدم الفوضى يجب أن يصدر قرار الإجهاض من لجنة تضم في تشكيلها علماء دين وتوسيع قاعدة مجمع البحوث الإسلامية ليضم أساتذة الطب من اجل التواصل بين الرأيين الديني والطبي·
وقالت د· إكرام عبد السلام -أستاذة طب الأطفال بجامعة القاهرة- ان الطبيب يخاف من اتخاذ قرار الإجهاض ولابد أن يكون مدعوما برأي الدين، وهناك حالات تشوه تصيب الجهاز العصبي وقد لا يظهر ذلك في شكل تشوه واضح ولكن الطفل سيعيش مهملا·
حالات
وأكدت انه إذا كانت هناك خطورة على صحة الأم مثل الحمل خارج الرحم وتسمم الحمل وجب صحيا وشرعا الإجهاض، أما إذا لم يكن هناك خطر على الأم ففي حالة عدم ملاءمة الجنين للحياة الرحمية مثل الاختلال في الكروموزمات وجب التخلص من الجنين، وإذا كانت تشوهات الجنين ملائمة للحياة الرحمية وغير ملائمة للحياة الخارجية بطريقة مؤكدة مثل التشوهات الشديدة في القناة العصبية والتي تؤدي إلى عدم اكتمال المخ أو عدم نموه أو استسقاء المخ الشديد الذي يؤدي إلى وفاة الطفل بعد الولادة ولا يمكن معه أن تتم الولادة الطبيعية فيمكن التخلص من الجنين عند التشخيص وعدم إتمام الحمل· وفي حالة التشوهات الملائمة مع الحياة الرحمية والحياة الخارجية مثل تشوهات الأطراف أو العظام أو التشوهات في القلب أو التمثيل الغذائي التي ينتج عنها تخلف عقلي فلا يباح الإجهاض·
وقال د· جمال أبو السرور -الأستاذ بطب الأزهر ومدير المركز الدولي الإسلامي للدراسات والبحوث السكانية- ان هناك أساليب للوقاية والعلاج وخفض نسبة حدوث تشوهات الأجنة أهمها: التوعية بتجنب الزواج بين الأقارب وخاصة إذا كان هناك تاريخ ولادة طفل مشوه في العائلة، والفحص قبل الزواج للتعرف على بعض الأمراض التي قد تؤدي إلى تشوهات ومعالجة هذه الأمراض قبل الحمل والولادة مثل مرض السكر، والتوعية بعدم تأخير سن الحمل والولادة إلى ما بعد سن 35 حيث تزداد نسبة حدوث تشوهات الأجنة، وعدم تعرض السيدة الحامل وخصوصا في اشهر الحمل الأولى للأشعة أو العقاقير التي تسبب زيادة نسبة التشوهات، وضرورة إقلاع الحامل عن الممارسات التي تضر الجنين مثل تعاطي المخدرات والتدخين والمشروبات الكحولية، وتجنب التعرض للعدوى ببعض الأمراض المعدية التي تؤدي إلى تشوه الجنين وخصوصا في الشهور الأولى من الحمل، وتقديم الرعاية الصحية للأمهات الحوامل وإجراء الفحوصات الطبية التي يمكن عن طريقها تشخيص التشوهات وتقييم أثرها على الجنين، وتقديم المشورة المبنية على الدليل العلمي السليم ليختار الزوجان بين استمرار الحمل أو الإجهاض·
واقترحت د· فتحية الزعل -عضو اللجنة العربية لأخلاقيات العلوم ومديرة وحدة البحوث البيولوجية والتكاثر بجامعة تونس- استحداث قسم استشارة وراثية في كل المستشفيات لتوعية العائلات بكيفية الوقاية من الأمراض الوراثية وتجنب زواج الأقارب الحاملين لنفس المرض واعتبار التشخيص المبكر لبعض الأمراض الوراثية ضرورة خاصة عند الشك حتى يمكن اتخاذ القرار المناسب·
وأوضحت د· عقبة القرعان -أستاذة بجامعة العلوم والتكنولوجيا وأخصائية الأم والجنين- أن نسبة حدوث التشوهات تصل إلى 3 في المئة من مجمل الولادات، وتتفاوت بين تشوهات أولية وثانوية ومنها: انعدام الدماغ، وعدم تكون الكليتين· وتختلف القدرة على التعايش حسب درجة التشوه؛ فهناك من يعيشون بدون علاج أو مساعدة مثل التصاق الأصابع، وهناك نوع قابل للتعايش بدون علاج لكن بمساعدة مثل متلازمة دارون، ونوع قابل للتعايش بعلاج لكن بلا مساعدة مثل حالات انشطار البطن السفلي، ونوع قابل للتعايش بعد العلاج وبمساعدة مثل حالات انشطار العمود الفقري· وطرق العلاج تتنوع بين علاج بعد الولادة وعلاج داخل الرحم 'علاج دوائي - علاج جراحي' ولا توجد تشريعات واضحة تحكم تقديم العلاج داخل الرحم كما لا توجد تشريعات تنظم طرق البحث والاختبار في التعامل مع الجنين مثل من يسمح له بتقديم العلاج وحق الأم في قبول أو رفض العلاج· وتساءلت إذا كان إجهاض الجنين معدوم الفرصة بالحياة مرفوضا فما هو موقف الشرع من عدم إنعاش ذلك الطفل بعد الولادة·
فحوص إجبارية
وأكدت أن فحوص ما قبل الزواج يجب أن تكون إجبارية مع إجراء فحوص ما قبل زراعة الجنين في أطفال الأنابيب· وتساءلت عن موقف الشرع من إتلاف الأجنة التي تحتوي ظواهر جينية رئيسية وطالبت بسن التشريعات الملائمة وضرورة تشجيع البحث العلمي وإيجاد مراكز متخصصة للعناية بالحمل الخطر·
وأكد د· محمد عبد الحميد شاهين -الأستاذ بكلية تربية عين شمس- أن هناك واجبا من الطبيب نحو الأم ومن الأم نحو جنينها يتلخص في الامتناع عن تناول أي علاج خلال الثلث الأول من الحمل ما لم يكن تحت إشراف طبيب لديه معلومات كاملة عن الحالة الصحية للام· وتجنب تناول أدوية في النصف الثاني من كل دورة شهرية حذرا من وجود حمل وان يكون لكل أم حامل سجل خاص فيه الأدوية التي تتناولها وتواريخها ومقاديرها والتخلص من عادة التعامل مع الصيدلية بدون استشارة الطبيب·
وأكد د· محمد غانم -أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس- ضرورة إخبار الوالدين بحجم المشكلة وكيفية التعامل معها سواء بإنهاء الحمل أو استمراره وعلاج الجنين بعد ذلك· مشيرا إلى أن القرار النهائي للأبوين بعد مشاركة ومشورة المتخصصين من أطباء وعلماء دين وقانون·
وأكد أن الإجهاض سواء كان تلقائيا أو جراحيا يسبب حالة من الحزن مع الشعور بالعجز والرغبة في العزلة عن المجتمع والخوف من العقم أو عقاب الله، وتصاب الأم أحيانا بذهان واكتئاب ما بعد الإجهاض·
وقالت الإذاعية د· اميمة كمال أن الدور الإعلامي في مواجهة مشكلة الأجنة المشوهة ينقسم إلى ثلاث مراحل: مرحلة ما قبل الزواج وهي مرحلة التوعية بالأسباب التي تؤدي إلى تشوه الأجنة ومنها زواج الأقارب أو وجود أمراض وراثية لدى أحد الزوجين، والرسالة الإعلامية في هذه المرحلة تركز على ضرورة إجراء الفحوص الطبية ومخاطر زواج الأقارب ومراجعة السجل التاريخي الصحي لأسرة كل من الزوجين للتأكد من عدم وجود أمراض· والمرحلة الثانية من بداية الحمل حتى الولادة ويركز الخطاب الإعلامي على مساعدة الزوجين على اتخاذ القرار الصحيح من خلال تقديم الرؤية الطبية والاجتماعية والدينية· والمرحلة الثالثة ما بعد ولادة طفل مشوه وتُعنى الرسالة الإعلامية بتوجيه الأسرة بالطريقة المثلى للتعامل مع الطفل المشوه والابتعاد عن الأساليب التي تسبب مشكلات نفسية واجتماعية تزيد من معاناته·
وقال د· سعد بن ناصر -أستاذ بكلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود- إذا تبين أن الجنين مصاب بمرض من الأمراض التي تؤثر في حياته، وتمنع مساهمته في بناء مجتمعه، وتسبب حالته العناء لوالديه ماديا ونفسيا، فان قرار الإجهاض يأتي بناء على تقرير لجنة من أهل الاختصاص لا تقل عن طبيبين ويكون مبنيا على أسس علمية معتمدة، ولا يكتفى بالنظريات المجردة ويكون التقرير جازما بحدوث المرض، ولا يعتمد على الظن· ولا يجوز الإجهاض إلا بموافقة الوالدين وان يكون ذلك خلال الأربعين يوما كما في مذهب الشافعية والحنابلة أما المالكية فقد ذهبوا إلى منع الإجهاض مطلقا قياسا على عدم جواز قتل المريض·

اقرأ أيضا