الاتحاد

دنيا

الأمير رينيه ·· نهاية أسطورة عاشتها موناكو

إعداد ـ هالة دروج:
شهد عام 1956 زفافا أطلق عليه لقب (زفاف القرن) ولفت حينها أنظار العالم أجمع إلى إمارة موناكو الصغيرة· كانت العروس إحدى أجمل النجمات التي عرفتها هوليوود، وهي في الأصل ابنة عامل بناء من فلادلفيا· أما العريس فكان أشهر عازب عرفته القارة الأوروبية في ذلك الوقت إذ أنه أمير تلك البقعة البديعة من الأرض التي تقع بين إيطاليا وشواطئ ريفيرا الفرنسية·
صور ذلك الزفاف كانت تتداعى أمام أعين المسنين من أبناء موناكو خلال الفترة التي تدهورت فيها صحة الأمير رينيه الذي توفي البارحة بعد صراعه مع المرض عن عمر يناهز الـ (81) عاماً· وبدأ هؤلاء يسترجعون ذكريات قصة الحب الرومانسية التي جمعت أميرهم الشاب بالممثلة الشهيرة جريس كيلي التي استطاعت أن تحول إمارتها الصغيرة إلى مركز يستقطب رؤوس الأموال والسياح· وما يزال السكان يتخيلون روح كيلي ترفرف على موناكو وهي جاثمة في قبرها الكائن في كاتدرائية تقع فوق هضبة مرتفعة في (مونت كارلو)·
يستعيد سكان موناكو ذكريات تلك الفترة بحسرة إذ يرون فيها العصر المشرف لعرش عائلة جريمالدي الذي يعتبر الأكثر ديمومة بين الملكيات الأوروبية· أما الآن فكل ما يقوم به أفراد هذه العائلة من تصرفات سواء جاءت من الأميرتين كارولين وستيفاني أو الأمير ألبرت ولي العهد يكون مثارا للفضائح التي تنشر على صفحات الصحف في جميع أنحاء العالم·
موناكو لها تاريخ مثير للفضول يبدأ منذ عام 1297 عندما تسلل القرصان فرانسوا جريمالدي بثياب راهب إلى قلعة على صخرة موناكو كانت ملكا لأناس من جنوة· ثم سمح بدخول جنوده واستولى على كامل المكان بعد أن عمد إلى قتل كل سكانه· وظلت ظلال تلك الحادثة المشينة تخيم على سمعة الإمارة على مدى قرون كثيرة· كما واجهت موناكو الكثير من الانتقادات من أهمها تهمة غسل أموال النازيين إبان الحرب العالمية الثانية، وانتقال والدة الأمير رينيه إلى باريس حيث عاشت شيخوخة مزرية في كوخ كانت تشاع حوله الأقاويل بأنه مأوى للمجرمين الفارين·
صمم رينيه الذي كان يهوى جمع الطوابع ويعشق كل ما يتعلق بالسيارات القديمة أن يحسن من صورة موناكو ليقدمها بشكل يؤهلها لجني الكثير من الأرباح من وراء الملاهي الليلية والزوار الأثرياء الذين يسافرون لمشاهدة سباق الجائزة الكبرى للسيارات· وقد واتته الفرصة عندما التقى بالحسناء جريس كيلي في مهرجان كان السينمائي في عام ·1955
البداية
كانت كيلي قد زارت قصر رينيه الوردي قبل عام فقط أثناء تصوير فيلم To Catch a Theif مع المخرج ألفرد هتشكوك· عندها أحسن الأمير الشاب استقبالها واصطحبها بجولة لمشاهدة الحدائق المحيطة بالقصر وحديقة الحيوان الخاصة به· كان رينيه قد أمضى خمس سنوات على عرش موناكو وكان يتطلع للاستقرار لذلك سرعان ما بدأ الاتصال بالممثلة الحسناء ولم يمض وقت طويل حتى طلب يدها للزواج· لكن الأمر لم يكن بتلك البساطة إذ توجب على عائلة كيلي أن تتحمل مبلغ مليوني دولار كمهر لابنتها· كما رافق الأمير رينيه في رحلته التي ذهب فيها لخطبة كيلي طبيب لإجراء الفحوص اللازمة للتأكد من مقدرة كيلي على إنجاب ولي عهد لسكان موناكو·
استمرت العلاقة الرومانسية بين الأمير والممثلة لتتكلل بزفاف أسطوري أقيم في عام 1956 تعهد فيه أحد استوديوهات هوليوود بدفع نفقات فستان العروس وتسريحة شعرها مقابل الحصول على حقوق إنتاج فيلم وثائقي عن تلك المناسبة·
وطلب رينيه أن تتخلى كيلي عن التمثيل بعد الزواج، ووافقت الحسناء الشابة على مضض وبكثير من الأسف والحسرة· بيد أن الهالة التي أحاطت بقصة الحب الرومانسية سرعان ما بدأت تخبو بالنسبة إلى العروس· فبعد شهر العسل الذي قضته تجوب منطقة البحر المتوسط مع عريسها بدأت كيلي تشعر بحنين عارم لوطنها أميركا· وبدأت تعتاد على حياة القصر ومعاملة عائلة زوجها واستوعبت تماما حقيقة حياتها كأميرة· وعندما أصر رينيه على منعها من العودة للتمثيل في فيلم مارني للمخرج هيتشكوك عانت من الاكتئاب والإحباط لكنها كانت مصرة على فعل كا ما تستطيع لإنجاح زواجها·
رزق رينيه وكيلي بابنتهما الأولى كارولين بعد عام من الزواج، ثم أهدت الأميرة طفلها الذكر ألبرت كولي عهد إلى سكان موناكو في العام التالي· وولدت الابنة الصغرى ستيفاني في عام ·1965
الحادث المأساوي
استمتعت كيلي بدورها كأم ولكنها كانت محورا لكثير من الشائعات حول معاناتها من فقدان الشهية وإقامة علاقات عاطفية ولا سيما بعد أن قررت الانتقال للإقامة في باريس· وآخر ما عاشته كيلي كان ذلك الحادث المأساوي الذي تعرضت له في عام 1982 عندما كانت تقود سيارتها برفقة ابنتها ستيفاني التي كانت في عامها السابع عشر· وقع الحادث في موناكو وتوفيت الأميرة كيلي في اليوم التالي في حين ظلت الأميرة الصغيرة تعاني من إصابة في الرقبة· وانهار الأمير رينيه تماما لخبر وفاة زوجته لكنه حاول تفريغ حزنه الشديد من خلال إقامة مشاريع عامة قام في بلاده· فموناكو التي لا يزيد عدد سكانها عن 32 ألف نسمة تعاني من صغر مساحة أرضها التي عمل الأمير على زيادتها بنسبة 20% عن طريق ردم البحر· كما أمر بمشاريع توسيع في الميناء فجعله قادرا على استقبال السفن الضخمة، وأقام الكثير من مشاريع البناء للشقق السكنية الغالية الثمن وتأمين المواقف تحت الأرضية لاستيعاب الأعداد الكبيرة من سيارات فيراري ولامبورجيني·
لكن كل هذه الإنجازات التي قام بها الأمير رينيه لم تحول الأنظار عن سلوك ابنته ستيفاني التي تورطت في أكثر من فضيحة بعد وفاة والدتها· وتساءل الكثيرون عما إذا كان ذلك ناجما عن شعورها بالذنب حيث أشيع أنها هي التي كانت تقود السيارة عندما وقع الحادث الذي أودى بحياة أمها· وبعد عشرين عاما من الصمت تحدثت ستيفاني لأول مرة عن الحادث في عام 2002 وقالت: 'لم يكن الأمر يقتصر على تجربتي المريرة بفقدان أمي وأنا صغيرة السن، بل إنني كنت أيضا إلى جانبها عندما وقع الحادث· لا يستطيع أحد أن يتصور مدى ما عانيته وما زالت أعانيه بسبب ذلك'·
الأبناء الثلاثة
لكن ستيفاني قررت ألا تستسلم وأن تستمتع بحياتها إلى أقصى ما يمكن فتحولت إلى الفتاة المتمردة في عائلة جريمالدي، وخاضت تجربة عرض الأزياء والتصميم والغناء· كما أقامت العديد من العلاقات العاطفية مع مشاهير الفن وسباق السيارات· في عام 1991 أثارت ستيفاني الجدل والانتقاد عندما أقامت علاقة مع حارسها الشخصي دانييل دوكريت الذي ترك عشيقته السابقة وهي حامل بطفله في شهرها السادس· أثارت هذه العلاقة غضب الأمير رينيه ولا سيما بعدما علم بحمل ستيفاني التي صالحته بعدما أنجبت طفلين من حارسها وأقنعت والدها بالموافقة على زواجها منه في عام ·1995 لكن بعد أقل من عام ونصف وقعت كارثة عندما اكتشفت ستيفاني أن زوجها يخونها مع حسناء بلجيكية فطلبت الطلاق منه· عقب ذلك بثلاث سنوات أعلنت عن حملها بطفلها الثالث مع الاحتفاظ باسم الأب سرا إلا أن الشائعات دارت حول رجل آخر من حرسها الشخصي·
في عام 2001 وقعت الأميرة ستيفاني البالغة من العمر 36 عاما بغرام مدرب فيلة وانتقلت مع أطفالها الثلاث للعيش في كارافان لسيرك سويسري· لكن العلاقة لم تستمر لأكثر من عام عادت الأميرة على إثره إلى وطنها موناكو واستمرت الأقاويل تدور حول علاقاتها المتكررة مع أكثر من رجل·
أما الأميرة كارولين الأخت الكبرى التي تزوجت لثلاث مرات أيضا فقد اشتهرت عالميا لكونها أول أميرة في العالم تظهر عارية الصدر· في عام 1978 تزوجت ضد رغبة أهلها من رجل يكبرها بسبعة عشر عاما قام ببيع صور شهر عسلهما إلى الصحف· وسرعان ما سئمت من سوء سلوكه وجشعه فطلبت الطلاق· في عام 1983 تزوجت من رجل أعمال إيطالي وأنجبت أطفالها الثلاثة منه قبل أن يلاقي حتفه في حادث قارب بعد زواجه بسبع سنوات· في عام 1999 تزوجت بإرنست أوغست أمير هانوفر الذي زاد من الطين بلة فقد كانت الفضائح تلاحقه بسبب سلوكه المشين وكان آخر هذه الفضائح التحية النازية التي قدمها لحراس أمن المطار·
وللأمير ألبرت مشاكله وفضائحه الخاصة وعلاقاته العاطفية مع الكثير من الحسناوات وجميلات العالم من أمثال كلوديا شيفر وبروك شيلدز· لكن الأمير يدرك أن الزواج لن يكون سهلا على الفتاة التي سترتبط به، ويبدو أن سكان الإمارة قد ملوا انتظار معرفة هوية الشابة التي ستجبر أميرهم على دخول القفص الذهبي· ويعرف عن ألبرت ولعه بالرياضة وكان قد مثل موناكو في الألعاب الأولمبية لثلاث مرات كعضو في فريق التزلج على الجليد·
في مواجهة مشكلة إحجمام ألبرت عن الزواج عمد الأمير رينيه إلى تعديل دستور البلاد ليسمح لإحدى بناته بولاية العرش عند الحاجة· فوفق معاهدة عام 1918 يفترض أن تعود موناكو إلى فرنسا في حال عدم توفر ولي عهد ذكر· وبالرغم من تولي الأمير ألبرت مسؤوليات والده قبل وفاته ببضعة أيام إلا أنه ما يزال يثير ردود أفعال متباينة· فهناك من يرى أنه سيملأ فراغ أبيه ويتحمل مسؤولياته بكل جدية وهناك من يتوقع أن ينسحب ويتساءل عن مدى إمكانية موناكو على تجاوز هذه المحنة· يرى سكان موناكو أن موت الأمير رينيه هو نهاية العصر الذهبي في تاريخ بلادهم إذ يقول أحد المحامين هناك: 'من الصعب ملء الفراغ الذي تركه· لقد كان موته نهاية لقصة أسطورية عاشتها موناكو'·

اقرأ أيضا