الاتحاد

ثقافة

هواجس غامضة ومدارات السحر في بيئة روحية

هشام المظلوم

هشام المظلوم

ابراهيم الملا (الشارقة)
يكشف معرض «زاد العيون- بازار الفنون» المقام في مركز إكسبو بالشارقة عن أنماط إبداعية متعددة، تؤسس لما يشبه الحوار الجدلي والثري بين الحداثة والتراث في أفق الفنون البصرية المتمايزة شكلا، والمتمازجة مضمونا، خصوصا وأن هذه الفنون تختبر حضورها وتأثيرها على المتلقي من خلال أعمال تتقاطع مع ثنائية المنطوق والموثق، أو الشفاهي والمكتوب، وتتجلى في فضاء روحاني يقتبس من شهر رمضان مداراته المضيئة والغامرة بالفيض الذاتي، والتأمل المرصود للبصيرة، في توقها الأسمى نحو مطلق الوجود وغايته الأكمل والأبهى.

المعرض الذي أقيم ضمن فعالية (رمضان الشارقة) ويختتم في نهاية شهر يوليو الجاري، اشتمل على طيف واسع من الفنون الإسلامية كالمسكوكات والمخطوطات القديمة، إضافة إلى أعمال حروفية ولوحات تشكيلية وصور فوتوغرافية ومجسمات نحتية وتكوينات ثلاثية الأبعاد، قدمها عدد كبير من فناني الإمارات ومن الأسماء الإبداعية المعروفة في العالمين العربي والإسلامي، بما يتوازى مع ذاكرة شهر رمضان ومناخاته النورانية المفعمة بالسحر والدهشة والمفردات الحسية والانطباعية المرهفة والعميقة في ذات الوقت.

يستند معرض «زاد العيون» أيضا وبأقسامه المختلفة على أفكار خلاّقة ورؤى مستوحاة من مناسبة ثقافية مهمة، ومتمثلة في تتويج الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية للعام الجاري 2014، وفي هذا السياق يشير هشام المظلوم مدير إدارة الفنون بثقافية الشارقة، والمنسق العام لفعالية (رمضان الشارقة) لـ»الإتحاد» إلى أن هذه الفعالية الفنية والثقافية الكبرى تعدّ ترجمة لتطلعات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، في نشر الذائقة البصرية المتعلقة بالفنون العربية والإسلامية من خلال الحضور المتألق والخصوصية الآسرة لهذه الفنون، وأضاف المظلوم: «إن رعاية سموه للفنون عامة والإسلامية منها على وجه الخصوص يتجسد في هذا الحراك التشكيلي الذي يعمُ إمارة الشارقة، والذي تعمل إدارة الفنون على ضبط إيقاعه وإخراجه بالشكل الذي يعكس الهوية المحلية بوجهيها العربي والإسلامي».

وعن أهمية إقامة معرض «زاد العيون» وسط هذه الفعالية المتنوعة والحافلة، قال المظلوم: «استطاع المعرض أن يستقطب أسماء إبداعية مهمة محليا وعربيا ودوليا، قدمت أعمالا مدهشة لاقت حضورا كبيرا من جمهور المعرض، مثل اللوحات التشكيلية والحروفيات وأعمال الخط العربي الأصيل، إلى جانب الأعمال النحتية والفراغية والخزفية، وكذلك التصوير الضوئي، والمقتنيات الأثرية المشرقية والإسلامية، والمسكوكات، والأغلفة النادرة لأمهات الكتب والمصاحف، كل ذلك على مرأى الزائر في محاولة لالتقاط لحظات تذوق واستمتاع، في فسحة من الثقافة والمتعة والحوار المعرفي».

واستطرد المظلوم: «يضم بازار الفنون ومن ضمنه (زاد العيون) 47 معرضاً لفنانين محليين ودوليين ولمجموعة مقتنيات فردية وعامة، وهذا المعرض يتيح لرواده من الجمهور والفنانين والمقتنين ومسوقي الأعمال الفنية فرص اللقاءات الفنية والمشاهدة لمتذوقي الفن عامة والإسلامي خاصة بما يقدم من تجارب فنية لها مكانتها وسط الفنون الأخرى».

وأضاف: «يترافق مع البازار إقامة 59 ورشة فنية تفاعلية مع الجمهور بشكل مباشر طوال ليالي رمضان المبارك، يشرف عليها مجموعة من أساتذة المراكز الفنية لإدارة الفنون وثلة من الفنانين عبر تخصصات مختلفة كالرسم والخط والخزف والنحت وغيرها، وفي هذه العروض البصرية لهذا الركن استقطاب للأنواع الإبداعية المتنوعة، إضافة للمقتنيات بقيمها التاريخية التي نغوص من خلالها في غياهب الحقبات التاريخية لأنحاء العالم الإسلامي عبر مخطوطات واختراعات وابتكارات أثرية تعود لتواريخ متعددة، فتمثل للمهتمين صفحات من تاريخ العالم العربي والإسلامي، ومثال ذلك مجموعة المطيري وهي سابع مجموعة إسلامية في العالم، وهي تعود لفترات تاريخية متعددة تضم 46 قطعة نقدية أثرية من المسكوكات».

يذكر أن معرض «زاد العيون» يعد من المناسبات الفنية النادرة على مستوى الدولة من حيث احتوائه وتحت سقف واحد على عدد هائل من المعروضات التفاعلية التي تتيح للجمهور التعرف على ماضي وجديد الفنون الإسلامية، والأخرى المفاهيمية التي لم يغب عنها الأثر الروحاني والزخارف البصرية والمنمنمات الحديثة الضاربة بجذورها في تاريخ عريق من الابتكارات الشكلية واللونية التي أنجزها الفنانون الإسلاميون في العصور المتعاقبة منذ انتشار الإسلام في أصقاع العالم بدءا من الدولة الأموية ثم العباسية والفاطمية وليس انتهاء بفنون المغول وفنون الامبراطورية العثمانية.

أما الأعمال التشكيلية الإماراتية فكانت متألقة من خلال معارض مستقلة لكل من: الدكتورة نجاة مكي، وفاطمة لوتاه، وعبدالرحيم سالم، ومحمد القصاب، وخليل عبدالواحد، وغيرهم، حيث قدم عبدالرحيم سالم أعمالا طغى عليها الإيقاع اللوني المتحرك في أفق ضبابي، لا يتوسل التعيين والصرامة الشكلية، بقدر انحيازه للتذبذب والتوتر الداخلي، الأشبه بهواجس غامضة وبدائية، يصدّرها الفنان بشفافية عالية ومستترة في ذات الوقت داخل نفق معتم من الأسرار المتدفقة في ليل الحكاية والصمت والجنون.

أما مطر بن لاحج فقدم في أعماله التركيبية والمعدنية الضخمة مدارات السحر والأسطورة في تكوينات الحروف العربية، وما تنطوي عليه من إمكانات تعبيرية، تتجاوز أحيانا المنطق والبلاغة اللفظية، كي تسافر طويلا وبعيدا نحو مجهول شاهق وفائض بالأخيلة والقصص التي لم ترو بعد!

اقرأ أيضا

"الناشرين الإماراتيين" تؤسس قاعدة بيانات للسوق المحلي