أشرف جمعة (أبوظبي) الحرف الإماراتية هدية التاريخ العريق لأبناء الدولة، فهي علامة على اكتناز عوالم الموروث الشعبي الأصيل في الذاكرة الحضارية، تعبر بدقة عن مهارة الحرفيين الإماراتيين الذين شكلوا وجه الحياة في أطوار حياتهم المختلفة حتى أضحت هذه الحرف سجلاً زاخراً بالإنجازات وواحة تطل على الماضي من شرفة الحاضر، تبرز من خلالها البيئة البحرية بكل تفاصيلها العامرة بشباك الصيد والمراكب التراثية، وأسرار الغوص عن اللؤلؤ، وقصص النوخذة، والحياة المفعمة بالجهد والعمل، وكذلك البيئة البرية الصامدة عبر الزمان، والبيئة الزراعية التقليدية التي شجرت الصحراء، وكذلك الجبلية بما تحتويه من حياة نابضة. وفي مهرجان الشيخ زايد التراثي في منطقة الوثبة في أبوظبي، كانت تطل البيئات والحرف الإماراتية على صفحة الوجود بحركية الحرفيين الذين شكلوا لوحات غاية في الثراء. تمتلك الإمارات شريطاً ساحلياً بطول 540 كيلومتراً، وبناءً عليه شكّل صيد الأسماك وتجارة اللؤلؤ والتجارة البحرية في الماضي جزءاً مهماً من الاقتصاد، فكانت مئات السفن تبحر عبر الخليج العربي وخليج عُمان في رحلات طويلة للتجارة مع الهند وأفريقيا، وكانت آلاف اللآلئ تجمع بوساطة الغواصين. وقد ضم مهرجان الشيخ زايد التراثي مجموعة متنوعة من الحرف اليدوية والمهارات المرتبطة بالحياة البحرية والبيئة الزراعية والجبلية، وفي أحد أركان منطقة البيئات والحرف الإماراتية كان يجلس يوسف محمد آل بشر (75 عاماً)، الذي تفنن في صناعة شباك الصيد «الليخ»، ويبين أن «الليخ» كانت تصنع في الماضي من خيوط الغزل، وتتم حياكتها من قبل مجموعة من الرجال المهرة، وكي يتم استعمالها والصيد بها في البحر يتم وضع عدد من «الكرب» كي تطفو فوق السطح، وهي عبارة عن قطع صغيرة من عصي النخيل بحجم اليد تربط في الشباك وتكون المسافة بين الكربة الأولى والثانية متراً ونصف المتر. ويشير إلى أنه لكي يكون الليخ مستقيماً تحت قاع البحر توضع مجموعة من الصخور وتسمى «بالمسو» وتشبك الليخ بالحبال، وتكون المسافة بين الصخرتين الأولى والثانية ثلاثة أمتار، وطول الليخ كاملاً يصل إلى مائتي متر، ويبن آل بشر أنه كان يعمل في البحر، وهو عمره 7 سنوات، وأنه اكتسب معرفة كبيرة، إذ إنه يعرف جميع أنواع الأسماك، وكل تفاصيل البيئة البحرية في الإمارات بوجه عام. القراقير على منصة عالية نسبياً، كان يعمل سالم محمد الفلاسي على مهنته القديمة التي تفنن فيها منذ صغره، وهي صناعة القراقير، ويلفت إلى أنه تعلمها من العائلة التي تنقلها للأبناء بشكل متصل، ويذكر أن القرقور وسيلة قديمة في الإمارات ودول الخليج العربي، وهي عبارة عن أقفاص حديدية تصنع يدوياً، ولها مدخل رفيع جداً بغرض منع السمك من الهروب وتتنوع «القراقير» في الحجم بين كبير ومتوسط وصغير، ويستغرق العمل في صناعة «القرقور» في المتوسط من يوم إلى يومين، ويصل طول القرقور الواحد إلى نحو ربع المتر وعند إنزال القرقور إلى قاع لبحر يربط بحبل قوي؛ ليمكن الصياد من جذبه ورفعه من الماء. ويوضح الفلاسي أن حرف الماضي لمسة ساحرة على بقعة الحاضر المتجدد، خصوصاً أن «القرقور» يصنع بطريقة يدوية خالصة، فهو الوسيلة الأفضل لصيد الأسماك، والقراقير بطبيعتها كروية الشكل أو نصف كروية مصنوعة من الحديد المجلفن أو من جريد النخيل. شباك الصيد منذ ستين عاماً، ومحمد المرزوقي يعمل في مهنة حرفة صناعة شباك صيد الأسماك بالطرق التقليدية، ويشير إلى أن صيد السمك من المهن القديمة، وتختلف تقنياته، وتتعدد، خصوصاً عند استعمال الشباك، فصيد السمك بوساطة الشباك يتم عبر رميها في المياه، ومن ثم سحبها محملة بالأسماك، ولذلك طرق متعددة، منها «الضغوة»، وهي تقنية تقوم على إمساك طرفي الشبكة من قبل شخصين، أحدهما على الشاطئ والآخر في البحر، ثم يتم رمي الشبكة عند ارتفاع المد وبشكل يشبه الحدوة، فإذا ما انحسر المد جرت المياه بعيداً عن الشاطئ، وبقيت الأسماك معلقة بالشباك، ويرى المرزوقي أن هذه الحرف تحتاج إلى مهارة خاصة وصبر في الوقت نفسه، لكنه يشعر باستمتاع، وهو يصنع بيده شباك تلك الحرفة التي تعلمها منذ أن كان صغيراً، وهو اليوم يؤدي دوراً جديداً في الحفاظ عليها. سيف الخوص وفي مشهد معبر، كانت مريم بدوي السعدي تعمل في مهنة «سيف الخوص»، التي تعلمت أسرارها في سن الـ 15عاماً، حيث تصنع من خوص النخلة أدوات كثيرة كانت تستخدم في البيوت قديماً، ولا تزال الأسرة الإماراتية تعتز بهذا اللون من منتوجات الخوص، وتذكر أن سيف الخوص هي حرفة تقوم على نسج خوص النخلة لإنتاج مجموعة واسعة من الأدوات كالمهفة، وهي المروحة اليدوية، وأدوات أخرى مثل السفرة والحصير والسلال والجفير والسرود، وغيرها من الأدوات التي كانت تستخدمها المرأة في حياتها المنزلية اليومية. وترى السعدي أن سيف الخوص من الأشغال النسوية، إذ ينظف الخوص، ويشرخ وكل كمية من سيف الخوص تأخذ لوناً مختلفاً عن الآخر، ثم تنقع أعواد الخوص في الماء لتليينها وتسهيل جدلها، حيث تجدل النسوة من هذا الخوص جدائل يتم تشكليها مع بعضها بعضاً، ومن ثم تشذب وتقص الزوائد منها، لتصبح جاهزة لكي يتم استخدامها في صناعة العديد من الأدوات بطريقة يدوية خالصة. الحنة والمحنية لا تخفي أم وليد السعدي أنها حين تعمل على تحضير نبات شجرة الحنة وتهيئة الورق من أجل أن يصبح صالحاً للاستخدام يجعلها تشعر بأن الاهتمام بالحنة لا يزال مثلما كان في الماضي، وتشير إلى أن مهرجان الشيخ زايد التراثي أفسح المجال للحرفيين والحرفيات في إبراز مهاراتهم اليدوية، وقدرتهم على المساهمة في حفظ التراث، مبينة أن الحناء هي نوع من الأشجار التي كانت تزرع في البيوت قديماً، وكانت أوراقها تسحق حتى يصبح المسحوق ناعماً ثم تضعه المرأة على شعرها أو يديها أو قدميها، ليعطي لوناً أحمر بنيا، وتعد الحناء رمزاً لعناية المرأة الإماراتية بزينتها، وقد استخدمت الحناء في التجميل، واستخراج العطور وصنعت منها المرأة مزيجاً بإضافات متنوعة توضع على الشعر لتلونه وتمنحه لمعاناً وحيوية، كما استخدمت لتجميل اليدين والقدمين، ويعد التخضيب بالحناء من العادات العربية القديمة والمستحبة في الإمارات سواء في الأعياد أو الأعراس، والمحنية هي من تقوم بوضع الحناء للأطفال والنساء. وتوضح السعدي، أن الحناء من أهم الأساليب التي تعتمدها المرأة في زينتها، كما تلعب دوراً مهماً في زينة العروس يوم زفافها، بوضع الحناء أيضاً على شعرها، مما يضيف لمسة بهية على إطلالتها، وتشير إلى أنه قد اعتنت المرأة الإماراتية بأوراق نبات الحناء بعد طحنها وتنعيمها وخلطها بالماء، ثم تتركها بعض الوقت كي تتخمر قبل وضعها على اليدين أو الشعر الذي يكتسب لمعاناً وحيوية مميزة، وعلى الرغم من تعدد نقوش الحناء بين «الغمسة» و«القصة» و«الروايب» و«أبو البيطان»، فإن تغطية أطراف الأصابع بالحناء مع رسم دائرة في وسط الكف بقي الأشهر لدى النساء. طحن الحبوب تستخدم أم محمد الشامي «الرحى» لطحن الحبوب، ففي البيوت الإماراتية القديمة كانت الرحى تستخدم بشكل يومي، وتورد الشامي أن الرحى من الأدوات التي كانت تستخدمها المرأة الإماراتية منذ الصباح الباكر، فهي آلة بدائية من الحجر الخشن الثقيل تستعمل لجرش الحبوب وطحنها، وهي عبارة عن حجرين مستديرين يركب أحدهما فوق الآخر، ويكون السفلي منهما ثابتاً بينما يدور الحجر العلوي حول محور خشبي أو معدني تكون قاعدته مثبتة في أسفل الحجر السفلي، وعندما تدور حجر الرحى، فإنها تمر فوق حبات القمح أو الشعير التي توضع من فتحة دائرية صغيرة في وسط الحجر، فتتكسر تلك الحبات شيئاً فشيئاً كلما دار عليها حجر الرحى حتى تصبح طحيناً ناعماً، وتشير الشامي إلى أن هذه الصناعة التي أضحت من حرف الماضي تحتفظ في هذا العصر بتوهجها رغم وجود آلات حلت محل الرحى، وتعتز بأن الحرفيين الإماراتيين يحافظون على الموروث الشعبي الأصيل، وهو ما يتجلى في منطقة البيئات والحرف الإماراتية في مهرجان الشيخ زايد التراثي. الكرخانة التقليدية على ماكينة خياطة تقليدية، جلست هدى الرئيسي تستعيد ذكريات قديمة، حيث حياكة الملابس بالطرق التقليدية حين كانت النساء في البيوت الإماراتية قديماً يمتلكن «الكرخانة»، التي كانت لها قيمة كبيرة عند النساء في الماضي من أجل حياكة ملابس الأسرة وتطريزها، ولا يكاد يخلو بيت من هذه الآلة، وكانت بعض النساء يتخذن منها مهنة. وتشير الرئيسي إلى أن المرأة الإماراتية قديماً كانت تخيط ملابس الرجال والنساء والأطفال باستخدام «الكرخانة»، وقد اشتهرت بعض النساء في «الفرجان» المحلية قديماً بخياطة الملابس بأنواعها المختلفة، وكن يستخدمن في تفصيل الملابس أدوات قياس مثل «الذراع والشبر والغتر»، فأدوات القياس لم تكن موجودة، ولذا كانت الخياطة تستخدم اليد والذراع في تحديد مقاسات الطول والعرض، وترى أن منطقة البيئات والحرف في مهرجان الشيخ زايد التراثي عبرت عن مجموعة من الحرف الإماراتية التي جمعت الزوار على موروثات شعبية لها قيمتها التاريخية. خيوط الصوف بحرفية تامة، كانت مريم سعيد تستخدم السدو لتنسج وغزل من القطن أو الصوف بعض القطع من المفروشات وغيرها، وتشير إلى أن السدو من أهم الحرف اليدوية الشعبية الإماراتية، فعلى الرغم من أنه يشبه النول للوهلة الأولى، فإنه يختلف في التقنية والإنتاج، إذ تستعمل فيه خيوط الصوف الملونة فتسدي طولاً وعرضاً بوساطة «المدرة» لحياكة قطع جاهزة عديدة كالبساط أو الأغطية، وتذكر أن السدو من الحرف التقليدية القديمة التي تعتمد على مواد خام من وبر الإبل وشعر الماعز والقطن. والسدو له استخدامات كثيرة عند البدو، فهو العنصر الأساسي في تكوين بيوت الشعر التي تعد مساكن متنقلة لهم تتناسب مع ظروف البيئة والحياة التي يعيشونها. وتبين أنها تعمل في هذه المهنة منذ زمن بعيد وأنها تستمع كثيراً بها، خصوصاً أنها ترى أن مهرجان زايد التراثي فرصة حقيقية لنقل الموروث الشعبي الأصيل في الدولة إلى أبناء الجيل الحالي الذين يغمرون منطقة البيئات والحرف الإماراتية. صناعة المراكب والسفن يقول علي محمد آل علي (65 عاماً): اعتدت صناعة مراكب الصيد القديمة منذ صغري، وهو ما جعلني أتقن هذه الحرفة حيث ازدهرت صناعة السفن في منطقة شبه الجزيرة العربية عامة والإمارات خاصة نظراً للدور الكبير الذي يلعبه البحر في حياة السكان سواء في أسفارهم وتجارتهم أو في بحثهم الدائم عن مصادر للرزق من السمك واللؤلؤ بعيداً عن الوطن. ويشير آل علي إلى أن صانع السفن عرف في الماضي بـ«الجلاف» وصناعتها بـ«الكلفات» وما تتضمنه من سد شقوقها وإدخال المسامير والزيت والقار، كما أطلق اسم «الوشار» على عملية بناء تلك السفن، وهو لفظ اشتق من كلمة «المنشار» الذي يحمل دلالة على العمل نفسه، ويلفت إلى أن مدة صناعة المركب تتوقف على حسب الحجم، فهناك مراكب يستغرق عاماً كاملاً وأخرى شهر أو عدة أشهر، وأنه يستخدم أدوات بدائية في الصناعة من أجل إتقان هذه الحرفة التي تعبر عن الأصالة في هذا الزمن، وأن مهرجان الشيخ زايد التراثي يؤصل قيمة الموروث في الحياة الاجتماعية ويربط الأجيال بالماضي وما يزخر به من حرف قيمة. «اتصالات» في ركن الِحرف أبوظبي (الاتحاد) استضافت «اتصالات» يوم الجمعة 23 ديسمبر 2016 مجموعة تضم 25 طفلاً من جمعية الإحسان الخيرية في منصتها الموجودة في مهرجان الشيخ زايد التراثي الذي يقام بمنطقة الوثبة في أبوظبي، خلال الفترة من 1 ديسمبر 2016 حتى 1 يناير 2017. تأتي هذه المبادرة في سياق المسؤولية المجتمعية التي تلتزم بها «اتصالات» تجاه مختلف شرائح المجتمع الإماراتي، وتهدف إلى رسم البسمة على وجوه الأطفال وإدخال البهجة إلى قلوبهم، من خلال زيارة الصغار لركن الحرف الإماراتية التي تسافر بهم إلى ماضي الأجداد. وحظي الأطفال بيوم حافل بالأنشطة الترفيهية، بما في ذلك الحنّاء والرسم على الوجه، بالإضافة إلى الاستمتاع بالفعاليات الترفيهية المقدمة في المهرجان والتلذذ بالأكلات الشعبية من عدة بلدان. يشار إلى أن «اتصالات» تقدم رعايتها للنسخة السادسة من مهرجان الشيخ زايد التراثي، وتوفر على أرض الحدث منصة تتيح من خلالها لزوار المهرجان الحصول على عروضها المتنوعة بسهولة وراحة، بالإضافة إلى فرصة الاستمتاع بطيف متنوع من الأنشطة الترفيهية العائلية.