الاتحاد

منوعات

صديقنا المطر

الاتحاد

الاتحاد

منذ الطفولة والمطر صديق شقاواتنا البريئة، ومنذ المطر ونحن نتوق إلى رائحة الأرض بعد أن يعبرها الماء، أو تمر بها سحابة عابرة تركت أثراً لا يبقى، لكنه يعلق بالذاكرة كأجمل وأعذب أثر، ومنذ المطر وقلوبنا تتوق للفرح، نبحث عنه في أرواحنا بين حنايانا، فمطر الأرواح شفيف وحبيب يشبه ماء السماء حين يملؤنا بالضجيج.
نروح دون وعيٍ منّا وقد كبُرنا نحو أنشودة المطر نسمعُ فيأخذنا الشجن، نبكي فيُشجينا الحنين وبأصواتنا المخبوءة نعيشها بكل شغف الدنيا إيقاعا ومكانا وإحساسا، نعانق الضوء النابت في جوانحنا يبدو متلألئاً كحبّات مطر، نروح ننشد «مطر، مطر» ونغيم مع السّيّاب و«عيناك غابتا نخيل ساعة السّحر/‏ أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر» نمضي صوب الابتسامات الشفيفة، والقمر الذي نأى بعيداً حيث خلوته مع السحاب تاركاً لنا الشعر والوتر.
أصدقاء المطر، أصدقاء اللحظات الجميلة حيث «لَبطاح والمساييل» وعيون الأمهات وقلوب الآباء ترقب في وجلٍ شقاوات الصغار، حين يخوضون الماء يروحون نحو البهجة التي ترتسم في مخيلاتهم وعلى ملامحهم يتثاءب المساء في حضرة الغيم الذي يسح «دموعه الثقال» أطفال كنّا نحب المطر ونشعر أنه يحبنا، آمن، صديق حقيقي، لم نشعر معه بالخوف «كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم» ونحن نبتلّ بالماء لترتجف ضلوعنا برداً وحبا.
المطر، المساحات الشاسعة من الصحراء ورْمول العين، والنّباغ مروراً «بالجِري لِعبيله وصاع» وماء السماء وتلك الرحلات البرية التي تعيدك إليك، مجموعات تخرج للترفيه ومعانقة العشب الطازج «والحمّيض ووريقات الغاف» باتجاه الالتحام مع الطبيعة، للرجال مجالسهم، وللنساء مجالسهن تحت ظْليل الغاف والسمر، أيام حلوةٌ بكل ما مر فيها من مواقف كان المطر يغسلها فينكشف الضوء عن فرحة عميقة في الداخل، داخل كل قلب ٍ يتوق إلى الحياة مع المطر.
صديقنا المطر، حبيبنا المُدلل، ذكرياتنا، أيامنا السعيدة، أصدقاؤنا أحبتنا، أوقاتنا النابضة بالسعادة، أشياؤنا الكثيرة، حكايات الجدات وخراريفهن الدافئة، انتظاراتنا حكايات الحب الأولى، مغامرات اللعب بالحروف والكلمات، انثيالات الحنين في أعماقنا، اتكاءات التعب على جفوننا، عيوننا الضاحكة، جاراتنا الطّيبات، أرغفة الحب الطازج، صباحاتنا، سماؤنا الحُبلى بالغناء.
المطر عطر الروح يأخذنا نحوَ الذكريات الأثيرة، واللحظات القصيرة التي كنّا فيها وأثناءها نلهو مع الماء في نعيمْ وشَرَاغات حولنا أحباب نرقب ُابتساماتهم آباء وأمهات وإخوة وأخوات عالمُ من الحب الخالص الذي لا يتكرر، ومطر، مطر.

اقرأ أيضا

مهرجان الحصن.. عروض فلكلورية تتغنى بإرث الماضي وروح الأصالة