الاتحاد

ثقافة

الشبيهة ..

من المصدر

من المصدر

السّاعة الثالثة فجراً، أنفاسي تكاد تنقطع، دقّات قلبي تتزايد وذرات العرق تتسابق على منحنيات وجهي. يا إلهي نفس الكابوس الذي يكاد لا يفارقني منذ أربع سنين، تلك المرأة ما زالت تلاحقني مع ضحكاتها المتعالية، عقلي سينفجر فقد جافاني النوم وأبى أن يداعب جفوني النّاعسة.
نهضت من سريري واتجهت إلى الشرفة أنصت إلى سكون العالم لعلي أهرب من ضجيج عقلي المتراكم عبر السّنين، وعيوني معانقة السّماء تائهة شاردة الحل، أيعقل أن تكون هناك نهاية لعذابي؟. بعدما نفضت أفكاري الشائكة على طريق الحي عسى أن تدهسها إحدى السيارات المارّة وأتخلص منها إلى الأبد، وأخيراً بعد مد وجزر قررت أن أذهب إلى طبيب نفسي، فربّما أصابني الجنون من دون أن أعي، وهذا وارد فمن يراني الآن لن يرى إلّا نصف كيان، عود ثقاب يتمايل مع رياح الحياة.
في الصّباح مع بزوغ أول خيط من خيوط الشّمس، استعددت للذهاب إلى الطبيب النفسي، لعلّه يعرف كيف يلملم روحي التّائهة أو يشفي بعض جروحي. فإذا بي أهمّ بفتح الباب لكنّه لا يفتح معي، أحاول وأحاول، لكن لا فائدة تذكر، ربّما القدر لا يريدني أن أذهب! آه لقد مللت، النوم جافاني، حتى الباب صار غاضباً منّي، بعد برهة تذكّرت أنّي لم أفتح القفل العلوي، يا لغبائي صرت حتّى لا أعرف كيف أفتح الباب.
ذهبت وأنا مثقلة الفكر، بين أناملي ألمي وفي جوفي أمل، أمل في أن تعود تلك السّنين التّي ضاعت من أمامي. لقد وصلت إلى مرساتي نجاتي، ابتسمت واعترتني مشاعر أوّل مرّة أعلم بوجودها، عبرت الباب ووضعت رجلي على أوّل درجة، فإذا بي أراها أمامي، نفس الضحكات المتعالية أسمع صداها تعلو وتعلو وتقترب.
صعدت إلى الأعلى بسرعة غير ملتفّتة إلى الوراء، بدأت أطرق بابه بكلّ قوّة وأنا أصرخ: «افتح لي الباب، افتح... إنّها آتية.... أرجوك افتح...»، فتح الباب والدّمع في عينيّ و«إنّها آتية» تعانق شفتي، نظر إليّ والذهول يعلو محياه، أدخلني وهو يسألني: «من الآتية؟ لا يوجد سواك...»، قلت له: «تلك المرأة التّي في أحلامي صارت أمامي، أبت أن تتركني لحال سبيلي، لقد تعبت منها... تعبت من ضحكاتها»، قال: «منذ متى بدأت بالظهور..؟»، فأجبته منذ أربع سنين....«فإذا بي أراها أمامي من جديد تضحك وتضحك لا تريد أن تتوقف... فبدأت بالصراخ والهروب منها في كلّ الاتّجاهات وهو يقول لي: «ماذا هنالك؟... ما الذّي ترينه..؟ أجيبيني...» فصرخت:
«لقد أتت، لقد أتت ولا تكف عن الضّحك أسكتها من فضلك أسكتها.... »
أمسكني من ذراعي ونظر إلى عيني وقال لي: «يجب أن تواجهيها حتى تتخلّصي منها»
كانت في منتصف الغرفة، ترتدي فستاناً أسود طويلاً، ينسدل شعرها بكل انسياب على كتفيها، نظرت إليها أوّل مرّة بتمعن وكان فيها منّي الشِّبه، تقدمت نحوها وبدأت أخنقها وأخنقها، وهي ما زالت تضحك وتضحك... وأنا أختنق، وإذا بأنفاسي تكاد تنقطع فأدركت بأنّي لم أكن أخنق إلّا نفسي، وأنّ تلك المرأة لم تكن إلا نفسي المريضة التي أتلفت روحي بضحكاتها.

اقرأ أيضا

«المكتبة الإلكترونية» مشروع يعزز القراءة في الشارقة