الاتحاد

الملحق الثقافي

تحـرير التاريخ

ها نحن، وفي سنتنا الجديدة هذه، نفتتح موسم ملفاتنا، برحلةٍ معرفيةٍ شيقةٍ إلى الماضي؛ الماضي المنسي المجهول والمختوم بالكثير من التابوهات، لمدارات «جاهلية» العرب وآفاقها. هكذا، تماماً، وكأننا نزور أرضاً أسطوريةً زالت من الوجود، وظلت بقاياها مطموسةً تحت التراب. لكن هذه الزيارة، ليست من أجل أن نتطابق ونتماثل مع ذلك المشهد النوستالجي البعيد، ولا لأن نتأبَّد ونبكي على الأطلال، ونجتر بالتالي هوسنا المرضي لكل ما هو ماضوي وقديم من تاريخنا. إن هذا النمط من التفكير الصمغي والنكوصي والمؤله للماضي التليد، هو بالتأكيد، أبعد ما يكون عن طبيعة تفكيرنا وخطابنا وتوجهاتنا. لأننا ببساطة نعي جيداً، خطورة هذا التفكير الذي يمجد الماضي وحده على حساب معطيات الحاضر والمستقبل، والذي قادنا للأسف إلى اعتقال التاريخ، وتجميد طاقاته، وتصنيم معانيه وأشكاله وبناه وتمظهراته وأبعاده وإبداعاته، وفرغ التاريخ من تاريخيته نفسها، وأدخلنا بالتالي في جحيم الأصوليات وتحجرها، دينياً وأيديولوجياً، عربياً وإسلامياً.

لا، ليس من أجل هذا إذاً، ذهبنا في ملفنا هذا إلى تلك الأعماق البعيدة من تاريخنا؛ وإنما من أجل سببين رئيسين نختزلهما فيما يلي:

أولاً

تسليط الضوء المكثف والكاشف على مرحلة «جاهلية» العرب، المغيبة والمنسيّة، وإبراز ما لها من أهمية تأسيسيّة وتكوينيّة وثقافية ودينية وحضارية في المجال العربي، حيث سبقت ظهور الإسلام بقرون ومهدت له، وبشرت بـ «دلائل النبّوة» وقدوم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). ففي فضاءاتها وبين أطرافها المترامية، ظهرت ممالك ودول كثيرة اتصلت بالثقافات والحضارات الأخرى، عبر طرق التجارة البرّية والبحرية، ونشأت فيها الفنون والآداب وعبقرية اللّغة العربية والكتابات القديمة، وتميزت بتعدديتها الدينية من خلال وجود اليهود والنصارى والأحناف والصابئة وعبَّاد الأوثان، في أراضيها وبين مكوناتها المجتمعية. هذا على الرغم، من أن الكثير من تلك العناصر الثقافية المتعلقة بفترة وثنية العرب، قد انتقلت إلى الفضاء الإسلامي ولم يتم تحريمها أو القضاء عليها؛ كاللّغة العربية مثلاً التي أصبحت لغة القرآن الكريم، واستمرار تقديس الكعبة المشرّفة بعد أن تم تطهيرها من الأوثان والعادات الوثنية، وتواصل مواسم الحج بما يلائم طقوس الدين الجديد وتعاليمه، وغيرها كثير. ولعل هذا يعود إلى أن الإسلام، لم يأتِ أصلاً من أجل تدمير الثقافة السابقة عليه أو محوها، وهناك شواهد كثيرة على ذلك؛ وإنما جاء من أجل تطهيرها، من العبادات الطوطمية المتعلقة بعبادة الأنصاب والأصنام، وتحريم عاداتها السيئة كوأد البنات وطرق المناكحة والزواج الوثنية مثلاً.

ثانيـــــاً

ما من مرحلة تاريخية، لحق بها التقصير وعدم الاهتمام والنّسيان والهدم الأثري والتحريم والتعدّيات اللاتاريخيّة، مثلما لحق بمرحلة وثنية العرب بالذات، حيث امتلأ تاريخها بالكثير من الفجوات والثغرات والفراغات الواسعة التي لم يتم ردمها حتّى الآن، والتي تركت تساؤلات كبيرة حولها. ولعل مرد ذلك يعود، بحسب جواد علي، إلى أن الكثير من المؤرخين العرب القدماء، لم يظهروا مقدرة في تدوين التأريخ الجاهلي، بل قصروا فيه تقصيراً ظاهراً؛ كما أنهم لم يطرقوا كل الأبواب أو الموضوعات التي تخص الجاهلية؛ وإنما اقتصر علمهم فيه على الأمور القريبة من الإسلام فقط. غير أن البحوث الأهم في هذا الشأن والتي جاءت في عصور لاحقة، كانت من قِبَل المؤرخين والآثاريين والمستشرقين الأجانب بالخصوص، الذين أسهموا إسهاماً كبيراً في الإضاءة على جوانب مختلفة من التأريخ الجاهلي الثري حقاً.

إذن

ما وددنا طرحه في ملفنا هذا عن جزيرة العرب قبل الإسلام، هو دعوة القارئ العربي لتعرف على مرحلة مهمة من عمر هُويّته الثقافية العربية، ومعرفة ما حبلت به من أوضاع ثقافية وحضارية غنية وعظيمة، لم يتم اكتشافها كلها بعد؛ وذلك بدل أن يستمع للجهلة والحاقدين أو لمن هبَّ ودب. ولعله آن الأوان، في تصوري، لأن نقلب تلك المعادلات الفكرية البالية، وأن نبدأ في تقديم مراجعات نقدية جديدة، تفصل بالخصوص بين ما هو تاريخي وما هو ديني وأيديولوجي، وترفع الاعتداء على التاريخ العربي الإسلامي وتحرره من سجونه، وتمنع توظيفه بهذه الطريقة المسيسة والمبتورة والمشوهة، التي تحرض على القتل والتحجر والجهل. لهذا علينا أن نؤمن إيماناً قاطعاً، بأن التاريخ لا يصلح لشنِّ الحروب وارتكاب الفظائع، أو أن يكون مبرراً لفعل كل هذا، وبأنه لا يوجد في الماضي وحده بل يوجد في الحاضر والمستقبل أيضاً، وأن تكميم التاريخ وبتره وتزويره لن يقربنا من معرفة الحقيقة أبداً، حقيقة وجودنا كبشر وكأمة كبيرة وعظيمة. كما أن ثباته وجموده، لا يعني سوى إعلان تحجره وموته بامتياز. وعلينا فوق هذا وذاك، أن نفعل كل هذا من أجل أجيالنا الطالعة التي تجهل هذه التواريخ المغيبة كلها، وأن نقدم لهم تاريخاً عربياً إسلامياً ليس مبتوراً أو مزوراً أو مسيساً، بل تاريخاً منفتحاً على الحضارات الأخرى ومنوعاً وغنياً ومكتنزاً بالمعرفة وبالقيم الإنسانية النبيلة، كما كان عليه حقاً، حتى لا يأتي اليوم الذي يديرون فيه ظهورهم لنا ويكفرون بتاريخنا كله.

حضارات الجزيرة العربيّة القديمة:

1 - حضارة دلمون

قامت حضارة دلمون منذ الألف الخامس ق.م. في ما يُعرف حاليّاً بمملكة البحرين. وهي من أقدم حضارات الجزيرة العربيّة.

2 - مَجان

احتضنت سلطنة عُمان حضارة مَجان، ويعني اسمها جبل النحاس، واشتهرت منذ الألف الثالث ق.م. بعلاقات وثيقة مع دلمون وبلاد الرافدين ومختلف حضارات الشرق القديم ومع الهند وأفريقيا.

3 - أُم النار

اتّخذت هذه الحضارة اسمها من جزيرة أُم النار الواقعة ضمن إمارة أبوظبي في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، وامتدّ تأثيرها بين حضارة دلمون في الشمال وحضارة مَجان في عُمان. وازدهرت في العصر البرونزي، ولا سيما بين الألف الثالث والثاني ق.م.

4 - حضارات اليمن

تأسّست في اليمن منذ الألف الرابع ق.م. دول مُختلفة تركت مُميِّزاتها الحضاريّة وأسهمت في بناء تاريخه، وهي دُول: سبأ وأُوسان وقتبان ومَعين وحضرموت وحِميَر وكِندة. فأسهمت كُلّ واحدة منها في إغناء تاريخ اليمن القديم بالمكاسب الحضاريّة.

..............

* تعددية عقائدية وثراء ديني

- عبادة الأصنام

نقلت المصادر القديمة أسماء عدد كبير من الأصنام، وقد ذكر ابن الكلبي ما يفوق التّسعة والعشرين صنماً، بعضها اشتهر شأن اللّات والعزّى ومناة، ولعلّ سبب شهرتها ورودها في القرآن الكريم: «أفرأيتم اللاّت والعزّى ومناة الثّالثة الأخرى» (النّجم، 19-20).

- النّصرانيّة واليهوديّة

كانت المسيحيّة العربيّة المهيكلة في الحيرة ولدى الغساسنة وفي اليمن، ولكن هناك من اعتنق النّصرانيّة داخل بعض قبائل مكّة والحجاز. وهذا ما يثبته اليعقوبي في تاريخه. واستوطن اليهود يثرب، كما استوطن جزء كبير منهم خيبر واليمن وحنين.

- الحنيفيّة

الحنيفيّة هي معتقد الحنفاء، وهم من يؤمنون بالتّوحيد الإبراهيميّ. وقد أشار القرآن إلى الحنفاء بصفتهم لم يكونوا يهوداً ولا نصارى. يقول الله تعالى:«وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملّة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين»(البقرة، 135).

- الصّابئة

يبدو من خلال المصطلح الدّالّ عليهم أنّهم قوم لا ينتمون إلى واحد من الأديان الكتابيّة ولا الشّائعة، والغالب أنّهم استندوا إلى تقليد روحانيّ متميّز كان له وزنه قبل الإسلام، وإلاّ لما أشار إليه القرآن أكثر من مرّة.

..............

* شهادات

- "الحضارة التي أقامها العرب في أقل من مائة سنة، وهي من أنضر الحضارات التي عرفها التاريخ، ليس مما يأتي عفواً".

المؤرخ الفرنسي الشهير جوستاف لوبون

- منذ الجاهلية الأولى كان العرب في الجزيرة العربية على اتصال بالشعوب المجاورة، وبما لديها من معتقدات وحضارات، فكان أن تأثروا بها وأثّروا.

د. عصام الحوراني

المختص بالميثولوجيا العربية والشرقية القديمة

- « بلاد العرب كانت مأهولة بالناس منذ العصور (الباليوثية)، أي العهود الحجرية المتقدمة، وأن أقدم الآثار التي عثر عليها هي آثار من أيام العصور المعروفة بـ(التشيليان)، وهي الأدوار الأولى من حضارة العصر الحجري بلغة أهل المكتشفات الآثارية»

المؤرخ العراقي د. جواد علي

- معجم اللغة العربية «معجم غَنيٌّ غِنًى رائعًا، وسيبقى دائماً مرجعاً مهماً لتوضيح ما غمض من التعبيرات في جميع اللغات السامية الأخرى. وليست اللغة العربية غنية بكلماتها فحسب، بل بقواعد نحوها وصرفها أيضاً"

المستشرق الألماني الشهير «نولدكه»

أنواع الكتابات

تنقسم الكتابات المنتشرة في الجزيرة العربية إلى قسمين هما: المحلي وغير المحلي، بالنسبة إلى الثاني، فهي كتابات نجدها بكميات محدودة، ويمثلها: السومرية، البابلية، والأشورية، واليونانية، واللاتينية، والعبرية، والمصرية القديمة. أما المحلية، فتنقسم من حيث الخط إلى قسمين، هما: ما نعرفه بالمسند، ونجده ينقسم أيضاً إلى قسمين شمالي وجنوبي، الشمالي كتاباته المسماة بالثمودية واللحيانية والصفائية. أما القسم الآخر، فهو اللهجات الجنوبية، وهو قلم (خط) لعدد من اللغات أو اللهجات عند البعض- مصدره الأصلي جنوب شبه الجزيرة العربية، وقد استخدمه عدد من شعوب وممالك اليمن القديم. سمّاه البعض خطأ اللغات الصهيدية نسبة إلى مفازة رَمْلة صهيد (رَمْلة السبعتين)، مستنداً في ما يبدو إلى إحاطة أشهر الممالك اليمنية القديمة، مثل: سبأ، وحضرموت، ومعين، وقتبان، بهذه المفازة (رَمْلة صهيد) التي تمتد شمالي غربي وادي حضرموت إلى مدينة مأرب من ناحية الغرب، وفي الشرق، تمتد حتى أراضي حضرموت الصحراوية، في حين يحد هذه المفازة من جهة الشمال صحراء الربع الخالي.

ونرى أن خط المسند الجنوبي قد تطور من الخط الثمودي المبكر الأقدم زمنياً، بخلاف ما يراه البعض من أنه قد تطور من خط يُعرف باسم «الخط العربي، الخط الأم أو الخط العربي القديم» (Proto-Arabic)، الذي تطور من الخط الكنعاني القديم (Proto-Canaanite)، وذلك في حدود القرن الثالث عشر قبل الميلاد (1300 ق.م).

...............

بين التاريخ والآثار

لم تكشف الجزيرة العربيّة بعد عن أسرارها التاريخيّة والأثريّة المغمورة بالرمال وتلالها الطبيعية، بانتظار معاول المُنَقِبين عن ذاكرة الماضي. كان الاهتمام الأول بهذا التراث الإنساني من قِبَل الرحّالة الغربيّين الذين جذبتهم رمال الصحراء والتنوّع الجغرافي للجزيرة العربيّة التي بدأ الاهتمام بها منذ العصور القديمة، فحدّد موقعها في العالم القديم الجغرافي كلوديوس بطليموس (القرن الثاني ب.م.) في خرائطه. كما زارها رحّالة مُستَكشِفون غربيِّون، منذ القرن السابع عشر، وكتبوا عن ما عاينوه وما عايشوه في فترات رِحلاتهم. وأسهموا في فتح طريق استكشاف الجزيرة العربيّة، ومهّدوا لقيام الأعمال الأثريّة لاحقاً.

وعندما استقلّت دول الجزيرة العربيّة بعد الحرب العالميّة الأُولى، بدأت كُل دولة تهتّم بتراثها وبذاكرتها التاريخيّة والأثريّة؛ فكَثُرت البعثات العلميّة الوطنيّة والأجنبيّة التي تعمل في مواقع أثريّة عديدة. وتمكّنت من الوصول إلى نتائج ملموسة، ساعدت في إغناء معرفتنا التاريخيّة والأثريّة للجزيرة العربيّة منذ عصور ما قبل التاريخ، مروراً بمُجمل حقبات التاريخ القديم حتّى ظهور الإسلام.

اقرأ أيضا