صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

صوت الشعر الجاهليّ يتردد في أكسيتانيا

ثمّة اليوم إجماع شبه تامّ حول مسألة انتقال جزء من الموروث الشّعري لعرب الجزيرة قبل الإسلام إلى أجزاء هامّة من أكسيتانيا بفرنسا، مثل أقاليم أكيتان ونربون والتّولوزانْ ولنكدوكْ، حيث ترسّخ ذلك الموروث، وعبر العلاقات العربيّة - الأندلسيّة المتعاقبة، أزهر صيغا مبتكرة من الكتابة الشّعريّة مثل الكانسوس والجارشا والموشّح والزّجل. كما بات من المؤكّد أنّ ذلك الإرث كان وراء ميلاد شعر أصيل جديد في فرنسا، ولكن أيضا أسلوبا مستطرفا في المحبّة، سوف ينتشر في غرب أوروبا عن طريق الشّعراء الجوّالين أو «التّروبادور»، ليعرف بالحبّ العفيف أو الغزل.

من إقليم لونكدوك، وبتشجيع من ملوك وأميرات كثيرات، سوف يكتسح ذلك الفنّ الشّعري مناطق الشّمال ويعمّ أكسيتانيا، ليغدو ملمحا ثقافيّا مميّزا تجلّى بوضوح في الكتابات الشّعريّة، وأسهم في تشكّل حساسيّة جديدة لدى النّاس، كما أسهم في إقامة علاقات إنسانيّة جديدة بين الرّجل والمرأة، وبلورة أيروسيّة لا زلنا نلمس آثارها إلى غاية اليوم. ولكن.. دعونا أوّلا، وبعيدا عن واقع أوروبا اليوم، نتوقّف عند تلك المنطقة من العالم التي استوعبت عديد التّأثيرات، ومثّلت البوتقة التي منها انبثق غزل الشّعراء الجوّالين بأوروبا أو التّروبادور، ألا وهي الجزيرة العربيّة قبل الإسلام.

الشّعر والهويّة
لئن كان أصل العرب يضرب بجذوره عميقا في الزّمن التّاريخي (ونحن نعثر على إشارات عن العرب العاربة والعرب المستعربة في النّقوش الآشوريّة البابليّة التي تعود إلى القرن التّاسع قبل الميلاد)، فإنّنا لا نظفر بأثر لهويّة عربيّة إلاّ في القرن السّادس، وذلك من خلال أوّل نصّ محفور بالعربيّة عثر عليه حدّ الآن، والذي يعود إلى الشّاعر الجاهلي امرؤ القيس (المتوفّى نحو 540)، والذي إليه ينسب ضبط القواعد الثّابتة التي سينتظم وفقها فنّ نظم الشّعر عند العرب.
وإن كان عرب وسط شبه الجزيرة العربيّة بدوا رحّلا، فكان ثمّة مع ذلك في إقليم الحجاز مدنا تجاريّة زاهرة، اعتمدت تجارة عابرة للصّحراء تسيّرها عشائر قبليّة مستقرّة. وأهمّ تلك المدن هي مكّة، التي كانت تحقّق أرباحا طائلة، باعتبارها سوق كبرى ووجهة الحجّ الوثنيّ للكعبة. وفي مكّة، كانت تنتظم بشكل دوريّ مناظرات شعريّة أسهمت إلى حدّ بعيد في بلورة لغة عربيّة بيّنة وجليّة بالنّسبة لأعداد متزايدة من القبائل. حينئذ، مع بداية تشكّل الهويّة الأولى للعرب، كان ثمّة من ناحية اللّغة ومن ناحية ثانية الشّعر.
وقد ندرك أهمّية ذلك المقول الذي هو الشّعر، في الإرث الثّقافي العربي، متى تأمّلنا البيئة الجغرافيّة القاسية التي كان يتحرّك فيها أولئك البدو، وأدركنا ما كان يطالهم في ربوعها التّيهاء من شظف عيش ومسغبة. وكم كان الشّعر كما الموسيقى مسعفين ومتناغمين مع عسر وغلاظة تلك الحياة.. حياة البداوة.
وكانت أولى المناظرات الشّعريّة هي تلك التي كانت تنتظم منذ القرن الثّالث بسوق عكاظ، القرية الشّهيرة الواقعة بين الطّائف والنّخلة. هناك.. اعتادت القبائل العربيّة الالتقاء بشكل دوريّ لإلقاء أوزار الحرب، وإمضاء هدنة عامّة تتوقّف معها الخصومات والمشاحنات. وكانت تلك، فرصة سانحة لسماع شعراء القبائل وهم يرتّلون أشعارهم، ولكن أيضا وهم يفصحون عن مواقفهم من اللّغة وعن مدى إدراكهم لأسرارها، وبمرور الزّمن، أسهمت تلك المناظرات في ترسيخ وتدعيم لغة عربيّة واحدة ومشتركة بين القبائل. لذا يكون الانتماء الشّعريّ بمثابة الخطوة الأساسيّة الأولى على طريق تشكّل الهويّة العربيّة.
لا شكّ في أنّ تاريخ الشّعر العربي يبدأ مع ظهور الإسلام، غير أنّه كان يحتلّ مكانة مرموقة في حياة العرب قبل مجيء الرّسالة، عبر المناظرات الشّفويّة، أي في طور الهويّة العربيّة السّابقة للإسلام، المنتمية إلى زمن الجاهليّة، والعهود السّابقة للقرن السّابع. ولا شكّ أيضا في أنّ تلك الوحدة اللّغويّة ذات المستوى الأدبيّ الرّفيع، التي وجدت زمن الجاهليّة، كانت عاملا ناقلا بامتياز لخيال جماعيّ، مثلما تشهد على ذلك المعلّقات، تلك النّصوص الشّعريّة الباذخة.. الفائزة في المناظرات الشّفويّة، والتي كانت تعلّق على جدران الكعبة تكريما لأصحابها.

مميزات أسلوبيَّة
يتألّف البيت في الشّعر العربي الكلاسّكي من عنصرين: الوزن الشّعري (البحر) ثمّ القافية التي نجدها في ختام كلّ بيت. وعلى عكس الرّؤية الغربيّة للبيت الشّعري، لا يتشكّل هذا البيت من وحدة إيقاعيّة واحدة، ولكن من عناصر منتمية إلى نفس الوزن الشّعريّ (نفس البحر)، والتي تمثّل في الحقيقة وحدتين مختلفتين تماما بفضل وجود القافية في نهاية كلّ منها. ووفقا للتّقليد الكلاسيكي، تقوم القافية على تجانس صوتيّ عند آخر مقطع لفظيّ لبيتين متتابعين ومتكاملي المعنى، تجانس يخترق القصيد من أطرفه إلى أطرفه، ويكسبه وحدة موسيقيّة آسرة، وميزة تركيبيّة بالغة الإغواء.
ويعتبرُ رونيه خوام أنّ ذلك الرّنين المتكرّر والملحاح الذي يميّز الوزن والقافية، بدل أن يشكّل عامل رتابة، فهو يسبغ على الشّعر العربي صبغة تضرّعيّة على علاقة بسحره القديم، سحر البدايات الذي بقي الشّعر وفيّا له. فهو يطلق الحركة الحميمة للجسد، الذي يكون مستنفرا بقوّة كما الفكر، إذ أنّ الموسيقى والرّقص في المشرق العربي كانا دوما مقترنين بالضّرورة، بالقول الشّعري، كما كان الحال، ولكن بدرجة أقلّ، عند الإغريق القدامى أو الشّعراء التّروبادور في العصر الوسيط الأوكسيتاني.
ثمّ إنّ حركيّة الجماعة و التبعيّة المتبادلة للأفراد (الحريّة والإكراه) كانت مرتبطة جدليّا في البداية، بالظّروف ذاتها للصّراع من أجل البقاء في البيئة الصّحراويّة الضّاغطة، وتشكّل تبعا لذلك سمات ثقافيّة ثابتة.
كما أنّ ازدهار المبادلات المرتبط بالتّجارة الدّوريّة القديمة، سوف يشهد تراجعا متزامنا مع انحطاط الإمبراطوريّة الرّومانيّة خلال القرنين الرّابع والخامس بعد الميلاد، وإلى غاية انبعاث ذلك الازدهار ما بين القرنين السّادس والسّابع، أي في فترة الرّخاء الذي باتت تشهده مكّة مع بدايات زمن النبوّة، والتّلاشي النّهائي لممالك الجنوب. وإنّ هذا التّدقيق لشديد الأهمّية لفهم طبيعة الإطار الاجتماعي والثّقافي الذي تطوّر فيه الشّعر العربيّ قبل الإسلام، والذي شهد بروز الشّاعر الكبير امرؤ القيس، المتوفّى نحو 540م.
لقد كان هذا الأمير – الشّاعر قد طرد من قبل أبيه، ملك قبيلة كندة، بسبب شغفه وهيامه بفتاة من قبيلة بني عذرة، قبيلة شاع فيها الحبّ العذريّ، أي ذلك الحبّ البتوليّ القريب جدّا من حبّ «شهداء العشق». ويخبرنا عبد العزيز قاسم، أنّ تلك القبيلة كانت ذائعة الصّيت ومعروفة ب «شهداء العشق» فيها، حيث كان الكثير من الفتيان ممّن إكتوَوا بنار العشق يقضُون إمّا منتحرين أو يهلكون من فرط الوهن الذي كان ينتهبهم، لأنّ الفتيات في القبيلة كنّ غاية في الحسن والبهاء، ولأنّ الفتيان كانوا مرهفي العواطف وعلى درجة عالية من الإحساس بالجمال.
وإلى امرئ القيس ينسب التّعريف المحدّد للقواعد الثّابتة التي خضع لها الشّعر العربي من بعده، وتحديدا إبداع النّظم الشّعري الذي سيعرف بالقصيدة، التي سيتداخل فيها تمجيد القبيلة والتغنّي ببطولاتها الحربيّة، بالإحساس الموجع بالزّمن العابر، وبزيف القلق الذي ينتهب قلب الإنسان. ومن الأعمال الشّعريّة المشرقة لتلك الفترة قصائد العشق التي لهج بها قلب عنترة، وما أثمره ذلك العشق من تغنّ ملحميّ بالبطولة وبالفروسيّة، وقد كانت تلك الأشعار تجسيدا عربيّا مقدَّما للشّعر الملحمي الذي سيغذّي الرّواية في الغرب الأوروبي خلال القرن الثّالث عشر، ومن ذلك.. ملحمة «لنسلو والكأس القربانيّة المقدّسة» لكريتيان دي تُرويْ.
كما كانت الملحمة العربيّة البطوليّة قبل الإسلام قريبة من شعر الفروسيّة الذي سبق شعر الغزل، ليتناغم معه طيلة القرن الحادي عشر. وفعلا، فإنّ تلك القصائد الملحميّة، التي تعود بداياتها إلى القرنين السّابع والثّامن، كانت تقدّم لنا على حدّ قول رونيه نيلّي، نموذجا لفارس مكتمل، يسخّر جسارته في مدح محبوبته عبلة، مستمدّا من ولهه بها مزيدا من الجسارة والإقدام في ساحات القتال.
ويرى ستندال أنّ الحروب الصّليبيّة هي التي كشفت للغرب، عن وجود متعٍ أرقّ وأجود وأرهف من فعل النّهب والاغتصاب والقتل الذي شاع بين الصّليبيّين، وأنّه ثمّة في الشّرق أخلاق للمحارب مستقلّة عن الفضيلة الدّينيّة المحضة. فلئن كانت الفروسيّة العربيّة قائمة على القيم الرّوحيّة للإسلام، فإنّ مردّها أساسا إلى المرأة المحبوبة، وبالنّهاية، فإنّ الحبّ الدّنيوي هو الذي كان يلهم التحنّن على المهزومين، ويجلّ ما يطال المرأة من ضعف أنثوي.

الكمال الأخلاقي
هل يقدر عمل أسطوريّ ما لوحده على اختصار مقولة «الفناء في المحبوب» التي تحظى بحضور كبير في مثل ذلك الشّعر؟ ونعني بذلك خاصّة أشعار امرئ القيس أو مجنون ليلى، الذي أصيب بالجنون، والذي قد لا يكون قد وجد فعلا، وهو الذي تغنّى في أشعاره بالعشق و بقدره البئيس. وفي عراق القرن السّابع، من مدينة إلى مدينة، ومن قبيلة إلى أخرى، عمل الشّعراء على إشاعة تلك القصائد وحفظها ونسخها وترتيلها، وإعادة صياغتها بأشكال أدبيّة شتّى، فكانت بذلك شاهدا على ميلاد أسطورة، ولكنّها ليست بالحكاية أو الخرافة، فالأسطورة رواية خياليّة تحظى بموالاة تامّة من المجموعة البشريّة التي تنتجها، وإلاّ فإنّها قد تغدو عديمة المفعول وغير مؤثّرة.
لقد كان «المجنون» مِثْلُ رجعِ صدى لأورفيوس، ينصهر بأجمعه في ظلمة الجنون ويذهل عن ذاته كعاشق وكإنسان. وغالبا ما كان ينصهر في غياب ليلى، فيغدو بحاجة مكابدة آلام الفصل حتّى يكون شاعرا. وينبئنا الاشتقاق اللّغوي، أنّ اسم ليلى يعني في العربيّة «المرأة التي تقبل ليلا»، وكان المجنون بحاجة إلى ذلك اللّيل حتّى يحمل القول الشّعريّ حدّ الإشراق..حدّ تجلّي المعشوقة. والقراءة البنيويّة لهذه الأسطورة الشّعريّة، تثبت أنّها تُشكِّل، وقبل أيّ تمجيد للعشق، تجسيدا لأهمّية الكلمة والصّوت. فالأمر يتعلّق حينئذ بأساطير مُهيكِلة للمخيال الثّقافيّ العربي، الذي تتجسّد فيه الأهمّية السوسيولوجيّة للكلمة في فضّ النّزاعات داخل القبائل البدويّة قبل الإسلام، وكان ذلك هو دور الشّاعر – البطل وناقل أخبار عشيرته والمؤتمن على ذاكرتها، ولكن أيضا المحارب بالكلمات – الذي نلاحظه على امتداد تاريخ الشّعر العربي الكلاسّيكي والحديث على حدّ سواء..، إنّه الدّور المخلّص للكلمة في «ألف ليلة وليلة»، حيث كانت شهرزاد بتمكّنها من فنّ القصّ، الذي تتغيّر فيه مع كلّ يوم مُوالٍ، خاتمة الحكاية التي كانت ترويها للملك، فتوفّقت بذلك في إسكان الجنون الدّمويّ لهذا الأخير، وبالتّالي تحرير نساء المملكة من خطر موت مؤكّد، ثمّ إنّها أيضا تلك المحايثة للوجود الربّاني ولكلام اللّه المنزّل، القرآن ولغة القرآن، واللّغة العربيّة الكلاسيكيّة التي غدت شاهدة على وجود اللّه. وإنّ الأمثلة لتلتقي وتتداخل لتشير إلى خاصيّة أساسيّة في الثّقافة العربيّة، التي تمازج فيها حدّ الانصهار، الشّعر بالوحي وبالمطلق.
يتبيّن حينئذ أن إحدى مصادر شعر الغزل هو الحبّ العذريّ أو الحبّ البتوليّ الذي كان ملمحا ثقافيّا بارزا ومميّزا لبني عذرة. وقد تمّ تقعيد ذلك الشّعر في «كتاب الزَّهرَة» لابن داوود، العراقيّ المتوفّى سنة 909م. وهذا الكتاب الذي دخل الأندلس على إثر انتصاب الخلافة العبّاسيّة ببغداد في القرن التّاسع، وفرار آخر الأمويّين من دمشق إلى قرطبة وإشبيلية، كان قد ألهم ابن حزم (974 -1064) لكتابة رسالته في الحبّ «طوق الحمامة المفقود». وكانت تلك الرّسالة في الحبّ الحسيّ والأفلاطوني تمثّل في نظر هنري كوربان «رائعة عربيّة كبرى وخلاصة للنّظريّة الإفلاطونيّة في الحبّ باللّغة العربيّة».
يبدو إذن منذ البداية أنّ شعر الغزل وأيضا الانتصارات الحربيّة والتفكير الفلسفي في الوجود، كانت جميعها قد تضافرت عند شعراء ما قبل الإسلام، وهم البدو والمحاربين والزّعماء السّياسيّين، المنطبعين بقيم ثقافتهم التي كانت خلاصتها قيمة «العفّة»، بمعنى الكمال الأخلاقي عند الإغريق، وكانت تلك المقولة تعني إحساس الفرد المرهف بموازين الأشياء وبالجمال، بالشّجاعة وبالخير، وذلك في علاقة وثيقة بالكون، بالحياة وبالموت.. وبالأهمّية البالغة للكلمة.

مدن تجارية زاهرة
إن كان عرب وسط شبه الجزيرة العربيّة بدوا رحّلا، فكان ثمّة مع ذلك في إقليم الحجاز مدن تجاريّة زاهرة، اعتمدت تجارة عابرة للصّحراء تسيّرها عشائر قبليّة مستقرّة. وأهمّ تلك المدن هي مكّة، التي كانت تحقّق أرباحا طائلة، باعتبارها سوقا كبرى ووجهة الحجّ الوثنيّ للكعبة. وفي مكّة، كانت تنتظم بشكل دوريّ مناظرات شعريّة أسهمت إلى حدّ بعيد في بلورة لغة عربيّة بيّنة وجليّة بالنّسبة لأعداد متزايدة من القبائل.

تمجيد الكلمة

كان مجنون ليلى مِثْلُ رجعِ صدى لأورفيوس، ينصهر بأجمعه في ظلمة الجنون ويذهل عن ذاته كعاشق وكإنسان. والقراءة البنيويّة لهذه الأسطورة الشّعريّة، تثبت أنّها تُشكِّل، وقبل أيّ تمجيد للعشق، تجسيداً لأهمّية الكلمة والصّوت، فالأمر يتعلّق بأساطير مُهيكِلة للمخيال الثّقافيّ العربي، الذي تتجسّد فيه الأهمّية السوسيولوجيّة للكلمة في فضّ النّزاعات داخل القبائل، وكان ذلك هو دور الشّاعر – البطل وناقل أخبار عشيرته، ولكن أيضاً المحارب بالكلمات – الذي نلاحظه على امتداد تاريخ الشّعر العربي الكلاسّيكي والحديث على حدّ سواء.