الملحق الثقافي

الاتحاد

ارتقاء قمم الفكر الغربي

ضمن سلسلة “ضفاف” التي تقدمها منشورات الزمن في الدار البيضاء، يطل علينا المفكر والفيلسوف المغربي الدكتور محمد سبيلا بكتاب جديد تحت عنوان “إشكاليات الفكر المعاصر”، وهي مقالات مترجمة مستقاة من كتابه “التفلسف: تساؤلات معاصرة” مع إضافة مقالات ودراسات أخرى هي: “الايدولوجيا” لجوزيف غابل، و”الخياطة الرفيعة والثقافة الرفيعة” لبورديو، و”من أجل عقل منفتح” لإدغار موران”. ومن ثم في الطبعة الحالية إضافة مقالة الحداثة لجان بودريار، و”الإعلاميات” لبيير ليفي.

جرأة القراءة
يلفت الدكتور سبيلا أنظار القراء إلى قيمة تلك الأبحاث والدراسات، بكونها بالغة الأهمية حيث يقول: “إننا أحوج ما نكون إلى الاطلاع على الاجتهادات والابتكارات والإبداعات الفكرية المعاصرة في فترة يزداد فيها تساؤلنا حول ذواتنا وهويتنا.
واعتقد إننا نقوم بعملية نهضة حضارية أو يقظة ثقافية تحثنا على الاطلاع على فكر الآخر والتعرف على تطوره الحضاري، إن نحن أردنا فعلا إن نستدرك الزمن المفوت ونلحق بالركب ونستعد للإسهام في مسار العالم المعاصر، محكوم على كل من لم يواكبه بالتقهقر والارتكاس. اعتقد انه يجب أن تكون لدينا القدرة والجرأة والشجاعة على التعرف على الفكر الأوروبي، بدون خجل أو وجل ودون خوف من الاستلاب أو الاغتراب”.
والعنصر الآخر الذي حفز الدكتور سبيلا على ترجمة الأبحاث والمقالات التي يتشكل منها الكتاب هو ان معظم الدراسات المدرجة فيه دراسات أرادها أصحابها أن تكون علمية أو على الأقل تسعى أن تكون كذلك. فهي دراسات تحليلية أكثر مما هي تعبير عن مواقف جاهزة. وإذا كان من العسير الفصل في العلوم الإنسانية بين ما ينتمي إلى مجال الايدولوجيا وما ينتمي إلى مجال العمل. فإن الوعي بالبعد الإيديولوجي الملازم لهذه العلوم وما يصاحبه من احتياطات منهجية ومفهومية وحذر في إصدار الإحكام وإطلاق الأهواء على عواهنها، يعتبر ضمانة أولى لا غنى للحد من مخاطر التلقائية والأهواء الإيديولوجية.
ومن الأكيد، مثلا ـ يقول الدكتور سبيلا ـ إن هذه الأبحاث، وخاصة الفلسفية منها، تعكس المناخ التساؤلي الذي ساد الفلسفة الفرنسية المعاصرة والذي أدى إلى فحص نقدي للمسلمات الكبرى للفلسفة الكلاسيكية ولفكر الأنوار، بل لفكر عصر النهضة الأوروبي، تساؤل جذري عند العقل والإنسان والتقدم والمعنى والتاريخ والاتصال والواعي والذات والهوية، وهي تساؤلات يربطها البعض ـ في منظور سوسيولوجي ـ بأزمة البرجوازية الأوروبية التي تخلت تدريجيا عن مثلها التاريخية الكبرى التي تجسمت في العقل والنقد والتقدم والإيمان بالإنسان، ويشير إلى أزمتها وانحسار دورها على صعيد التاريخ العالمي، بينما يرجعها آخرون في منظور ابستمولوجي إلى تقدم الأدوات المعرفية وتدقيق الأجهزة المفهومة بما حققته العلوم الإنسانية من تقدم.
وانطلاقا من هذا البعد النقدي يقول الدكتور سبيلا: “اعتقد انه يجب أن تكون لدينا القدرة والجرأة والشجاعة على التعرف على الفكر الأوروبي، بدون خجل أو وجل ودون خوف من الاستلاب أو الاغتراب، وكذا دون مركب دونية، وإلا سقطنا في مواقف مسبقة هي أقرب ما تكون إلى الحكمة القائلة بأن من جهل الشيء عاداه”.

مغامرات الفكر
إن مغامرة الفكر الأوروبي، وخاصة الفكر الحديث والمعاصر، مغامرة هائلة ومقدامة وبلا حدود. فقد جاءت اكتساحا للعالم وللإنسان وسبرا لمجاهل الكون ولأغوار الفكر والنفس والعقل.
وقد واكبت هذه المسيرة الفكرية مسيرة الاكتشافات الجغرافية والفيزيائية والرياضية وغيرها. وهذه الدينامكية هي التي جعلت أوروبا تحتل قصب السبق وتستحوذ على العالم عسكريا وسياسيا وفكريا. فالمسافة بين الغرور وعقدة الدونية، بين الانغلاق والانفتاح الكلي مسافة دقيقة.
إننا، كعرب، يقول الدكتور سبيلا ، واقعون ضمن حركية مزدوجة، حركية التمسك بالهوية القومية والحضارية المكتسبة على مدى القرون وترسيخها.
وفي هذا السياق يمكن أن ندرج حركة التنقيب عن التراث وإخراجه والتأمل فيه والتعليق عليه وإحيائه وتحسينه والتعامل معه من منطلقين، منطلق أصوله وزمانه ومن منطلق ما هو قائم الآن، وحركة التفاعل الحضاري والاقتباس والترجمة والتعرف على الفكر الغربي في جميع المجالات والميادين. وهاتان الحركتان متضافرتان ومتلازمتان، ويتعين أن ترتبطا بموقف نقدي يقظ ومزدوج تجاه الذات وتجاه الآخر، لأن المسافة بين الغرور وعقدة الدونية، بين الانغلاق والانفتاح الكلي مسافة دقيقة.
ولعل مراعاة حذرة لهذين القطبين النهائيين سيجعلنا نطور طريقة تفكيرنا وآلية استدلالنا لنميز بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، بين ما هو إيديولوجي وما هو علمي، وما ينفع الذات وما يدغدغها أو ما يبررها، بين المثال والواقع، وبين الأسطورة والتاريخ، وبذلك نجعل تفكيرنا وفكرنا قادرين على فهم معطيات الواقع المعاصر وآلياته وعلى تقديم التفسيرات الكافية والتوجه ضمن شبكة العلاقات والآليات والمعطيات الجديدة لواقع اجتماعي واقتصادي وسياسي محلي ودولي جديد.

اقرأ أيضا