الاتحاد

الملحق الثقافي

«كارلو ألفونسو نَلّينو» .. يتقصّى أخبار الجزيرة

شكّل تاريخ التواصل بين العرب واليهود في شبه الجزيرة العربية، قبل الإسلام، محلّ عديد الأبحاث، جاء التطرق فيها إلى المسألة من زوايا متنوعة وخلفيات متباينة. اختلطت فيها الرصانة العلمية بالاستنتاجات المتسرعة والمغالية أحياناً. أكان الأمر يتعلق بحضور اليهود في المنطقة أو بتأثيرات التوراة وتراث ما بعد التوراة. المستشرق الإيطالي كارلو ألفونسو نلّينو (1872-1938) أحد هؤلاء الذين أدلوا بدلوهم في المجال، وما زال تأثير مقوله في الاستشراق الإيطالي الحالي بارزاً. إذ ليس عرضاً أن نجد مجمل الدراسات الإيطالية عن الجزيرة العربية قبل الإسلام، تهتدي بهديه وتقتفي أثره، بوصفه نقطة مرجعية في الموضوع. وضمن هذا الإطار، مثّل نلّينو علماً بارزاً لمؤرخي الأدب يفوق ما حازه في أوساط المؤرخين عامة.

إطار حضاري عام
هذا وقد وردت الأبحاث التاريخية لنلّينو عن حقبة الجاهلية ضمن الجزء الثالث من مؤلف «مجموعة الأعمال المنشورة. تاريخ الجزيرة قبل الإسلام» (1941)، وقد تمحورت حول المسائل التالية:
1- بحث مختصر بعنوان «تشكّل القبائل العربية قبل الإسلام» (1893).
2- «اليهود والنصارى في الجزيرة العربية قبل الإسلام»، وهو خلاصة محاضرات أُلقيت في جامعة روما «لاسابيينسا» (1914/‏1915).
3- «اليمن فترة ما قبل الإسلام»، وهي مقدمة لمادة اليمن في الموسوعة الإيطالية (1937).
«الجزيرة العربية قبل الإسلام»، وهي مجموعة نصوص، تولّت جمعها ماريا نلّينو (1937).
حيث تمحورت اهتمامات نلّينو بشأن المسألة الأولى حول البحث عن العناصر الأساسية للبنية السياسية والاجتماعية للعرب في محاولة لفهم عمقها الدلالي، منطلقاً من تحليل شخصية السيد وبيان مدى سلطته، المتميز عن شخصيتيْ الأمير والملك؛ كما تناول مؤسسة المجلس بفرعيه السيادي والرئاسي، الجامع لمختلف زعامات القبائل؛ إضافة إلى تناول شخصية الحَكم، الشبيه بالقاضي، والمنتدب لغرض التحكيم والفصل أثناء نشوب الخلافات والخصومات؛ وكذلك تناول شخصية الكاهن أو الرّائي، الموكل بصياغة أشكال أخرى من الإجابة عن المسائل الشائكة؛ وفي الأخير تمحور اهتمام نلّينو حول مؤسسة القبيلة التي عرض بشأنها عديد الطروحات في ما له صلة بأصولها ومميزاتها، مثل مفهوم النسب وتوقير الأسلاف، مبرزا أشكال الاختلاف بين الشكل القبلي للعشيرة، الذي يستدعي رابطة دموية بين القبائل المنضوية، والتجمع القبلي المستند إلى اتفاقات سياسية.

تقصّي أخبار الذين هادوا
أما المحور الثاني الذي دارت اهتمامات نلّينو حوله، «اليهود والنصارى في شبه الجزيرة قبل الإسلام»، فيستقي حديثه فيه من النص التوراتي، مع إحالة على المكان الغامض «أوفير وذهبه الوفير» (انظر سفر الملوك الأول9: 28 و 10: 11). وذلك ضمن أجواء عصر النبي سليمان وسلطته الحازمة، وزيارة ملكة سبأ بلقيس أورشليم. حيث يستعرض نلّينو سِفر النبي يوئيل الذي يشير فيه إلى الصابئة، غير أن نص السِّفر يوحي أن نلينو ما كان يعتمد التوراة القانونية اليهودية، بل الفولغاتا اللاتينية الشائعة.
في حين يأتي اعتماد نلّينو التلمود وتوظيفه سلبياً، إذ لم يسعفه الحظ للاطلاع على النقائش الجنائزية لبيت شعاريم الواقعة شمال فلسطين، تلك النقائش المدونة بالإغريقية وبخط المسند، والتي تعود إلى يهود حمير حوالي القرن الثالث الميلادي، والتي تم العثور عليها في العام 1936. وبرغم صمت التلمود عن ذلك، نعرف أن الجماعات اليهودية اليمنية لها تاريخ موغل في القدم. نجد نلينو يشير إلى الأخبار العربية عن أصولها القديمة، كما يورد شهادة للمبشر ثيوفيلوس الهندي أيضا تروي عن انتشار اليهودية في اليمن، وعن الجماعات اليهودية الحميرية في منتصف القرن الرابع الميلادي، معرّجاً على بعض الأخبار التي تعود إلى جنوب الجزيرة، ولا سيما حديثه عن ذي النواس، يوسف بن شرحبيل، الذي اعتنق اليهودية بين 517 و 522 رفقة قومه، وقد سجل لنا التاريخ اضطهاده لنصارى نجران. وبشأن تهوّده يبدو نلينو بالغ الحذر، لكنه لا ينفي تواجد حركة تهويد نشيطة في المنطقة.
بالنسبة إلى منطقة الحجاز، يلاحظ نلّينو وفرة القرائن الدالة على حضور اليهود، خصوصاً تلك القرائن المتأتية من المصادر العربية الإسلامية. ومن وجهة نظره، لا تحلّ مراجعة تراث الأحبار المشكلة، وعلى أقصى تقدير يمكن الإقرار بتواجد يهود ناطقين بالعربية في الحجاز إبان مرحلة غلق تدوين المشنا (نهاية القرن الثاني-بداية القرن الثالث الميلاديين). حيث يعتبر نلينو المادة الأسطورية الوافرة، كما الشأن بخصوص اليمن، مستوحاة من كتاب «رحلة بنيامين التطيلي» الأندلسي، الذي نصادف فيه حديثاً عن ركابيي تيماء وآخر بشأن يهود خيبر، يرتبط بأسطورة القبائل اليهودية العشر الضائعة.
يمر نلّينو لاحقاً إلى المصادر الإسلامية، حيث يولي الروايات التي تحدّث عن الجماعات اليهودية المتواجدة وسط الجزيرة أهميةً، وذلك عشية قيام دولة المدينة، لاسيما في خيبر ويثرب والعلا، وهي جماعات إسرائيلية نزلت بالجزيرة زمن الاضطهاد الروماني. وهو الاضطهاد الذي حلّ بفلسطين عقب ثورات 66/‏70م و 132/‏135م. في هذا السياق نجد نلينو يهمل الروايات الواردة في تلمود أورشليم وفي المدراش.
تميّز نص كارلو ألفونسو نلينو بصرامة منهجية من زاوية إيلاء النقائش موضع الصدارة في البحث التاريخي، لا سيما ما تعلق منها بالإخبار عن اللحيانيين والأنباط وقوميْ ثمود ودادان. وضمن هذا السياق لاحظ نلينو تواجد شهادات ذات صلة باليهود في نقائش شمال الجزيرة، توزعت بين البادية السورية ومرتفعات الحجاز، وهو ما تفصح عنه نصوص ذات صلة بالواحات والقلاع العسكرية أو بنقاط التبادل التجاري للقوافل، مثل دادان والعلا ومدائن صالح والحجر وتيماء: يبرز نلينو تواجد حضور عريق لليهود وسط الجزيرة وجنوبها، بين القرنين الأول والثالث الميلاديين، وقد أثبتت ذلك العديد من النقائش اليهودية النبطية، دون افتراض تواجد مملكة يهودية تصل إلى مدين.
يرشح نص نلينو بعديد الإشارات إلى اليهودية العربية قبل الإسلام متجليةً في مصادر «لغة اليهود»، التي لم يتبق منها سوى نزر قليل في الكلام، مع تنوعات آرامية وجدت طريقها نحو لغة القرآن. والملاحظ أننا لا نجد أثراً لتلك اللوامع اللغوية لدى شعراء الجزيرة اليهود طيلة الفترة المتقدمة، خصوصاً في يثرب إبان القرنين السادس والسابع، وعلى سبيل المثال لدى السموأل بن عادياء الأزدي ذائع الصيت. يولي نلّينو التكتل العبراني في الجزيرة فترة ما قبل الإسلام عناية أوفر، لا سيما بشأن موضوع التبشير بالدين اليهودي: حيث يصعب لديه الجزم، على وجه اليقين، بحصول حركة تهوّد في اليمن خلال القرنين الخامس والسادس، حتى وإن توافرت جملة من القرائن والبراهين على ذلك في الروايات الأدبية. يختتم نلينو بحثه بمراجعة المصادر المتعلقة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية للجماعات اليهودية في الحجاز، التي تتوزع بين الأنشطة الزراعية والتجارية والإقراض، مع إقرار في ذلك بتشظي دورهم السياسي.
على سبيل الخلاصة، جلبت نقطتان انتباه الدارس نلينو بشكل خاص:
الأولى: لا تغيب الإشارة من عديد المصادر إلى مختلف الطقوس اليهودية، مثل المباركة، واستعمال التيفيلين، ومراعاة السبت، والإلمام بتعاليم الشريعة. حيث نجد ذكراً لذلك في الشعر الجاهلي وفي القرآن الكريم، في حين يخيم صمت عن مؤسسة البيعة، وإن لم تغب الإشارة إلى «بيت المدراش» أي المدرسة، التي تُلحَق عادة بفضاء البيعة.
والثانية: تتمثل في نقص الشهادات في مصادر الأحبار، بشأن الجماعات اليهودية في الجزيرة العربية وبشأن فقهاء العهد التلمودي ممن عاشوا في جزيرة العرب، أو تعود أصولهم إلى تلك الأرومة. في حين تم إثبات، علاوة على تلك البابلية والفلسطينية، تلك المتواجدة في فضاءات نائية، مثل قرطاج وروما. وإن لم يعلن نلينو بشكل واضح موقفه، فهو يميل إلى فرضية تواجد يهودية غير حبرية، أو لنقل نحلة في وسط الجزيرة القديمة. وفي ما يتعلق بجنوب الجزيرة العربية، يقرّ نلينو بعدم العثور على وثائق تثبت «أن يهود اليمن مثّلوا تياراً رافضاً للتلمود».

عود على بدء
تتعلق المساهمتان الأخيرتان لنلينو بأخبار عامة عن الجزيرة العربية قبل الإسلام. ففي الصفحات المخصصة «لليمن فترة ما قبل الإسلام»، التي ظهرت سنة 1937 في «الموسوعة الإيطالية»، يركّز المستشرق على أهمية اعتماد النقائش لإرساء معرفة صائبة بتاريخ اليمن تخلو من الأساطير، حيث يؤكد على دور ذلك في إحداث مراجعة عميقة للروايات الأدبية المعتمدة سابقاً. فقد سمحت الوثائق بإبراز اهتراء عديد المصادر والأنساب المبنية على المشافهة الزائفة والخرافة، «نسيج من الخرافات يخلو من المصداقية وسلسلة من الملوك الوهميين» على حد تعبيره. جرى تجاوز ذلك بفضل الأبحاث والكشوفات الأثرية والنقائش، سواء في اليمن أو في الفضاء الأثيوبي. في هذه الخلاصة يرسم نلينو الخطوط الرئيسة لإمكانية صياغة تاريخ موثوق عن اليمن، إبان فترة ما قبل الإسلام، بقصد كتابة الوقائع الحقيقية لكبريات ممالك معن وسبأ وحمير وحضرموت وقتبان. تنقص الإشارة إلى التطور المميز لليهودية في هذه الربوع، لا سيما في حمير، بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين، معللا نلّينو ذلك بعدم تطابق المعطيات الأثرية الكلي.
تتمثّل المساهمة الأخيرة لنلّينو بخصوص الحقبة السابقة للإسلام في «نصوص»، وهي كما أسلفنا، تتشكل من مقتطفات محاضرات بشأن «الجزيرة العربية قبل الإسلام». يمكن العثور ضمن محاور تلك الدروس، وبما لا يخلو من التطوير (على سبيل المثال ثمة العديد من الأخبار الإضافية حول تاريخ الرحلات والاكتشافات) على جانب كبير مما تمّ التعرّض له في المساهمات السالفة. جرى فيها توزيع المادة على النحو التالي: وصف مادي للجزيرة العربية مع بيان أثرها في مختلف الحضارات؛ مسألة أصول العرب وأرومتهم؛ مظاهر التطور التاريخي والثقافي والتباين بين الوسط الشمالي للجزيرة وجنوبها، ليتابع نلّينو دراسته حول اليمن والحجاز معتمداً مصادر جرى اختبارها سابقاً (التوراة، النصوص المسمارية، النصوص الكلاسيكية الإغريقية واللاتينية، مصادر المسيحية الشرقية، النقائش). وفي ما يتعلق بالتواشج بين النص التوراتي والقرآن الكريم، لا يبدو أن المساهمات الواردة تتضمن إشارات مباشرة، لكن التطرق إلى المسألة يبدو أنه جرى متناثراً هنا وهناك في نصوص أخرى. على سبيل المثال عندما يشير إلى «سورة الأنبياء»، الآية 105 «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون»، فهو يستخلص أن فيها إشارة إلى مزامير داود، وهو السفر التوراتي الوحيد الذي يُرجّح إطلاع النبي محمد (ص) عليه مباشرة.
يمكن الإقرار عبر هذه الحوصلة أن نلّينو، رغم ما تخلل رؤيته من وهن، فالرجل على إلمام عميق بالمصادر، إضافة إلى قدرة لديه على إثارة القضايا ومناقشتها من منظور نقدي ولو بشكل مختصر، وبمنهج تحليلي حذر وبحياد علمي؛ وهي ميزات ينبغي توظيفها في مختلف الدراسات والمناقشات حول الجزيرة العربية عامة وليس بشأن تاريخ المنطقة القديم فحسب.

نلّينو.. وحقبة الجاهلية
وردت الأبحاث التاريخية لنلّينو عن حقبة الجاهلية ضمن الجزء الثالث من مؤلف «مجموعة الأعمال المنشورة. تاريخ الجزيرة قبل الإسلام» (1941)، وقد تمحورت حول المسائل التالية:
1- بحث مختصر بعنوان «تشكّل القبائل العربية قبل الإسلام» (1893).
2- «اليهود والنصارى في الجزيرة العربية قبل الإسلام»، وهو خلاصة محاضرات أُلقيت في جامعة روما «لاسابيينسا» (1914/‏1915).
3- «اليمن فترة ما قبل الإسلام»، وهي مقدمة لمادة اليمن في الموسوعة الإيطالية (1937).
«الجزيرة العربية قبل الإسلام»، وهي مجموعة نصوص، تولّت جمعها ماريا نلّينو (1937).

اقرأ أيضا