الاتحاد

الملحق الثقافي

حوار بين السجين.. والسجّان

يتميز تاريخ اليسار التونسي في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بأنه طويل وثري، فقد ظهرت منذ بداية الستينيات في الجامعة التونسية مجموعات وتكتلات يسارية ناضلت من أجل المبادئ التي تؤمن بها، وقد تمت محاكمة وسجن الكثير من اليساريين ومنهم من قضى سنوات طويلة في المعتقل، وبعضهم ـ وهم قلة ـ أدلوا بشهاداتهم عن تلك الفترة ودونوها في كتب أو سجلوها في أشرطة سينمائية مثلما فعل المخرج النوري بوزيد، وهذه الأيام صدر كتاب لفتحي بن الحاج يحي يروي فيه تجربته في السجن، وقد اختار لكتابه تعبيرا شعبيا تونسيا بليغا ومتداولا بين الناس: “الحبس كذاب والحي يروح” ومعناه أن السجين مهما طال اعتقاله فإنه في النهاية يخرج من السجن ويعود الى بيته، وأردف المؤلف هذا التعبير الشعبي بالقول إن الكتاب هو ورقات من دفاتر اليسار في الزمن البورقيبي.

اللقاء العجيب
ومن أغرب ما تضمنه الكتاب القصة الكاملة التي رواها المؤلف عن اللقاء الذي جمعه وبعض رفاقه من المساجين السياسيين بالرئيس الحبيب بورقيبة في مكتبه بقصر قرطاج. ويصف المؤلف تفاصيل تلك الجلسة ويقول، انه تم اقتيادهم إلى القصر الرّئاسيّ بقرطاج لمقابلة طال التّفاوض فيها مع مدير الأمن الوطنيّ، الّذي زارهم في السّجن المدني بتونس المعروف بـ 9 أفريل (وهو سجن أزيل اليوم)، كما انهم (أي الأربعة مساجين سياسيين) التقوا أيضا مع وزير الدّاخليّة، إدريس قيقة، في مكتبه للتفاوض حول الجلسة المرتقبة مع الرئيس التونسي. ويجزم المؤلف بأنه لا يعلم إلى حدّ اليوم، وبعد انقضاء سبع وعشرين سنة على الحدث، سبب اختيارهم بالذّات لهذا اللقاء رغم أن عدد رفاقهم المسجونين معهم في نفس القضية عددهم أربعة عشر نفرا.
ويروي تفاصيل اللقاء غير المعتاد بين رئيس دولة ومجموعة من الشباب اليساري المحكوم عليهم بالسجن بسبب مواقفهم، فقد استقبلتهم وسيلة بورقيبة (زوجة الرئيس) في مدخل القصر، وبادرتهم بالتّرحيب وكأنّها تستقبل عرسانا شبّانا، جاؤوا لخطبتها في بناتها أو بعض قريباتها ـ على حد تعبير الكاتب ـ فأسقطت كلّ تكلّف المراسم، وأخذت تحدّثهم عن إعجابها بوسامتهم وثقافتهم، وقالت لهم إنّه من المفروض أن يكونوا مسؤولين كبارا في الدّولة، ووعدتهم بأنّها ستزوّجهم أجمل البنات، ويتساءل المؤلف إن كان هذا الأسلوب لدى زوجة الرئيس بفعل ثقافتها المجتمعيّة الصّالونيّة الواسعة، أو لطبعها المرح، أو لحنكة سياسيّة في تمهيد نفسيّاتهم للأخذ بخاطرها في حالة إذا ما غضب الرئيس. وقالت لهم صراحة وبأريحيّة لا لبس فيها: “سي الحبيب بمثابة أبيكم، لا يهمّ إن تجاوز حدود اللّياقة، لا تدعوا الأمر يحزّ في نفوسكم، إكراما لي، إنّه سيطلق سراحكم”..

قدّموا لهم عصيرا ولا أحد شرب رغم ما تقتضيه أصول الضيافة.
دخلوا مكتب الرئيس فأصبح مكتظّا بهم، وبالوزراء، وبأعوان الأمن المقرّبين، حوالي الأربعين نفرا، أو أقل أو أكثر، ودخل بورقيبة. كان ـ كما يصفه المؤلف ـ قصير القامة، يتقدّم نحوهم بشيء من الصّعوبة لكن دون عناء ظاهر. اتّجهت إليه وسيلة لتسنده وتستبق الأمور. قالت له: “هؤلاء أولادك، أليس كذلك؟”. فرفع يديه كما يفعل في خطبه، وهو يتمعّن في وجوههم قائلا: “دعوني أنظر إليهم، ها إنّهم وسيمون تبارك الله، ليسوا على شاكلة أولئك الأوباش من جماعة “قفصة” ماذا فعلوا لكم حتّى تودعوهم السّجن؟”. (وكانت أحداث “قفصة” لا تزال ماثلة في ذهنه بعد بضعة أشهر من حدوثها).
ويؤكد المؤلف معلقا على هذا الموقف انه كان يعلم الكثير عن قدرات بورقيبة المسرحيّة وعن دهائه السّياسيّ ويتساءل إن كان رجلا صادقا فيما يقول، أو كان يرتجل حديثه، أو هو يستحضر دورا تدرّب عليه ولو قليلا. مضيفا: “هكذا كان بورقيبة يمثّل إلى حدّ الإقناع التّام دور بورقيبة، وهي حالة تعرّض لها علم النّفس التّحليلي ولها اسمها ومواصفاتها وعلاماتها وعوارضها”.
قال لهم إنّه يعلم انهم شيوعيّون وإنّه يعرف عن الشّيوعيّة أشياء يجهلونها هم. وحكى عن اختلافه مع الشيوعيين منذ فترة المقاومة، ثمّ انتباهته لحظة عاطفة ولين وهو يقول: “وها إنّكم بعد أن علّمتكم تريدون تنحيتي ولو لم أعلّمكم في المدارس لكنتم اليوم لا تزالون رعاة غنم”.

اعتراف وقرف
يقول المؤلف: “بعض من أصدقائي الّذين أتحدّث معهم عن تجربة شبابنا ضمن اليسار الماركسيّ لا يفهمون أن أكون معتزّا إلى هذا الحدّ بهذه بالتجربة وأنا في نفس الوقت أقف منها مسافة التّحليل الموضوعيّ والعقلانيّ واللاّزم، ولا يفهمون أكثر عندما أقول من باب المزاح الجدّي أنّ التّاريخ لو عاد نفسه فسأفعل نفس أفعالي السّابقة ولن أشعر بأيّ ندم أو تأنيب ضمير أو شيء من قبيل عقدة الذّنب”. ولا يخف المؤلف قرفه من تصرّفات رفاق كانوا معهم في سنوات النّضال ثمّ دارت الأيّام ليلتحقوا بصفوف الحزب الحاكم ويعيدوا تأليف التّاريخ بما يتناسب مع مواقعهم الجديدة.
ويعترف المؤلف انه ورفاقه كانوا وبورقيبة على نفس الأفق الحداثي ولا تبتعد كثيرا رؤيتهم عن رؤية أمّهات المرجعيّات الثّقافيّة والحضاريّة كالموقف من القوميّة العربيّة، ومن الفكر الدّيني في سعيه إلى إسناد التّشريع إلى الشّرع، ومن حرّيّة المرأة وفي استبعاده للجيش عن الشّأن السّياسي، ومن قضيّة فلسطين... وأنّ التّصادم وقع أساسا في المستوى السّياسيّ أي مع مفهوم بورقيبة لدور الدّولة في بناء المجتمع والذّهنيّة الجماعيّة، ومفهومه لدوره الشّخصيّ داخل الدّولة، وتصوّره لما سمّاه بـ”الجهاد الأكبر”، وهي تسمية لا تخلو ـ كما يشرح المؤلف ـ من وجاهة في قطعها الطّريق أمام الرّؤى السّلفيّة التّقليديّة أو القوميّة المغرقة لقضايا التّنمية والواقعيّة السّياسيّة في غيبيّات المشاعر العرقيّة القوميّة وفي فيض الشّعارات والأوهام الكبرى، ولكنّها تسميّة تحمل أكثر من معنى في قطعها الطّريق أيضا أمام فتح المجال للحرّيات العامّة واختيار الدّيمقراطيّة منهج حكم وثقافة، إذ الجهاد لا يحتمل ترف الانحلال “الدّيمقراطي” ولا يحتمل في ذهن بورقيبة أن تتحوّل البلاد إلى “برج بابل”.
ويعلق المؤلف في هذا السياق قائلا: “لست أدري إلى أيّ مدى كان بورقيبة واعيا بأنّه يساري وقتها، من حيث الانخراط في الرّؤية الحداثيّة، كان في الحقيقة أقرب إلى اليسار من بعض مقرّبيه ومن مئات الآلاف من المنخرطين في حزبه الّذين عابوا عليه فعلته المثقّلة رمزيّة يوم شرب كأس ماء في شهر رمضان، ليرسل بإشارة سرعان ما تحوّلت ضد ما أرادها لها من معان”.

اقرأ أيضا