صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

سلطان العميمي: الكتابة تلصُّصٌّ على الذات والآخر

من برنامج شاعر المليون (أرشيفية)

من برنامج شاعر المليون (أرشيفية)

فاطمة عطفة أبوظبي (الاتحاد الثقافي)

لا بد لكل مبدع، في أي مجال من مجالات الإبداع الفني أو الفكري، من بدايةٍ تتفتح فيها موهبته وتعمل على تنمية هوايته، لكن الكتابة الأدبية تحتاج إلى محبة اللغة، وامتلاك أدواتها التعبيرية، وكان هذا منطلق الحوار مع الشاعر والباحث سلطان العميمي الذي فتح لـ«الاتحاد الثقافي» تفاصيل ذاكرته، وما تحمله من مواقف ومشاهد أثرت في تكوينه الفكري والإبداعي، وما يتبناه من رؤى وأفكار حول قضايا الثقافة والإبداع في المشهد الإماراتي.. كما تحدث عن علاقته بالمكان وأثره على الكتابة، وعن إبداع المرأة الإماراتية، ومشروعاته البحثية في التراث الشفاهي الإماراتي، لا سيما الشعر النبطي، ورواياته ومشروعاته المستقبلية في هذا الحوار.

عن اللغة العربية ومدى محبته لها، وكيف كانت الخطوات الأولى في كتابة الشعر والرواية عنده، يقول العميمي: «حب اللغة العربية عندي، ومحبة الأدب بشكل عام، بدأ منذ المرحلة الابتدائية. كانت اللغة العربية من المواد التي أحبها وأميل إليها دائماً وكنت متفوقاً في هذه المادة. مما لفت انتباه المدرسين بحيث أخذوا يشجعونني دائماً، وهذا، بدوره عمَّق حبي للقراءة والكتابة. وكانت مادة التعبير عندي من أكثر المواد التي أجد نفسي منطلقاً فيها وأحصل على درجات عالية فيها».

زايد.. المعلم
يذكر العميمي أن الكتاب كان صديقه منذ الطفولة المبكرة، ويؤكد أن المدرسة كان لها دور كبير في هذا الجانب، مشيراً إلى أنه كان في الصف الخامس يوم نظمت المدرسة أول رحلة إلى معرض الكتاب. يقول: «بالنسبة لي كان معرض الكتاب في تلك الزيارة حدثاً كبيراً في حياتي، ازداد ارتباطي بالكتاب وعالم الكتب. من يومها إلى اليوم، ما يقارب ثلاثين سنة، لم أتغيب سنة عن معرض الكتاب». ويعرّج د. العميمي في حديثه على المرحلة الثانوية، حيث كان يوجد تشجيع أكبر، متحدثاً عن مشاركته في أكثر من مسابقة أدبية على مستوى الدولة والمنطقة، واحدة على مستوى القصة، وأخرى رسالة إلى الشيخ زايد، وكانت عن الزراعة وأهميتها، يقول: «وقد فوجئنا وقتها بطلب الشيخ زايد مقابلة كل الفائزين في كل المراكز. كنت وقتها في الثاني الثانوي. لقد تشرفت بمقابلته والاستماع إلى حديثه عن أهمية الزراعة ومدى اهتمامه بالتنمية الزراعية في الإمارات».
وتابع حديثه بافتخار عن الصفات العظيمة التي كان يمتلكها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قائلاً: «لا شك أن الشيخ زايد رجل توعية، ومفكر، وشخصية ذات تأثير في حياتنا في مختلف الجوانب. كان داعماً لمختلف مشاريع النهضة والتنمية في الدولة، تنمية الإنسان والأسرة والمجتمع، والتنمية الحضارية، نجده في المدارس، وفي المصانع، وفي المناطق الزراعية، وفي مناطق العمران والفعاليات الثقافية والمهرجانات التراثية كان موجوداً، وكانت هناك متابعة شخصية دائمة منه. أن يطلب الشيخ زايد مقابلة طلاب مدارس ويكرمهم، بالنسبة لنا كان هذا شيئاً يفوق ما كنا نتوقعه أو نحصل عليه، هذا كان لنا الفوز الأكبر، أن يعطينا من وقته ويقابلنا ويتحدث معنا في تلك المرحلة العمرية كرجال، شعرنا بأننا كشباب لنا دور، حملنا مسؤولية مبكرة، المشاركة في عملية الكتابة والبحث والكلام الذي حدثنا به كان له دافع كبير في تلك المراحلة، وإلى اليوم أتذكر هذه اللحظة كأنها حلم جميل. هذا الاهتمام بالطالب في تلك المرحلة هو اهتمام بالإنسان، بغض النظر عن المرحلة العمرية، ويحمل فكراً عظيماً لشخص يمتلك رؤية يزرعها في هذا الجيل. أعتقد أن ما عمله وقتها الشيخ زايد هو أنه لقّننا درساً، وكان الدرس لكل مقيم في هذا الوطن، لأن الفائزين كانوا طلاباً إماراتيين وغير إماراتيين، أي شخص في هذا الوطن يبني، يضع حجر بناء في المجتمع، وفي مختلف الجوانب، يشارك في الثقافة والزارعة والإعلام والتربية والتعليم. كان لهذا الحدث دوره في صياغة رؤيتي لكل شيء، وتركت كل هذه الأحداث تأثيرها في داخلي».

أنا والأدب وصاحبة الجلالة
ويتواصل حديث الذكريات مشرقاً مع سلطان العميمي لينتقل إلى المرحلة الجامعية: «في هذه المرحلة كنت أطمح أن أدرس تخصصاً يناسب موهبتي في الكتابة ويحقق لي الدخل المناسب في الوقت نفسه، كنت أنوي دراسة اللغة العربية.. لكنني لاحظت أن من دخلوا هذا المجال كان الإطار ضيقا جداً أمامهم، كما لاحظت أن كثيرين من المبدعين في عالم الأدب والكتابة لم يلتحقوا بالدراسة في الجامعة وكليات الأدب، فقررت أن أتخصص إدارة وأطور نفسي في مجال الأدب والكتابة. وهكذا، بمجرد تخرجي في الجامعة كانت عندي رغبة أن أحصل على خبرة إعلامية في الصحافة والبحث، فالتحقت بصحيفة (الخليج) وقبلت العمل في القسم الرياضي فقط لأكتسب مهارات العمل الصحفي، وفي نفس الوقت أدخل عالم الصحافة والكتابة، ومن القسم الرياضي إلى القسم الثقافي أيضاً حيث أُتيح لي أن أكتب زاوية أسبوعية، كما بدأت العمل في الكتابة الأدبية عن حياة الشاعر سالم الجبري وقصائده».
وأضاف «أفتخر أن انطلاقتي كانت من الثقافة المحلية والشعبية، لأنها فتحت لي آفاقاً جديدة، وكانت هي الباب الذي دخلت من خلاله إلى عوالم الأدب بعمق في مختلف تخصصاته، أعني من الثقافة المحلية دخلتُ الثقافات العالمية سواء الشعبية أو الأدب العالمي، وتعمقتُ في اللغة العربية والمعاجم اللغوية، لأني كنت أبحث فيها عن المفردات المحلية، واطلعت على كثير من القصائد النبطية، ووجدت فيها عدداً كبيراً من المفردات القديمة، الكلمات الموغلة في القدم لا توجد لها كتب تفسرها. المعجم الوحيد الذي كان موجوداً في تلك الفترة هو المعجم الذي وضعه الباحث فالح حنظل، وهو معجم جيد في وقته، ولكنه لا يغطي كل اللهجة الإماراتية. وجدت أن عندي كمّاً كبيراً من المفردات غير مذكورة في المعاجم، فبدأت أبحث عن معانيها فوجدت أن هناك علاقة كبيرة بين اللهجة الإماراتية واللغة العربية الفصحى، فدخلت في معاجم اللغة العربية ومنها قررت أن أبدأ في جمع معجم اللهجة الإماراتية».
ويسترجع العميمي مسيرته في هذا المجال، موضحاً: «هذا المعجم، الذي أعمل عليه منذ 11 سنة، كان بوابة لمشروع أعمل عليه في الثقافة المحلية، وهو مشروع متكامل يرتبط بالمفردة الإماراتية وبالقصيدة النبطية الإماراتية، والثقافة الشعبية في الإمارات في مختلف جوانب الحياة». ويفصّل: «عندي الآن في هذا المشروع مجموعة من المشاريع الصغيرة التي أعمل عليها في نفس الوقت، وهذه قد تأخذ مني سنوات ولكنني صابر عليها، وهي في شكل قواميس ودراسات وأبحاث، وكتب مختصة».

تواصُل الأجيال
وعن التواصل بين الشباب وجيل الرواد من الكتاب قال: أنا جئت في مرحلة وسط بين الجيل الرائد والجيل الشاب، للأسف هناك فجوة بين الجيلين، نحن لسنا طرفاً فيها بل نحن أيضاً نعاني من هذه الفجوة مع الرواد الذين سبقونا. بعض الرواد لا يكتب عن الجيل الشاب وحتى لا يبدي الاعتراف به، مكتفياً بالكتابة عن تجربته. وهذا ما خلق فجوة بين الجيلين. وعندما تسألين أي كاتب: هل قرأت لفلان؟ يقول لك: لا، لم أقرأ.
من هنا، يحمِّل العميمي الطرفين مسؤولية هذا الانقطاع، لأن الجيل الرائد منقطع عن هذا الشباب فلا يقرأ ما يكتب الشباب ولا يحضر فعاليات ثقافية لهم ولا يجدون منه التشجيع الضروري، وبالتالي لا نتوقع من الجيل الشاب أن يبادر، خصوصاً أن الفرق بين الجيلين في الاطلاع على المعلومة اختلف: كان الأول يبحث عن المعلومة، الآن المعلومة هي التي تأتي لمن يبحث عنها بسهولة.

المكان.. والمكتبة
للمكان والجو المحيط بالمبدع دور مهم في إبداعه، ربما لا يقل عن دور القراءة والكتابة، فما هي الأماكن التي ارتادها الروائي سلطان العميمي واستلهم منها بعض أعماله، خصوصاً أن العاصمة تشهد تطورات كبيرة، سواء في أبوظبي أو العين وغيرهما، سألناه، فأجاب: «علاقتي بالمكان حِسية أكثر منها بصرية، لست ممن يحبون تغيير الأماكن أو يستهويهم السهر كثيراً، لكني متعلق بالأماكن التي تُشبع ذاتي وأجد فيها تواصلاً، وأقصد هنا المراكز الثقافية والمكتبات، سواء المكتبات العامة أو التجارية. عندما أسافر إلى أي دولة، لا بد أن أبحث عن المكتبة. بالنسبة لي، إذا ما زرت مكتبة، أعتبر نفسي ما سافرت. ربما تندهشين إذا قلت لك بأنني أحفظ المكتبات في الدول العربية وشوارعها في هذه المدن. وفي الإمارات، يشكل المجمع الثقافي لي ذاكرة شخصية وثقافية منذ أكثر من عشرين سنة، ومعارض الكتب في الشارقة وأبوظبي أيضاً تشكل جزءاً من ذاكرتي، مكتبة زايد في جامعة العين، أربع سنوات ونصف السنة كنت أرتادها أسبوعياً، هذه المكتبة كانت أول فضاء معلوماتي وورقي أحلق فيه بعيداً عن مجال الدراسة. كانت بالنسبة لي عالماً من المتعة الاستثنائية، حيث أجد هذا الكم من الكتب بمختلف التخصصات، حتى أيام الجامعة كنت أمضيها بين السكن والمكتبة وقاعات الدراسة».
وانتقل الروائي العميمي من الدراسة إلى العمل قائلاً «العمل بالنسبة لي حميميّ جداً، لأني أقضي فيه ساعات في البحث والكتابة، بعض المقاهي الثقافية أيضاً أرتبط بها، علاقتي بالمكان قوية جداً خصوصاً الأماكن القديمة، فأنا أرتبط بها بشكل كبير، وأفضل أن أبتعد عن زحمة المدينة للقراءة، كان يستهويني المجمع الثقافي، اليوم البحر أحياناً، حسب الأجواء المناسبة للجلسة».

الشِّعر النِّبطي
نرجع مع الأديب الباحث في الشعر النبطي لنعرف أكثر عن هذا الشعر، فنبدأ بتسمية «النبطي» من أين جاءت؟ بالإضافة إلى اهتمام دولة الإمارات بإحياء هذا الشعر عبر برنامج «شاعر المليون» وغيره من الندوات الشعرية التي تهتم بهذا التراث.
يوضح العميمي أن تسمية الشعر النبطي مختلَف عليها، لا يوجد هناك تفسير يُجزم بصحته كلياً، إنما هي تأويلات لكنه يعتقد أن «التسمية جاءت من كلمة نبطي، وأنها تتصل بمن كانوا يتحدثون العربية دون الالتزام بقواعدها اللغوية من غير العرب، وبما أن الشعر النبطي لا يلتزم بقواعد الفصحى من النحو والصرف، أعتقد أن التسمية ارتبطت بهؤلاء بحيث يختلف عن الشعر الفصيح، كله شعر عمودي لكن يختلف عنه بعدم الالتزام بقواعد اللغة، الغالب أن التسمية جاءت من هنا».
وعن الشعر النبطي في الخليج، والإمارات بالذات، أوضح العميمي أن أول شاعر في الإمارات هو الماجدي بن ظاهر الذي توفي سنة 1700 تقريباً. هناك طبعاً شعراء آخرون، لكن لم يصلنا شيء من أشعارهم، هذا على الصعيد الرسمي لكن على الصعيد الشعبي والمحلي نجد أن ذاكرة الشعر النبطي في الإمارات تتصل بالسيرة الهلالية، فتنسب قصائد نبطية إلى شعراء من بني هلال، وإلى شخوص في السيرة الهلالية تُنسب إليهم قصائد إماراتية باللهجة الإماراتية، وإن كان في أوزان شعرية قديمة، هذا هو التاريخ غير الرسمي للشعر النبطي في الإمارات. طبعاً السيرة الهلالية تُروى في كل دولة عربية باللهجة المحكية فيها. في الإمارات ترتبط القصيدة النبطية من خلال مفرداتها بالتاريخ غير الرسمي لها، لكن السيرة الرسمية من خلال شعر بن ظاهر، تشكل القصيدة النبطية عند الرجل مكانة عالية وعند المرأة أيضاً حيث انطلقا في فترة متقاربة.
أما اهتمام الدولة بالشعر النبطي فالسبب، في رأي الباحث، يعود إلى أكثر من 300 سنة حيث كانت القيمة الاعتبارية لهذا الشعر في الثقافة المحلية وفي تشكيل الهوية الإماراتية، وهو يلعب دوراً مهماً في التعريف بأحداث المنطقة، وتوثيق اللهجة الإماراتية. خلال هذه القرون الثلاثة، مرَّت القصيدة النبطية والشعر النبطي بمجموعة من المراحل، بدءاً من مرحلة الشفاه مروراً بمرحلة التدوين في المخطوطات، ثم مرحلة الطباعة ونشر الدواوين، ليصل إلى وسائل الإعلام الحديثة في التليفزيون والإذاعة، ثم انتقل إلى مرحلة المسابقات مثل «شاعر المليون».
واعتبر العميمي أن هذه كانت مرحلة جديدة في تاريخ الشعر النبطي، ليس في الإمارات فقط ولكن في العالم العربي كله، لأن البادية العربية صارت تتحدث بالشعر النبطي. كانت مرحلة مهمة شكلت وجهاً جديداً للشعر النبطي، وأوصلته إلى مستويات من الانتشار لم تحدث في تاريخه أبداً حيث وصل إلى كل قارات العالم من خلال برنامج «شاعر المليون» والاهتمام الإعلامي في المسابقة. وهذا عزز من مكانة أبوظبي ثقافياً، وأظهر قدرتها على التعامل مع هذه المادة المحلية والشعبية والإرث العربي بصورة عصرية وحداثية، دون إفقاده هويته، إضافة إلى إظهار تجارب شعرية جديدة في الإمارات.

جائزة الشيخ زايد للكتاب
وننتقل بالحوار إلى «جائزة الشيخ زايد للكتاب» والأهمية العربية والعالمية التي نالتها، وكيف ينظر أدباء الإمارات إلى تأثيراتها في المجال الثقافي العربي والعالمي، والتطور الذي حدث عليها، ومتابعتها سنوياً، وبما تحققه من عمل جاد ومتقن سواء من لجان التحكيم أو العلاقة والتواصل مع الشخصيات التي حصلت على الجائزة، يقول د. سلطان: «جائزة الشيخ زايد للكتاب منذ أن انطلقت وهي تعمل وفق آلية احترافية عالمية، من حيث لجان التحكيم وفعاليات الفرز، ومن حيث الاختيارات التي تمت، ومن حيث نطاقها الذي تغطيه سواء على صعيد المجالات التي تعطي فيها الجوائز والتكريم أو على صعيد التواصل مع الحضارات الأخرى. عندما أنشئت الجائزة لقيت صدى عالمياً ومحلياً، هذا أشعرنا بالفخر بوجود جائزة ذات ثقل بهذا الحجم، ثقل عالمي على صعيد الأدب والثقافة والتواصل الإنساني والأدبي والحضاري، كذلك أشعرنا أن الإمارات صارت مركزاً من مراكز النور والإشعاع الأدبي والثقافي والإنساني في العالم. ونحن أيضاً ككتاب يحمّلنا أيضاً المسؤولية، نحن مسؤولون عما ننتجه أيضاً من أدب وفكر وما نتعاطى به مع الثقافات العالمية الأخرى، مثلما وصلت هذه الجائزة إلى الآخر يجب أن نصل نحن أيضاً إلى الآخر على الصعيد الشخصي، وعلى الصعيد الاطلاعي والقرائي. الجائزة أيضاً فتحت لنا نوافذ للتعرف على ثقافات الحضارات الإنسانية والأدبية من خلال الأسماء التي تقدمها سنوياً وتكرمها، ومن خلال الكتب التي تقدمها وتصدرها. الجائزة أحدثت تغيراً كبيراً في شخصية المثقف الإماراتي، ونجد سنوياً حرصاً من المثقف الإماراتي على حضور حفل الجائزة، وفي متابعة الأعمال التي تصدر عنها. ومما لا شك فيه، أن لهذا النشاط الثقافي، وهذا الزخم من المسابقات والجوائز والفعاليات الثقافية، تأثيره الكبير على الكاتب، وعلى القارئ الإماراتي».

موقع المرأة
قبل بناء دولة الإمارات وبعدها موقع المرأة الإماراتية يختلف عن باقي دول الخليج، فهي تمتاز بأن لها حضورها وتأثيرها المهم في كل أمور الحياة، لكن في الشعر والتشكيل الفني أثبتت تميزها اللافت في مجالات إبداعية وجمالية عديدة منهما، وهناك شاعرات وأديبات وتشكيليات يشار إليهن بالبنان، هل يعود ذلك لما أولاه المجتمع والقيادة السياسة لها؟
وأكد العميمي «أولاً المرأة الإماراتية لو تسنّى لها أو توافرت في الماضي عناصر الإبداع المتوافرة حالياً لوجدنا أنها كانت تنطلق في نجاح مماثل لما تنطلق فيه وتحققه الآن. بالنسبة إليَّ، المرأة الإماراتية مارست الفن التشكيلي في الماضي من خلال التطريز، ومارست الفن التشكيلي من خلال القصيدة النبطية. عندما أقرأ وأسمع لشاعرة توفيت في ثلاثينيات القرن الماضي، أرى أمامي لوحة تشكيلية تتحرك، مما يدل على وجود مواهب موجودة عندها مثل عوشة بنت شملان، شاعرة كانت تعمل في السقاية، بصورة رسمية، هذه الشاعرة لها قصائد تتحدث فيها عن أهلها وصديقاتها، كانوا يروحون المقيظ وهي تظل تعمل، تتحدث عن أجواء المقيظ وتتمنى لو كانت معهم، ترسم صورة القمر تنعكس في ظل مياه الغدران في الليالي المقمرة، تتحدث عن رائحة الزهر في الأماكن التي تمر عليها، لما تسمعين شعرها تلمسين هذه القدرة والتخيل على الرسم من خلال القصائد».
ويتابع العميمي مراحل إبداع المرأة باستفاضة: «توجد لدى المرأة الإماراتية بذور لهذه المواهب، الجينات موجودة فيها، وبعدما قامت الدولة في إطارها السياسي الحديث وصار لدينا اهتمام مبكر بالمدارس في الرسم والموسيقى وبقية الفنون، انطلقت المرأة الإماراتية بقوة في بروز هذا النجاح الذي يقوم على عاملين: الأول؛ تشجيع الرسم والفنون من خلال اهتمام القيادة بالمدارس وبعدها الجامعات، والثاني؛ من خلال الوعي المجتمعي الموجود عند الأهالي وتقبل هذه الأشياء. والآن نجد المعارض الفنية التي تقام عندنا، نجد حضوراً لافتاً لمواهب شابة في قمة الإبداع، وهناك تقدير عالٍ لفنانين وفنانات تشكيليين في الإمارات، مثل الفنانة نجاة مكي، وعزة القبيسي، وخلود الجابري، وغيرهن كثيرات وجميعهن يلقين تقديراً من الدولة ومن المجتمع».

أعمال الكاتب
ولأن الحوار مع الكاتب والروائي سلطان العميمي له شجون عديدة لما يملك من ثقافة واسعة، كان علينا أن نلتفت إلى بعض أعماله الأدبية العديدة، وكانت البداية من رواية «ص. ب: 1003» الصادرة بطبعتها الرابعة عن دار الثقافة للنشر والتوزيع في الإمارات، وكيف استطاع الكاتب أن يجعل من صندوق البريد والرسائل الملقاة فيه، وحتى المكان وكيس الرسائل، شخصيات تزخر بالحياة والعمل، ثم موقف الكاتب من تصرفات هؤلاء الأشخاص؟ يقول العميمي: «أولاً، إنطاق الجمادات أو تعدد الأصوات في الرواية بالنسبة إليَّ هذه التقنية غير جديدة، فلو رجعنا للشعر النبطي، نرى أن آباءنا الشعراء القدامى في قصائدهم النبطية استنطقوا الجمادات، وكانوا يخاطبون الجمادات والحيوانات ويتحدثون على ألسنتهم أيضاً. هذا كان يشكل لي جانباً لافتاً للنظر والتأمل، كيف البدوي أحياناً يعطي الحياة للجمادات كالعصا، أو الجبل، أو البيت، أو البئر، يحثه ويرد عليه ويعطيه دوراً، أو جمله أو طيره أو الريح، هناك أنسنة، وهذه الأنسنة ممتعة جداً، في بناء العمل الفني بأن تخلق وتتقمص شخصياتهم وتعطيهم عواطف، وتتعاطف معهم وتكرههم أحياناً، وتدخل معهم في صراع أحياناً، أي يخلق صراعاً بينهم وبين الآخر أو بين شيئين جامدين، هذا كله من الحياة ومما تعلمناه من التراث».
ويتابع العميمي موضحاً: «شخصيات الرواية فيها قدر من الإبداع، لكن لما تتوفر العناصر لكتابة رواية أو قصة، هذه كان لها تأثير حتى في كتابة هذه الرواية واستنطاق الجمادات»، مضيفاً: «كما أحببت أن أعطي جوانب أخرى للحياة في العناصر المحيطة بأحداث الرواية، وإعطاء أو تصوير مشاهد لزوايا غير النظر للزاوية التي نحن معتادون النظر من خلالها، أما شكل البطلين في الأخير فكان لهما عندي في السيناريو أكثر من جانب. أولاً: مدى تأثير الأشكال الخارجية في علاقتنا بالآخر، وأذكر في رواية (الأعمى) لجزيل كرمان، بعد أن أُصيب أهل المدينة بالعمى وحدثت علاقة حب بين شخص أسمر وبين فتاة شقراء، هذه العلاقة تمت من دون أن يرى أحدهما الآخر، الأسمر في إحدى سهراته معها يقول: أتمنى أن لا نعود للرؤية والنظر، تسأله لماذا؟ قال: لأننا نتقبل بعضنا أكثر مما لو كنا نرى بعضنا، هذا جانب. وثانياً: مدى تأثر مبادئنا وقيمنا برغباتنا وتأثرها بذائقتنا وتأثرها بمصالحنا. أيضاً أنا كنت أريد أن أعطي صورة مفاجئة، لأنني طوال الرواية لم أعطِ صورة لملامح الشخصيتين، لكني دعوت القارئ ليصنع شخصية في باله، جعلته شريكاً في تخيل الأبطال، ثم في الأخير نسفت الصورة التي يمكن أن تكون موجودة عنده، ويمكن تكون صورة إيجابية، وأنا أحب أن أصدم القارئ في أعمالي، هذا بشكل عام. بالقصة القصيرة وفي رواياتي، أحب أن أسبب صدمة في النهاية.

نزعة الفضول
وعن رواية «غرفة واحدة لا تكفي» قال الكاتب العميمي إن أكثر من فلسفة موجودة في الرواية، وتساءل: «علاقتنا بالآخر، وعلاقتنا مع أنفسنا، ومع العالم الذي نحن نعيش فيه.. ممّ تنطلق هذه العلاقة؟ وعلى أي أساس تقوم هذه العلاقة؟ أنا أرى أن علاقتنا تنطلق من الفضول، كل علاقة مع الآخر تنطلق من الفضول، التعرف على الآخرين، الاقتراب منهم، قراءتنا للصحف أو الكتب، ومشاهدتنا للتليفزيون، كلها تقوم على ماذا؟ فضول لمعرفة علم جديد وشيء جديد، وأحياناً لمعرفة أشياء شخصية. المسألة تقوم على الفضول، ومن جانب آخر التجسس على أنفسنا أو على الآخر لنعرف أخباره. أنا عندما أقرأ كتاباً أتجسس على فكر الكاتب، والكاتب عندما يكتب كتاباً هو يجعلني أتجسس على فكره من خلال الكتاب الذي يكتبه. حياتنا كلها من هذه النوافذ. ثقب الباب إلى ماذا يرمز؟ الكتاب الذي كان يكتبه والشخصيات التي يتعامل معها في الرواية، كلها تقوم على فضول ورصد لمعرفة الآخر. نحن أحياناً نرغب في البحث عن ذاتنا، لكن ننسى ذاتنا أحياناً، البطل في الرواية كان يحاول أن يغوص في ذاته أحيانا، يحاول أن يفصل نفسه أحيانا، ويتساءل الكاتب كم صوتاً في الرواية؟ هناك عدة أصوات، كل شخص يتلصص على الشخص الآخر. عالم لا نهائي من التلصص، ومن الرواية، ومن الحكاية حكايات لا تنتهي. مَن يكتب؟ عمّن يتحدث الكاتب؟ مَن يصنع الروايات في هذا العمل الروائي: «التلصص»! وعن الأعمال المقبلة للروائي سلطان العميمي، أكد أن لديه مشروع رواية لكنه متأخر بعض الشيء، وهو يعمل حالياً على أعمال بحثية توثيقية، إضافةً إلى مشروع كتاب متعلق بالثقافة المحلية الإماراتية من خلال المفردة الإماراتية، ومن خلال القصيدة النبطية الإماراتية، والحكايات الشعبية الإماراتية، ومن خلال الثقافات القومية منها الكنايات والأمثال، منطلقاً من خلال رؤى جديدة لتناول هذه الثقافات وتحليلها ودراستها، موضحاً أنه يعمل على هذا المشروع منذ أكثر من 11 سنة. وأضاف: «أنطلق في هذا المشروع من حبٍّ ذاتيٍّ لثقافتنا المحلية، وإيمانٍ مطلق بأنها ثقافة عظيمة غنية لا تقل عن أي ثقافة عالمية انطلق منها أكبر الكتاب في العالم، لا ينقص ثقافتنا أي نوع من أنواع المقومات من حيث الفكر أو الطرح واللغة الموجودة والإبداع الموجود فيها. للأسف أن رؤية البعض لثقافتنا المحلية سطحية أو لا تغوص إلى العمق، بينما هي ثقافة تعود إلى آلاف السنين، وقد مرت بها حضارات قديمة، سواء على صعيد الإنسان أو الطبيعة، هناك فجوات موجودة بين هذه الحضارة وأهميتها وعمق وجودها ومكانتها، أنا عندي رؤية شاملة في المشهد الثقافي للحضارة التي مرت بها الإمارات».

ثمار الاهتمام بالقراءة ستظهر خلال خمس سنوات
عن الاهتمام الذي توليه الدولة للنهضة الثقافية في الإمارات، والذي توج بعام القراءة 2016 وتجاوب المجتمع مع هذه المبادرة وخصوصاً الشباب، يرى الروائي العميمي، أن هذا الاهتمام الكبير ينطلق من الوعي بأهمية القراءة في حياة الناس، وأهمية بناء الوعي لدى الإنسان في إطار مدروس، مشيرا إلى أن الإمارات يقام فيها معرضان للكتاب في أبوظبي والشارقة، وهما من أكبر المعارض العربية والعالمية، حيث الإقبال كبير على اقتناء الكتاب بالذات من جيل الشباب، وهذه ظاهرة جميلة.
وأكد العميمي أهمية هذه الالتفاتة الثقافية من الدولة لعام القراءة وما سيكون له مستقبلا من تأثيرات إيجابية في هذا العصر بالذات، والحاجة الماسة لتعزيز سلوك القراءة، وأن تصبح عادة، وما سيترتب على ذلك في المناهج التعليمية وبناء الشخصية. واعتبر أن مشروع عام القراءة، لاقى استجابة كبيرة من مؤسسات الدولة ودور النشر، مع زيادة الفعاليات لتوضيح أهمية هذا القرار بدعم القراءة في المراكز الثقافية والتعليمية، وهناك دعم من الأهالي لأولادهم لتشجيعهم على القراءة، كما أن البعض منهم قاموا بتأسيس مكتبات في بيوتهم، مبيناً أن هذا المشروع المهم جاء في الوقت المناسب وسنحصد نتائجه خلال خمس سنوات.

جائزة الشيخ زايد للكتاب.. احتراف يلامس العالمية
جائزة الشيخ زايد للكتاب منذ أن انطلقت وهي تعمل وفق آلية احترافية عالمية، من حيث لجان التحكيم وفعاليات الفرز، ومن حيث الاختيارات التي تمت، ومن حيث نطاقها الذي تغطيه، سواء على صعيد المجالات التي تعطي فيها الجوائز والتكريم أو على صعيد التواصل مع الحضارات الأخرى. عندما أنشئت الجائزة لقيت صدى عالمياً وصدى محلياً، هذا أشعرنا بالفخر بوجود جائزة ذات ثقل بهذا الحجم، ثقل عالمي على صعيد الأدب والثقافة والتواصل الإنساني والأدبي والحضاري، كذلك أشعرنا أن الإمارات صارت مركزاً من مراكز النور والإشعاع الأدبي والثقافي والإنساني في العالم.

رؤية وتخطيط وبرنامج عمل
حول مشروعه الخاص بالثقافة الشعبية، وكيفية إيصاله إلى نهايته قال العميمي «بداية أود القول بأن عندي رؤية لهذا العمل، لكنني لا أكتفي بها فقط، بل لديَّ أيضاً مخطط واضح أشتغل عليه، إضافة إلى هذه الرؤية والمخطط المنظم، أقوم يومياً، في الفترة المسائية، بالكتابة لفترة لا تقل عن أربع ساعات، كما أخصص ما بين ساعة وساعتين للقراءة. هذا في أيام العمل، أما في أيام الإجازة، فإن ساعات القراءة تزيد والكتابة أيضا. كتبي دائما معي، وأحملها في ملفات داخل جوالي. وفي بيتي أعمل بشكل دائم في الكتابة. هذا مشروع العمر، وقد خصصت له ساعات من يومي».

تجديد يحافظ على الهوية
شاعر المليون دشن مرحلة جديدة في تاريخ الشعر النبطي، ليس في الإمارات فقط ولكن بالعالم العربي كله، لأن البادية العربية صارت تتحدث بالشعر النبطي. وهي مرحلة مهمة شكلت وجها جديدا للشعر النبطي، وأوصلته إلى مستويات من الانتشار لم تحدث في تاريخه أبداً، وهذا عزز مكانة أبوظبي ثقافياً، وأظهر قدرتها على التعامل مع هذه المادة المحلية والشعبية والإرث العربي بصورة عصرية وحداثية، من دون إفقاده هويته.