صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

اللغة العربية قبل الإسلام.. صفاء الفطرة

وصفت اللغة العربية قديمًا وحديثًا بأنها «لغة شعرية»، والذين يصفونها بهذه الصفة يقصدون أنها لغة يكثر فيها الشعر والشعراء، وأنها لغة مقبولة في السمع يستريح إليها السامع، كما يستريح إلى النظم المرتل والكلم الموزون، كما يقصدون بها أنها لغة يتلاقى فيها تعبير الحقيقة، وتعبير المجاز على نحو لا يعهد له نظير في سائر اللغات. وحين تحدث الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين» عن انفراد اللغة العربية بالعروض (علم أوزان الشعر)، عقب العقاد على كلامه بأنه «كلام علم وحق، لا يبعث إليه مجرد الفخر بالعصبية؛ لأن الفخر كثيرًا ما يزيد على تقدير الواقع ذهابًا مع العاطفة.. أما الحقيقة هنا فهي أكبر من قول القائلين: إن اللغة العربية لغة شعرية لانفرادها بفن العروض المحكم أو جمال وقعها في الأسماع، فإنها لغة شاعرة ولا يكفي أن يقال عنها: إنها لغة شعر، أو لغة شعرية، وجملة الفرق بين الوصفين أن اللغة الشاعرة تصنع مادة الشعر وتماثله في قوامه وبنيانه؛ إذ كان قوامها الوزن والحركة، وليس لفن العروض ولا للفن الموسيقي كله قوام غيرها».

كانت هذه الفكرة الناصعة هي الأساس الذي بنى عليه عباس العقاد كتابه القيم «اللغة الشاعرة»، وفيه عاد يبحث ويحلل وينقب عن جذور هذه الشاعرية في بنية وتركيب وخصائص اللغة العربية، التي تعود في جذورها إلى قرون طوال. تاريخ قديم، البعض يرده إلى مائتي عام قبل الإسلام، والبعض يرده إلى أبعد من ذلك، قرابة القرون الأربعة أو الخمسة.

(2)

اللغة العربية، أشهر اللغات السامية، تصعد إلى ما قبل الإسلام بعدة قرون، كما يقول الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، رئيس مجمع اللغة العربية الراحل. اشتملت على لهجات مختلفة أخصها لهجة قريش التي امتازت بصفائها ورقتها وبسطت نفوذها على اللهجات الأخرى، وكانت عاملًا من عوامل «الوحدة اللغوية» للعرب. وأعانها على ذلك رحلات القرشيين التجارية شتاء وصيفاً، وما كان يقام على مقربة منهم من كل عام من مهرجانات أدبية كسوق عكاظ، والكعبة التي كان يحج إليها العرب في الجاهلية سنوياً، ويسعون إليها من كل فج سحيق.

وكانت العربية محصورة في الجزيرة قبل الإسلام، ثم أخذت تنتشر معه شرقاً وغرباً، شمالا وجنوبا، من أواسط جبال الهند إلى جبل طارق، ومن البحر الأسود إلى بحر العرب، ودخلت في صراع مع ثقافات ولغات أخرى كالفارسية والهندية، والقبطية والبربرية. وخرجت من هذا الصراع «ظافرة». أخذت من هذه الثقافات واللغات ما أخذت، أثرت فيها وتأثرت بها دون منازع، ولكنها سادت عليها، وحلت محل بعضها بصفة نهائية.

إذن، وكما يؤكد المؤرخ الراحل حسين مؤنس في كتابه «الحضارة»، فقد خرجت اللغة العربية إلى الدنيا -خارج الجزيرة- لغة كاملة مكتملة النمو بنحوها وصرفها وبلاغتها وكتابتها أيضا، فغلبت على غيرها من اللغات؛ لأنها لغة القرآن أولا، ثم بفضائلها الذاتية ثانياً، فأصبحت لغة الناس في العراق والشام ومصر والمغرب والأندلس. وقرب نهاية العصر الأموي، تقريبا، كادت اللغة العربية تقضي تماماً على كل اللغات التي كان الناس يتكلمونها في إيران، ولكن الفتن التي قامت بين العرب في إيران، ثم قيام الدولة العباسية على أكتاف عرب خراسان، وانتقال معظم هؤلاء إلى العراق جعل أعداد العرب الباقين في إيران قليلة لا تكفي لإحداث التعريب الشامل؛ لأن العرب هم خميرة التعريب، ومن دون عرب فلا تعريب.

وبينما ظل عرب مصر في مصر، وعرب المغرب في المغرب، وعرب الأندلس في الأندلس، فصارت اللغة العربية لغة أهل البلاد جميعاً، توقفت عملية التعريب في إيران، وعاد الناس إلى لغتهم الأولى وقبسوا من العربية حروفها وأخذوا من ألفاظها ألوفاً، وأخذوا كذلك أساليبها البلاغية وعروض شعرها.

(3)

المتتبع لتاريخ اللغة العربية في أطوراها الأولى، قبل الإسلام، سيجد أنها بدأت تاريخها المعروف بخصائصها المميزة لها حتى وقتنا الراهن في عصر سابق للدعوة الإسلامية، يرده علماء اللغات المقارن إلى القرن الرابع قبل الهجرة، ويرجح بعضهم، ومنهم عباس العقاد في كتابه «الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين» إلى عصر قبل ذلك؛ «لأن المقابلة بينها وبين أخواتها السامية يدل على تطور لا يتم في بضعة أجيال، ولا بد له من أصل قديم يضارع أصول التطور في أقدم اللغات، ومنها السنكسريتية وغيرها من اللغات الهندية الجرمانية».

ولهذا فلا بد من أجيال طويلة تمضي قبل أن ينتهي تطور اللغة إلى هذه التفرقة الدقيقة بين أحكام الإعراب، أو بين صيغ المشتقات، أو بين أوزان الجمع والمثنى وجموع الكثرة والقلة في الأوزان السماعية، ولا بد من فترة طويلة يتم بها تكوين حروف الجر والعطف وسائر الحروف التي تدخل في تركيب الجملة بمعانيها المختلفة، وتنفصل بلفظها من ألفاظ الأسماء والأفعال التي تولدت منها، وهي في بعض اللغات لم تنفصل عنها حتى اليوم.

ولكن، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه اللغة - على قدمها - تتجدد لها مزايا متعددة كلما تقدمت الدراسات الحديثة في العلوم اللسانية والصوتية، ويرجع الباحثون إلى خصائصها، فيكشفون جانب المزية فيها وجانب الرجحان منها على غيرها، بعد أن كان فريق منهم يحسبها شذوذًا يدل على النقص أو يدل على جمود في التطور على سنة اللغات الشائعة بين لغات الحضارة الكبرى.

وقد فرقت هذه الدراسات الحديثة بين المزايا التي يتغنى بها أصحاب العصبيات القومية، فخرًا بألسنتهم وطبائعهم وعقولهم على عادة جميع الأقوام، وبين المزايا العلمية التي تستند إلى خصائص النطق والتعبير المتفق عليها في العلوم اللسانية، ولا محاباة فيها لهذه اللغة أو لتلك على حسب علاقاتها الجنسية أو الدينية.

(4)

كانت الصحراء العربية منذ القدم مكان حل وترحال تنتقل في أرجائه قبائل بدوية بعضها مستقل عن بعض. وكان هؤلاء البدو ينظرون بعقول سليمة طليقة من القيود، متأملين بيئتهم وحياتهم التي كانت تجري على نمط واحد، حيث كان الترحل والصيد والمواجهات القبلية أكبر ما يستهويهم، وحيث كانت الذخيرة العقلية عندهم ما تتوارثه القبيلة جيلًا عن جيل.

وإذا كانت اللغة من الركائز التي تدل على الحياة العقلية لأمة من الأمم، من ناحية أن لغة كل أمة في كل عصر مظهر من مظاهر عقلها، فالثابت والمستقر في علوم اللغة الحديثة، وعلم اللغة العربية وتاريخها، أن اللغة لم تخلق دفعة واحدة، ولم يأخذها الخلف عن السلف كاملة في نسق متكامل جاهز سلفاً، «إنما يَخْلق الناس في أول أمرهم ألفاظًا على قدر حاجتهم، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلقوا لها ألفاظًا جديدة، وإذا اندثرت أشياء قد تندثر ألفاظها، وهكذا اللغة في حياة وموت مستمرين، وكذلك الاشتقاقات والتعبيرات فهي أيضًا تنمو وترتقي تبعًا لرقي الأمة، هذا ما ليس فيه مجال للشك، وإذا كان هذا أمكننا - إذا حصرنا معجم اللغة الذي تستعمله الأمة في عصر من العصور - أن نعرف الأشياء المادية التي كانت تعرفها والتي لا تعرفها، والكلمات المعنوية التي تعرفها والتي لا تعرفها».

والناظر إلى اللغة العربية، والأدب العربي، في ذلك العهد يراه نتيجة طبيعية لتلك الحياة، وصورة صادقة لهذه البيئة، فألفاظ اللغة - مثلًا - في منتهى السَّعة والدقة، إذا كان الشيء الموضوع له اللفظ من ضروريات الحياة في المعيشة البدوية، وهي قليلة غير دقيقة فيما ليس كذلك. وفي كتابه «فجر الإسلام»، يضرب المرحوم أحمد أمين، العديد من الأمثلة على النهج الذي كان العرب قديما ينهجونه في وضع ألفاظهم ومعانيهم. يقول أحمد أمين:

«فالإبل هي عماد الحياة البدوية، هي خير مأكلهم ومشربهم وملبسهم ومركبهم، فحياة العرب في الصحراء تكاد تكون مستحيلة لولا فضل الجمل، من أجل هذا مُلئت اللغة العربية بالإبل، فلم يترك العرب صغيرة ولا كبيرة - مما يتعلق بها - إلا وضعوا لها اللفظ أو الألفاظ؛ فوضعوا الألفاظ لها، ولحَمْلها ونِتاجها، ووضعوا الأسماء لأسنانها (أعمارها) وحَلْبها، ورضاعها وفطامها، ونعوتها في طولها وقصرها، وسمنها وهزالها، وأصواتها وأوبارها، وعلفها واجترارها، ورعيها وبروكها، وأبوالها وحركة أذنابها، وأنواع سيرها ورياضتها، والرِّحال وما فيها، وكل ما يُشَد عليها، وقيودها ونزع قيودها، وسِماتها وعيوبها، وجَرَبها وأمراضها، وأدوائها.. إلخ».

ويكشف أن العرب لم يقتصروا على اللفظ الواحد للمسمى الواحد، بل وضعوا له الأسماء المتعددة، وهذا مثل واضح، وهناك أمثلة عديدة من هذا القبيل، فالأرض الصحراوية بما فيها من رمال ونجود ووهاد، وما فيها من كلأ وأعشاب وحشرات وهوام، كل ذلك وصفه العرب، ووضعوا له الأسامي المختلفة؛ فالأرض الصلبة والغليظة والمستوية، والواسعة والمطمئنة، والمجدبة والمخصبة، والهضاب والوديان، قد شرح كل نوع منها ووضع له اسم وأسماء، بهذا صارت اللغة العربية غنية وافرة الألفاظ مفرطًا في الحدود التي رسمتها لهم بيئتهم، فهم أغنياء في الجمل وما إليه، والصحراء وما فيها، وألفاظ العواطف المحدودة التي تجيش في صدورهم؛ يعرفون القبيلة وما تفرع منها، ويضعون لكلٍّ اسمًا؛ لأن نظام القبيلة نظامهم الأساس في الحياة الاجتماعية التي كانوا يعيشون في ظلها.

(5)

ورغم أن أكثر الشعر والنثر الجاهليين، في ما قبل الإسلام، قد ضاع، كما تدل عليه عبارة أبي عمرو بن العَلاء الشهيرة: «ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلا أقَله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير»، فإن ما وصلنا من نقوش وحفائر وكتابات تدل على وفرة ما أنتجه العرب لغويا؛ لفظا ودلالة ومعنى، جملة وتركيبا ونحوا وصرفا، وأنه من أجل هذا نستطيع أن نثبت ولا نستطيع أن ننفي، نستطيع إذا صح عندنا بيت من الشعر الجاهلي أن نقول: إن ألفاظه ومعانيه تعرفها العرب، ولكن لا نستطيع إذا لم نجد أن نقول: إن العرب لا تعرف هذا اللفظ ولا هذا المعنى، كما يقول أحمد أمين في «فجر الإسلام».

ولقد أجمع المؤرخون أن العرب في الجاهلية كانوا يعيشون قبائل، وهذه القبائل تختلف فيما بينها -كثرة وقلة- في اللغة وفي اللهجة، فقد تستعمل قبيلة كلمة ولا تستعملها القبيلة الأخرى، أو تستعمل غيرها، وهناك كثير من الروايات التي تؤكد هذا التعدد في اللهجات، فقد روي «أن أبا هريرة لما قدم من دَوْسٍ عام خَيْبرَ لقي النبي صلى الله عليه وسلم -وقد وقعت من يده السكين- فقال له: ناولني السكين، فالتفت أبو هريرة يَمْنَة ويَسْرة، ولم يفهم ما المراد باللفظ، فكرر به القول ثانية وثالثة، فقال: آلمدية تُريد؟ وأشار إليها فقيل له: نعم، فقال: أو تسمى عندكم السكين؟، ثم قال: ولله لم أكن سمعتها إلا يومئذ».

هذا التعدد في اللهجات، والتنوع في الأداءات اللغوية، بدأ توحيدها فعليا قبل الإسلام، واستمر هذا التوحيد في الإسلام، فقد تكون قبيلة استعملت كلمة لم تستعملها الأخرى، أو استعملت غيرها، خصوصًا وأن بعض البيئات الطبيعية والاجتماعية لقبيلة قد تُخالف ما للقبيلة الأخرى؛ فقبيلة على الساحل وأخرى في جبل، وثالثة في سهل وهكذا.

(6)

أخيرا فقد أجمع باحثون عرب ومستشرقون على أن معجم اللغة العربية الذي تشكل وتكون أغلبه أو ما يربو على نصفه في الجاهلية قبل الإسلام، «معجم غَنيٌّ غِنًى رائعًا، وسيبقى دائمًا مرجعًا مهما لتوضيح ما غمض من التعبيرات في جميع اللغات السامية الأخرى. وليست اللغة العربية غنية بكلماتها فحسب، بل بقواعد نحوها وصرفها أيضًا، فجموع التكسير وأحيانًا أسماء الأفعال كثيرة زائدة عن الحاجة».

هذه العبارة بنصها للمستشرق الألماني الشهير «نولدكه»، يستدل منها إضافة إلى ما أثبتته الدراسات اللغوية الحديثة على أن اللغة العربية غنية باشتقاقها وتصريف كلماتها؛ فوضع صيغة فعلية لكل زمن، والمشتقات العديدة للدلالة على أنواع مختلفة من المعاني والأشخاص، كل هذا يُشعرنا شعورًا تامٍّا بغنى هذه اللغة وصلاحيتها للبقاء، والاستمرار والتجدد، على عراقتها وقدم تاريخها منذ آلاف السنين.

معجم غني

معجم العربية «معجم غَنيٌّ غِنًى رائعًا، وسيبقى دائمًا مرجعًا مهماً لتوضيح ما غمض من التعبيرات في جميع اللغات السامية الأخرى. وليست اللغة العربية غنية بكلماتها فحسب، بل بقواعد نحوها وصرفها أيضًا، فجموع التكسير وأحيانًا أسماء الأفعال كثيرة زائدة عن الحاجة».

المستشرق الألماني الشهير «نولدكه»

خرجت كاملة من «الجزيرة»

يؤكد المؤرخ الراحل حسين مؤنس في كتابه «الحضارة»، أنه خرجت اللغة العربية إلى الدنيا -خارج الجزيرة- لغة كاملة مكتملة النمو بنحوها وصرفها وبلاغتها وكتابتها أيضاً، فغلبت على غيرها من اللغات.