الاتحاد

الملحق الثقافي

وريثة الحضارات الأولى

اختلف المؤرخون والباحثون في علم الاجتماع السياسي وعلم اجتماع المعرفة في معنى مصطلح عرب، فبعضهم اعتبره مشتقاً من تسمية العابر، أي المهاجر أو الراحل، والبعض الآخر اعتبره آتياً من الإفصاح والإبانة، إذ العربي مشهور بفصاحته وإعرابه عن الشيء بقوة وسطوع، وكان مسيحيو الحيرة قبل الإسلام يُسمّون العرب بالمعربين، أي أصحاب اللسان الواضح المبين. والآشوريون كانوا سمّوا العرب قبل اختلاطهم بهم، بحسب الباحث د. رضوان الشيتي، «بشهب الصحراء البائنة اللامعة، والتي تعرب عن نفسها على نحو فائق الجلاء في التعبير القاطع».

أقدم لفظ لمصطلح العرب، ورد في النصوص الآشورية في العام 853 ق. م.، وهو منقوش على لوح صخري صلد يعود إلى زمن الملك الآشوري شلمنصر الثالث، القائد الذي كان يتمتع بقدرات عسكرية وسياسية فذة، وكان قد أعلن حربه على الآراميين وأقوام أخرى في الجزيرة العربية قادوا اتحاداً ضد الغزو الآشوري مثّل 11 ملكاً، وكانت معركة قرقر التي شهدت ولادة اسم العرب؛ هذا الاسم الذي أطلق أولاً على سكّان شمال الجزيرة العربية، ومن بعد اتسعت دائرته كتسمية لتشمل وسط أهل الجزيرة العربية وجنوبها.
كما ورد اسم العرب في الأسفار القديمة، مثل «سفر أشعيا في التوراة؛ وقُصد بالاسم وقتها البدو المنتشرين على امتداد أقاليم الصحراء العربية شمالاً وجنوباً. على أن أبا التاريخ هيرودوت أطلق اسم العرب على عموم سكان بطاح الجزيرة العربية والصحراء الشرقية لمصر وبطاح البحر الأحمر في القرن الخامس قبل الميلاد.
وفي المحصّلة، لم يتبلور اسم العرب على نحو دالٍ وكامل التوصيف الهُووي (من الهوية) إلا في القرن العاشر قبل الميلاد، حين سمّوا بـ «العرب» لتمييز بلادهم عن بلاد الأقوام الأخرى المجاورة.
كان سكان شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام يتكلمون اللغات الآرامية والفينيقية (الكنعانية) والعبرية والتدمرية، لكن هذه اللغات زالت كلها، باستثناء العربية التي جمعت الساميين جميعاً على تنوّع لهجاتهم فيها، وتفوّقت على اللغة العبرانية والآرامية التي تحدّرت منها اللغة السريانية المعروفة بلغة السيد المسيح عيسى عليه السلام. ويؤكد المستشرق النمساوي لويس شبرنغر الذي يصف جغرافية جزيرة العرب بأنها «أساس التطور التاريخي للسامية»، بأن اللغة العربية هي الشكل الأكثر قدماً والأكثر أصالة للجماعة السامية، وهي الأكثر احتفاظاً بخصائص اللغة السامية الأم.

في العرب وهجراتهم
اختلف الباحثون والمؤرخون حول هجرات العرب من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها عبر البحر الأحمر، ومن جنوبها إلى شمالها عبر الخليج العربي ومناطقه الساحلية. فالبعض رأى أن الجزيرة العربية في التاريخ الغابر، كانت عبارة عن جنائن خصبة مكسوة بالغابات الخضر، وبنوعية أشجار يصل طول بعضها إلى 25 متراً، فضلاً عن وجود الحيوانات المائية التي لا تعيش إلا في الأنهار الغزيرة،
وعندما بدأ زمن انقطاع الأمطار، وأخذ الجفاف يصيب معظم مناطق جنوب الجزيرة العربية، حدثت الهجرات من المناطق الجنوبية إلى المناطق الوسطية، ومن ثمّ الشمالية للجزيرة العربية، فسميت بدورها بـ«الهجرات السامية الجنوبية» على حد تعبير المستشرق النمساوي شبرنغر، الذي كان ينطلق، مع مستشرقين آخرين من أمثال الألمانيين شريدر وونكلر، ومعهما الإنجليزي روبرتسون سميث، أن مهد الساميين هو جزيرة العرب كلها، ومنها تفرقوا في الأرض، كما تفرقوا في صدر الإسلام، ومن أدلتهم على صحة مذهبهم، أن العربية أقرب أخواتها إلى السامية الأصلية، وأن في العبرانية والآرامية آثار الحياة البدوية، وهي عربية. بينما يعارضهم في ذلك تماماً، إغنازيو غويدي، المستشرق الإيطالي المعروف بانحيازه ضد العرب، والذي يرى أن موضوعة الأصل العربي للساميين مشكوك بها بالكامل، وان جميع الساميين سكنوا بادئ ذي بدء في الحوض الأدنى للفرات، ومنه انطلقوا.
أما المؤرخ اللبناني المعروف بوثوقيته العلمية بالنسبة إلى المؤرخين الغربيين الحديثين جواد بولس، فلا يؤمن أصلاً بمسألة الهجرات المناخية لسكان الجزيرة العربية قبل الإسلام؛ ويرى أن ما يسمى الهجرات، ليس إلا التنقّل البشري الواحد المتنوّع في مساحة الجزيرة العربية الواحدة، وهو تنقّل دائري عمودي وأفقي، بحسب الأوضاع التجارية والاقتصادية وظروف العيش الأنسب اجتماعياً وسياسياً، ولم تكن لتؤثر به عوامل المناخ هذا التأثير القاطع الحاسم، بدليل بقاء نسبة كبيرة من أهل الخليج العربي، ومعهم عرب البادية العراقية والسورية والأردنية، في أرض الآباء والأجداد، بمعزل عن تفاوت العدد السكاني مع الزمن أوالحقب التاريخية السابقة.
والحقيقة أن الجزيرة العربية كانت دوماً آهلة بالسكان وإرث الحضارات البشرية الأولى والمتناوبة على مختلف الأطوار والحقب، خاصة قبل الإسلام، الذي لم يكن ليطمس أي دور حضاري لما سبقه من أقوام، اللهمّ إلا في عقول بعض القاصرين عن فهم الدين الحنيف وسماحته ورحابته، والدين الحنيف بالتأكيد براء من كل أولئك الجهلة الذين يروّجون إن الإسلام يجبّ ما قبله، وأنه لا ضرورة البتة لدراسة التاريخ الحضاري للجزيرة العربية قبل ظهور الدعوة المحمدية.
باختصار، يؤكّد مؤرخون كثر أن الجزيرة العربية قبل الإسلام لم تكن يوماً أرض فراغ إنساني وحضاري رائد ورفيع، أدّى في بعض مكوّناته المعتقدية التوحيدية المتقدمة إلى ظهور الديانات السماوية التي يعتنقها مليارات البشر عبر القارات الخمس.

مقابر «دلمون» و«أم النار»
يتحدث المؤرخ العراقي الكبير د. جواد علي في كتابه «المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام» عن مكتشفات كثيرة لا تحصى في عموم جنوب الجزيرة العربية (فضلاً عن وسطها وشمالها كتحصيل حاصل) يعود بعضها إلى العصور الحجرية والبرونزية؛ يقول: «إن بلاد العرب كانت مأهولة بالناس منذ العصور (الباليوثية)، أي العهود الحجرية المتقدمة، وأن أقدم الآثار التي عثر عليها هي آثار من أيام العصور المعروفة بـ(التشيليان)، وهي الأدوار الأولى من حضارة العصر الحجري بلغة أهل المكتشفات الآثارية»... «وأنه قد عثر على أدوات من الصوان في الربع الخالي وفي حضرموت تعود إلى العصور البرونزية. وعثر على أدوات من الصوّان أيضاً تعود إلى العصور (الكالوكوليثيس)، وهي من النوع الذي عثر عليه في جنوب فلسطين».
ويتحدث د. جواد علي عن مقابر البحرين التي يتجاوز عمرها الـ 3000 آلاف سنة ق. م. فيقول «هي تلال تكوّنت من قطع من الصخور، وُضع بعضها فوق بعض، لتكون غرفة أو غرفتين، تكون إحداهما فوق الأخرى في الغالب، تتخذ قبراً يوضع فيه الموتى، وتكون سقوف الغرف من ألواح الصخور. وبعد إغلاق باب القبر، يُهال التراب على الصخور، حتى تتخذ شكل تلال. وقد عثر على بقايا خشب فيها، ما يدلل على استعمال الخشب في بناء هذه القبور، التي يصل قاعدة بعضها إلى نحو خمسين ياردة في العرض، وحوالي ثمانين قدماً في الارتفاع. ويقدّر الباحثون الذين بحثوا عن هذه المقابر عددها بزهاء خمسين ألف تل، وبزهاء 100 ألف تل في تقدير بعض آخر، أي خمسين ألف قبر ومائة ألف قبر».
وبخصوص المقابر التي تمّ اكتشافها في جزيرة «أم النار» بالقرب من أبوظبي يقول د. جواد علي «هي مقابر أقوام عاشوا في الألف الثالث قبل الميلاد، وقد عثر فيها على هياكل عظمية وعلى خرز وفخار عليه رسوم. وقد كُسيت هذه المقابر وغُطّيت بحجارة منحوتة، حفرت عليها صور ثيران وجِمال وأفاعي وحيوانات أخرى. وقد نحتت واجهة الحجر المحيطة بالصور لتظهر الصور بارزة عالية. ويظهر من دراستها أنها من عمل أيدٍ أتقنت مهنتها وأجادت في فنها بالقياس إلى تلك الأزمنة».
ويردف المؤرخ د. جواد علي قائلاً بخصوص أهمية تلك المقابر: «إنها تتحدث عن وجود روابط فكرية مشتركة بين أصحابها، وعن احتمال ارتباطهم بعقيدة دينية واحدة. ولا يستبعد أن تكشف بعض القبور السليمة عن كتابات مطمورة في غرفها، أو عن صور ونقوش ورموز تتحدث إلينا عن هوية أصحابها، وعن مكانتهم في التاريخ وفي الحضارة البشرية بالنسبة إلى الأيام التي عاشوا فيها؛ وعندئذ نكون قد انتقلنا إلى مرحلة جديدة من مراحل تاريخ العرب القديم، لا نعرف اليوم من أمرها إلا هذا النزر اليسير الذي نتحدث عنه».
ويرى «أن ما عثر عليه من حلي وأوان من الفخار وأشياء أخرى مصنوعة، تظهر براعة في الصنعة والإتقان، يدلّ على أن هؤلاء القوم كانوا على درجة عالية من الحضارة».
ويستنتج د. جواد علي بأن الأدوات المكتشفة، تدلّ على أن شعوب جزيرة العرب، حتى في الأزمان البعيدة عن الميلاد، كانت على اتصال بالعالم الخارجي، لاسيما العراق وبلاد الشام وحوض البحر المتوسط والقارة الإفريقية؛ وإنها كانت تستورد منها ما تحتاج إليه من مواد، وتبيع لها ما عندها من سلع خام أو من سلع تستوردها من السواحل الإفريقية أو الهند، وأنها لم تكن في يوم من الأيام بمعزل عن بقية العالم.


فلسفة «البيت الأزلي»
إذا كان أمين الريحاني، الأديب اللبناني والعربي الكبير قد زار آثار قبور البحرين وتكلم عنها بإعجاب وذهول، وقال إنها قبور فينيقية شاهدة على حضارة دلمون الفينيقية، أي هي، في المحصلة، قبور عربية ساميّة قديمة لها فلسفتها الوجودية والمعرفية الخاصة، أينما كانت، سواء في البحرين أم في صور العُمانية أو في صور اللبنانية، أو في أوغاريت السورية، فهي تنمّ فلسفياً عن مفهوم «البيت الأزلي»، وهو مفهوم كان يصف به الفينيقي الساميّ قبره به، مشيراً إلى مزايا وجودية بالغة الإيحاء والدلالة، أبرزها على حدّ د. فريدريك معتوق في كتابه «سوسيولوجيا الحضارة الكنعانية - الفينيقية» (ألا وجود للموت كفاصل يحجب أبناء هذه الدنيا عن أسلافهم، الذين غابوا وأضحوا في دنيا أخرى. فالدنيا الأخرى موصولة بهذه الدنيا... من هنا يتخذ مفهوم البيت بعداً ما ورائياً يبقيه حياً، ويقوّي في الوقت نفسه الأحياء، برسم أفق تاريخي لبيتهم الدنيوي الحالي؛ كما يُطمئنهم إلى أن مداهمة الموت لهم في يوم من الأيام، لن تعطّل حضورهم في هذه الدنيا. وتماماً كما أن مفهوم «البيت» شكّل ركيزة التماسك العائلي، فإن مفهوم «البيت الأزلي» أعطى للمفهوم الأول بوليصة تأمين معنوية مدى الحياة).

كيانات عرب الجزيرة
من جهته، يقسم جرجي زيدان العرب في كتابه «العرب قبل الإسلام» إلى ثلاثة أطوار أو عصور هي: الطور الأول: «العرب البائدة» وأراد بهذه التسمية أن يشير إلى الكيانات السياسية العربية التي ظهرت ودالت قبل ظهور عرب اليمن القحطانية، مقسّماً إياها إلى قسمين كبيرين: أولاً، عمالقة العراق، وهي دولة حمورابي في بابل منذ القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، وأورد هنا الأدلّة التاريخية واللغوية والاجتماعية على أن هذه الدولة عربية. ثانياً عمالقة مصر، وهم الذين يسميهم المؤرخون ملوك الرعاة، أو الهيكسوس، وسماهم جرجي زيدان بـ«الشاسو»؛ ثم يذكر بقايا العمالقة الذين بادوا مثل عاد وثمود وطسم وجديس.. وتحدث عن دولتين عربيتين لم يعرفهما العرب، هما دولة الأنباط في بطرا ودولة التدميريين في تدمر.
أما في الطور الثاني، فيتحدث جرجي زيدان عن دولتي حمير والتبابعة وما قالته العرب فيها، وما يقوله اليونان حولها. وعمد بعد ذلك إلى ما كشفه النقّابون في الآثار من الدول المختلفة، جامعاً إياه مع سائر المصادر بعد تمحيصها وتطبيقها، جاعلاً الدول التي حكمت اليمن قبل الإسلام ثلاثاً كبرى هي: الدولة المعينية والدولة السبئية والدولة الحميرية؛ مفصّلاً أحوال كل دولة على حدة بأسماء ملوكها وأصولها، ومبيّنا أن أصل الدولة المعينية من بابل، هاجر أصحابها إلى اليمن بعد ذهاب دولة حمورابي.
وأما الدولة السبئية، فلقد بحث في أصلها، وترجّح لديه أنها جالية من الحبشة نزل آباؤها بلاد اليمن قديماً وتوطّنوها واتخذوا عادات البلاد ولغتها وتمدنها، حتى ظهرت فيهم دول تولّت حكوماتها أولاً باسم سبأ ثم باسم حمير، وذكر أسماء ملوك كلا منهما نقلاً عن الآثار المكتشفة، وقارنه بما ذكره العرب في مصادرهم.
أما في الطور الثالث، فيتحدث جرجي زيدان في كتابه عن العرب العدنانية أو الإسماعيلية، ممهداً الكلام في أصولهم، والفروق بينهم، وبين القحطانية، من حيث البداوة والحضارة واللغة والدين. وأورد أقدم أخبار العدنانيين من أيام التوراة إلى ظهور الإسلام، موضحاً تفرقهم وعلائقهم بشجر الأنساب من قضاعة وربيعة ومضر وغيرها.
باختصار، يؤكد جرجي زيدان، كما غيره لاحقاً من مؤرخين عرب وأجانب أمثال د. فيليب حتّي ود. جواد علي وطه باقر وجواد بولس، وسهيل زكار ود. محمد محفل، وجورج كوسى، ورُبرت هيلند وغيرهم.. وغيرهم على أن تاريخ العرب في جزيرة العرب قبل الإسلام، كان حافلاً بالإنجازات الحضارية الكبرى، ودالاً على مجتمعات عربية ساميّة عريقة ومتحضّرة؛ وهي مجتمعات عروبيّة مظلومة لجهة الدراسات التاريخية المعمّقة المستزادة عما سبق حولها، وهي دراسات على أهمية البعض منها، إلا أنها ليست منتشرة كسياق ثقافي تعليمي متدرّج تركّز عليه مناهج تعليم بلداننا العربية، وتفرضه على نظمنا التعليمية، ولاسيما في ما يتعلق بالمراحل ما قبل الجامعية، والجامعية نفسها.
وحتى على مستوى التعليم في الغرب نفسه، فالأمر قائم أيضاً، إذ يرى المؤرخ الأميركي رُبرت هيلند أن القرون التي تسبق وفاة الرسول العربي، لا تُدرّس إلا قليلاّ في بلادنا، ولا يُعرف عنها سوى النادر في الغرب كله. ويردف، إنه قد يُظن أن هذا الجهل يعكس عدم أهمية جزيرة العرب في التاريخ العالمي قبل ظهور الإسلام، لكن هذا حكم مجحف، فمع أن سكان جزيرة العرب كانوا يعيشون في محيط الإمبراطوريات العظمى، فقد كانوا ذوي أهمية كبيرة إليها؛ أولاً، إن موطنهم يحتلّ موقعاً مركزياً بين الهند وإفريقيا وبلاد ما بين النهرين والعالم المتوسطيّ، الأمر الذي يعني أن البشر والسلع العابرين من منطقة إلى أخرى، كانوا مجبرين غالباً على إجراء الصفقات معهم. وثانياً، إن وجود اللبان والمر والنباتات العطرية الأخرى في جنوبي الجزيرة العربية، وكلها كانت مطلوبة جداً في حضارات المتوسط وبلاد ما بين النهرين، قد جلب الثروة والشهرة إلى زارعيها ومصدّريها العرب. ثالثاً، قدمت جزيرة العرب خزّاناّ من القوة البشرية العسكرية التي كانت تملك خبرة بالسفر في الصحراء، ومارست دوراً مهماً كحليف، وأيضاً كعدو لمختلف القوى.

النظام الاجتماعي
خير من يتحدّث علمياً بين المؤرخين الأجانب عن حياة العرب قبل الإسلام في جزيرتهم، المؤرخ الأميركي رُبرت هيلند في كتابه «تاريخ العرب في جزيرة العرب» (بيروت - قدموس للنشر - 2010)، والكتاب بالفعل هو الأول في مجاله على صعيد البحث في مختلف جوانب الحياة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، خصوصاً في مسائل تتعلق بالمجتمع والدين والفن والعمارة والمصنوعات اليدوية واللغة والأدب والقوانين والشرائع، اعتماداً على المصادر الأوليّة أو القديمة نفسها.
فعلى مستوى المجتمع، نعرف من الكتاب أن كل سكان جزيرة العرب ما قبل الدعوة الإسلامية تقريباً (أي ما يسمى المرحلة الجاهلية) هم أفراد قبيلة ما، أي جماعة متآزرة ترتبط معا بمفهوم القرابة؛ كما علّق عمرو بن قميئة، وهو شاعر جاهلي فذّ بقوله: «وقوم الفتى أظفاره ودعائمه». خلافاً للدولة، لم تكن للقبائل مؤسسات متخصّصة بالقانون والنظام؛ لذلك كانت حياة الشخص وشَرَفه وممتلكاته يحميها أقاربه، الذين كانوا ملزمين بنجدته في أوقات الشدّة والثأر له أو التعويض إذا اعتدي عليه. مع ذلك، لا يعني هذا أن الحرب والفوضى كانا يسودان تلك البيئات الغابرة؛ فالتهديد بالثأر سيجعل أي مُعتدٍ محتمل يفكّر مرتين؛ وكان ثمة آليات عدّة، كالمصاهرة والوساطة والشعائر والمهرجانات الجماعيّة، وعُرف قوي للضيافة وتبادل الهدايا، أفادت في الحدّ من استعمال القوة وفي تشجيع التعايش السلمي.
وبخصوص رابطة الدم، فإن كل المصالح الفردية في القبيلة، تخضع لمصالح فئة القرابة؛ ففي الواقع كانت كل علاقات التعاون والالتزامات الأخلاقية، تُعدّ مشتقّة من وحدة الدم؛ لذلك إذا تعيّن عقد ميثاق بين طرفين يشملهما بواجبات الدم المشترك، فسوف يترافق بطقس سري تُمزج فيه دماؤهما. وهنا مثلاً، يقف رجل بين الطرفين اللذين سيعطيان الأمان، ويجرح بحجر حاد كفيّ يديّ الطرفين من طريق الإبهام، ثم يأخذ قطعة من الصوف من عباءة كل منهما، ويلطّخ بالدم سبع حجرات تقع بينهما، متضرّعاً في أثناء ذلك الى ديونيسيوس وأفروديت المقدسة. وعندما ينتهي من فعل ذلك، فإن من يُعطي الأمان يوصي أصدقاءه بالغريب (أو ابن بلده إذا كان هو الطرف الثاني)، ويتعهد أصدقاؤه أنفسهم الالتزام باحترام الميثاق أو العهد.
وهذه العادة ما زالت قائمة إلى يومنا هذا في بعض المجتمعات الخليجية، إنما بخلاف التضرّع طبعا، إذ يكون هنا لله وحده جلّ ثناؤه فقط.
أما بخصوص الزواج ودور النساء، فنعرف من الكِتاب أن ثمة ما يشهد على التنوّع الملحوظ في عادات الزواج في جزيرة العرب قبل الإسلام. مع أننا لا نعرف مدى انتشار أي منها. إن الزواج الداخلي الصارم (الناس لا يتزوجون إلاّ من سلالتهم) أو الزواج الخارجي (الناس لا يتزوجون إلاّ من خارج سلالتهم) لا يبدو أنه كان موجوداً. وبأي حال من الأحوال، كان محدوداً بممارسة الزواج من طريق الأسر.
ومع ذلك، كانت معظم القبائل تقريباً قد حدّد الأفضليات، فبعضها يحبّذ الزيجات بين أبناء العمومة. والبعض الآخر يرى أن الزواج من الغرباء ينتج أطفالاً أصلب، ولا يقعون فريسة زواج الأقارب وتشوّهاته، ويقلّل احتمالات الشجارات العائلية.
وكان النساء أو بعضهن، يطلّقن الرجال في الجاهلية. وكان طلاقهنّ أنهنّ إن كنّ في بيت من شَعر، حولّن الخباء، فإن كان بابه قبل المشرق حولّنه قبل المغرب. وإن كان بابه قبل اليمن حولّنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل، علم أنها قد طلّقته، فلم يأتها.
وبخصوص السكن، كان أهل جزيرة العرب قبل الإسلام يفضّلون مساكن الحجر أو الآجر الطيني. وقد بُنيت بيوت عدّة على شكل نظام القرى القديم، وكان لكل بيت تقسيماته التي تلحظ وجود بئر ماء بعمق سبع قامات، ومقر إقامة لمشغّل البئر، واصطبل للبقر والماعز والغنم، وآخر للحمير، وساحة معقولة المساحة خاصة بالإبل.
وهناك قصور للوجهاء، وقصور تُؤوي مجموعة من الناس، ويشكل القصر الصحراوي ساحة مربّعة مسوّرة بسور عال، تتاخمها مساكن لعائلات عدّة؛ هكذا فإن العشيرة بكاملها تسكن معاً؛ وفي حال حدوث أي نزاعات، فإنهم ينسحبون بسرعة إلى مجمعاتهم، مع أنهم قد يجبرون على الاستسلام تحت التهديد بإتلاف محاصيلهم أو نخيلهم. ويختلف بنيان ومخطط هذه المجمعات من منطقة إلى أخرى. في أغلب الأحيان، كما كان الحال، حتى وقت متأخر في بعض أجزاء جزيرة العرب. وكان الآجرّ الطيني، هو مادة البناء الأساس، يُجبل مع الحجر إذا كان متوافراً بسهولة؛ وإلاّ فإنه سيقع ضحية للعوامل الطبيعية القاسية. هكذا كان امرؤ القيس في تيماء يراقب عاصفة شديدة:
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ولا أطما إلا مشيّداً بجندل
هذا ولم تكن جزيرة العرب الجاهلية «لوحاً ممسوحا جمالياً» على حد تعبير المؤرخ رُبرت هيلند. فعلى الرغم من كونها نائية، إلاّ أنها تفاعلت مع باقي محيطها، وصارت تتفاعل أكثر فأكثر مع تقدم الزمن؛ ومن المحتّم أن الروابط السياسية والاقتصادية قد جلبت في أعقابها منتجات وأساليب فنية جديدة، حيث كانت معرّضة لمؤثرات أجنبية مختلفة. كانت لها أيضاً تراثات محليّة مختلفة ومواد خام مختلفة متاحة لها. من هنا، فإن فن وعمارة جزيرة العرب يكشفان عن كثير من التنوّع المناطقي، فقد تأثر شرقي جزيرة العرب بالأفكار الرافدينية وفيما بعد، بالأفكار الفارسية. وكان للهللينية تأثير في الشمال الشرقي؛ ثم إن جنوبي جزيرة العرب قد رعى بشكل أساس أشكاله المحليّة الخاصة به، لكنه أصبح بشكل مطّرد أكثر تأثراً بالفن الهللينستي والروماني؛ وكان شمالي جزيرة العرب بالطبع محتماً عليه أن يشعر بجاذبية الإمبراطوريات الكبرى في الشرق الأوسط، التي سعت غالباً لإدخاله في فلكها. مع ذلك، لم يكن ثمة تقليد للفن الإمبراطوري، بل بالأحرى امتزاج للأساليب الأجنبية بالأذواق المحليّة.

اللغة والأدب
تنتمي كل اللغات المستخدمة في جزيرة العرب تقريباً إلى العائلة السامية، التي يشبه أفرادها بعضهم بعضا شبهاً شديداً، في مجال تركيب الكلمة. فالغالبية الكبيرة من الكلمات في اللغة السامية، تتألف من ثلاثة أحرف جذرية؛ في كل حالة يمكن تعديل هذه الحروف الجذرية، بإضافة أحرف صوتية (أحرف علّة) ومجالاً محدوداً من الأحرف الساكنة الأخرى، لإعطاء تشكيلة من الكلمات ذات المعنى المتشابه. إن تعديل الأحرف الجذرية، ليس اعتباطيّاً، لكنه تخطيطي (تشكيلي) إلى درجة عالية. وكل تخطيط (تشكيل) يُبين الشكل النحوي للكلمة ومعناها المحدّد، ورغم أن التطبيق أكثر فوضى قليلاً، فإن هذا العرض النظري يصحّ بما يكفي لأن نميّز اللغات غير السامية تمييزاً واضحاً من اللغات السامية.
وبخصوص الشعر، فينحصر الدليل الماديّ على وجود الشعر في جزيرة العرب قبل الإسلام بمثالين، أحدهما جرى اكتشافه مؤخراً في وادي قانية إلى الجنوب الشرقي من صنعاء. إنه قصيدة أو ترنيمة موجّهة من آلهة الشمس، التي يقع مزارها الجبلي في مكان قريب، مع أن هذه القصيدة قد كتبت بالخط العربي الجنوبي، ربما من أواخر القرن الأول أو أوائل القرن الثاني الميلادي؛ فهي ليست بأي لغة من اللغات المعروفة لجنوبي جزيرة العرب. يتألف نص القصيدة من سبع وعشرين بيتاً، كل بيت يحوي ثلاثة فواصل كلامية، ما يوحي بشكل نظمي ذي أربعة تفعيلات للبيت الواحد. علاوة على ذلك، فإنها قصيدة مقفّاة، كل بيت ينتهي بالحرفين (حك). إنها تبدأ وتنتهي كما يلي:
أنشُدُ حمايتك، لأن كل الأحداث من فعلك
في صيد الخنوان جعلت دم المئات يُسفك
فرأس قبيلة ذو فسد ارتفع عليّاً
وصدر علهان من يهير اتسع لك
لقد جعلت المطر المدار عبقاً، لأنك فتحت يدك
أنجدتنا، يا شمس، لأنّ المطر كان من فضلك
ومن الفترة نفسها تقريباً، إنما من الطرف الآخر من جزيرة العرب، «عين عبدات» في صحراء النقب. لدينا نص ثان أقصر بكثير، وهو هذه المرة باللغة العربية. إنه يشكل جزءاً من نقش نبطي يُدون فيه شخص يدعى جرملاهي بن تيمالاهي، تقدمته لتمثال إلى الإله عُبُدات، ثم يتحوّل إلى اللغة العربية، مع أنه يظلّ يستعمل الخط النبطي.
في أحد مهرجانات فينوس في البتراء، كان المواطنون، كما يبدو، يمتدحون العذراء بترانيم باللغة العربية؛ وربما كان لدينا هنا جزء من ترنيمة أو قصيدة مشهورة في امتداح الإله:
لأنه يتصرف جزاءً ولا هوى
مع أن الموت قد قصدنا، فهو لم يمنحه فرصة
مع أنني غالباً ما واجهت الجراح
فإنه لم يدعه يكون سبباً في هلاكي
باستثناء هاتين القطعتين، فإننا مجبرون على الاتكال في معرفتنا بالشعر العربي على تأليفات تعود في معظمها إلى القرن السادس، بدأ جمعها في القرن الثامن. لقد أثير جدل حاد، ولزمن طويل، حول ما إذا كانت هذه القصائد أصيلة أو لا. لكن الدراسات الحديثة أظهرت كيف أن الشعوب ما قبل المتعلّمة يمكنها أن تحفظ حفظاً فعالاً تراثاتها مع مرور القرون.. علاوة على ذلك، فإن الرأي التشكيكي قد تجاهل المنزلة الرفيعة التي اكتسبها الشعر في المجتمع العربي.

أرض الشرائع الإنسانية
وجزيرة العرب قبل الإسلام، هي أيضاً أرض الشرائع الإنسانية الأولى في العالم، وباستنادنا إلى «دولة حمورابي العربية في بابل منذ القرن الـ25 ق. م.» على حدّ تعبير شيخ المؤرّخين العرب المعاصرين جرجي زيدان، فإننا نجد ترجمة ذلك بقوة في «شريعة حمورابي»، هذا الملك البابلي العظيم، والذي يجيء ترتيبه السادس في من سبقه من ملوك ما بين النهرين، ولكنّ عظمة بابل، لم تبدأ في الحقيقة إلاّ على يديه. وشريعته التي صارت مرجع حضارات العالم بأسره، موجودة وثيقتها ككتاب في «متحف اللوفر» الباريسي الشهير، والذي ربما سيعرض (أي كتاب شريعة حمورابي) مع ما يُعرض من كنوز اللوفر الأخرى، في متحف لوفر أبوظبي، الذي يُعمل على استكمال إعداده كصرح حديث موازٍ لنظيره الباريسي المعروف، وعلى نحو بالغ الروعة والإتقان.
هكذا، ليست حضارة الجزيرة العربية قبل الإسلام، حضارة عابرة كتلك التي اكتشفت فيها نماذج آثار لجماعات عدّة متباعدة في متاهات الماضي الغابر، بل هي حضارة ذات معالم راسخة، واسعة النطاق، مكتملة المعارج والتصورات. إنها صورة لحضارة إنسانية بكل ما في الكلمة من معاني العمق والنضج والشمول، وبكل ما تفرضه الحياة من تنوّع نشاط التنظيم الاجتماعي والفكري والأدبي والسياسي والتجاري وإنشاء الحواضر والدول وتشكيل القوانين والشرائع وظهور معالم الفن المحلّي والعمارة المحلّية. والعربي في الجزيرة العربية قبل الإسلام، كان عربي النشاط والذكاء الفردي والجماعي، عربي الجسارة ومكابدة التحديات وظلم الطبيعة، حتى ولو تماهى معها.. وصدق الشاعر تميم بن مقبل حين قال: ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم.

إجحاف
يقول الباحث والمؤرخ رُبرت هيلند: القرون التي تسبق وفاة الرسول العربي لا تُدرّس إلا قليلاّ في بلادنا ولا يُعرف عنها سوى النادر في الغرب كله. ويردف، إنه قد يُظن أن هذا الجهل يعكس عدم أهمية جزيرة العرب في التاريخ العالمي قبل ظهور الإسلام، لكن هذا حكم مجحف، فمع أن سكان جزيرة العرب كانوا يعيشون في محيط الإمبراطوريات العظمى، فقد كانوا ذوي أهمية كبيرة إليها؛ أولاً، إن موطنهم يحتلّ موقعاً مركزياً بين الهند وإفريقيا وبلاد ما بين النهرين والعالم المتوسطيّ، الأمر الذي يعني أن البشر والسلع العابرين من منطقة إلى أخرى، كانوا مجبرين غالباً على إجراء الصفقات معهم. وثانياً، إن وجود اللبان والمر والنباتات العطرية الأخرى في جنوبي الجزيرة العربية، وكلها كانت مطلوبة جداً في حضارات المتوسط وبلاد ما بين النهرين، قد جلب الثروة والشهرة إلى زارعيها ومصدّريها العرب. ثالثاً، قدمت جزيرة العرب خزّاناّ من القوة البشرية العسكرية التي كانت تملك خبرة بالسفر في الصحراء، ومارست دوراً مهماً كحليف، وأيضاً كعدو لمختلف القوى.


شهب الصحراء البائنة
كان مسيحيو الحيرة قبل الإسلام يُسمّون العرب بالمعربين، أي أصحاب اللسان الواضح المبين. والآشوريون كانوا سمّوا العرب قبل اختلاطهم بهم، بحسب الباحث د. رضوان الشيتي «بشهب الصحراء البائنة اللامعة، والتي تعرب عن نفسها على نحو فائق الجلاء في التعبير القاطع». وأقدم لفظ لمصطلح العرب، ورد في النصوص الآشورية في العام 853 ق. م.، وهو منقوش على لوح صخري صلد يعود إلى زمن الملك الآشوري شلمنصر الثالث.

تفوّق العربية
سكان شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام كانوا يتكلمون اللغات الآرامية والفينيقية (الكنعانية) والعبرية والتدمرية، لكن هذه اللغات زالت كلها، باستثناء العربية التي جمعت الساميين جميعاً على تنوّع لهجاتهم فيها، وتفوّقت على اللغة العبرانية والآرامية التي تحدّرت منها اللغة السريانية المعروفة بلغة السيد المسيح عيسى عليه السلام.

ظلم تاريخي
يؤكد جرجي زيدان، كما غيره لاحقاً من مؤرخين عرب وأجانب أمثال د. فيليب حتّي ود. جواد علي وطه باقر وجواد بولس، وسهيل زكار ود. محمد محفل، وجورج كوسى، ورُبرت هيلند وغيرهم.. على أن تاريخ العرب في جزيرة العرب قبل الإسلام، كان حافلاً بالإنجازات الحضارية الكبرى، ودالاً على مجتمعات عربية ساميّة عريقة ومتحضّرة؛ وهي مجتمعات عروبيّة مظلومة لجهة الدراسات التاريخية المعمّقة المستزادة عما سبق حولها، وهي دراسات على أهمية البعض منها، إلا أنها ليست منتشرة كسياق ثقافي تعليمي متدرّج تركّز عليه مناهج تعليم بلداننا العربية، وتفرضه على نظمنا التعليمية، لاسيما في ما يتعلق بالمراحل ما قبل الجامعية، والجامعية نفسها.

دليل مادّي
ينحصر الدليل الماديّ على وجود الشعر في جزيرة العرب قبل الإسلام بمثالين: الأول: قصيدة أو ترنيمة موجّهة إلى آلهة الشمس اكتشفت مؤخراً في وادي قانية إلى الجنوب الشرقي من صنعاء، والثاني: نص قصير من «عين عُبُدات» في صحراء النقب، وباستثناء هاتين القطعتين، فإننا مجبرون على الاتكال في معرفتنا بالشعر العربي على تأليفات تعود في معظمها إلى القرن السادس، بدأ جمعها في القرن الثامن.

اقرأ أيضا