صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

عرب الجاهلية كانوا متحضّرين إنسانياًً وثقافةً وعمراناًً

يُعتبر د. عصام الحوراني (لبنان 1945) أحد المشتغلين الكبار في الميثولوجيا العربية والشرقية القديمة في الجزيرة العربية، وخصوصاً قبل ظهور الدعوة الإسلامية؛ وقد وضع في ذلك العديد من الكتب والمباحث العلمية المحكمة التي نقل بعضها إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
كما كبار علماء الميثولوجيا في الغرب والشرق معاً، يرى د. الحوراني أن الميثولوجيا أسهمت في تشكيل حضارات الشعوب، ومنها حضارة الشعب العربي. ومنذ أن بدأ الوعي البشري بالترقّي وتكوّن الخيال الخلاّق لدى الإنسان، كانت الأسطورة، وكان العلم الذي يسعى لتفسير هذه الأسطورة في مداها الحضاري والفكري وفي مؤثراتها وتأثيراتها في الإنسان وفي المجتمعات خلال حقبات متتالية من الزمن.
ومنذ الجاهلية الأولى كان العرب في الجزيرة العربية على اتصال بالشعوب المجاورة، وبما لديها من معتقدات وحضارات، فكان أن تأثروا بها وأثّروا.. وكانت لهم قبل الإسلام على حدود الصحراء في بلاد سوريا القديمة ثلاث دول هي: دولة الأنباط في الجنوب، ودولة تدمر في الشمال، ودولة الغساسنة بينهما. وهذه الدول كانت على علاقة قوية مع الدولتين العالميتين الكبريين وقتها: بيزنطة وفارس، ما جعل هذا التماس الحضاري ينقل مرايا تأثيراته عبر الدول الثلاث المذكورة إلى عرب الجزيرة.
وبعدما أفاد د. حوراني بأن تاريخ العرب القديم قبل الإسلام قد تعرّض للإهمال والضياع، يؤكد بأن عصر الجاهلية لا يرمز البتة إلى عنوانه، كما هو رائج منذ القديم، فكيف يمكن أن يُنسب الجهل إلى هذا الشعب وقسم كبير منه عرف ثقافات كثيرة وآمن بمعتقدات متنوعة؟
هنا حوار بانورامي متشعب وغزير المعلومات حول الميثولوجيا العربية ومداها في الأساطير والمعتقدات والسير الشعبية القديمة مع د. عصام الحوراني:


* ما هو مفهومك لمصطلح «الميثولوجيا العربيّة».. وما دلالاته الإنسانيّة والحضاريّة؟
** ترقى لفظة ميثولوجيا إلى أصلٍ إغريقيّ، فهي مركَّبة مِن كلمتَيْن: ميثوس، وتعني الأسطورة، والخُرافة المتّصلة بالآلهة والأبطال الخرافيين، والوهم وغيره، ولُوغُوس، وتعني العقلَ والعِلمَ. هكذا، عرّف الباحثون الميثولوجيا بأنّها عِلم الأساطير والخُرافات، العلم الذي يتحدّث عن الأوهام والخوارق والغرائب وأشياء أخرى متعلِّقة بالآلهة والأبطال الأُسطوريّين الجبابرة عبر الأعصر القديمة، وما تبقّى منها مِن معتقدات ملتصقة بأعماق الإنسان، وذلك بالاكتِساب عبر تعاقب السنين والأزمنة.

لقد أسهمت الميثولوجيا في تشكيل حضارات الشّعوب، ومنها الشعب العربي، مِن أجل هذا تكمن أهمّيّة هذا العِلم الذي يسعى لتفسير هذه الأساطير والمعتقدات، وعرضها، والبحث في مداها الحضاريّ والفكريّ، وفي مؤثِّراتها وتأثيرها في الإنسان وفي المجتمعات في خلال حقباتٍ متتالية مِن الزّمن. يقول ديكارت: «أنا أُفكِّر، إذاً أنا موجودٌ»، ومنذ أن بدأ الوعي البشريّ بالترقّي وتكوّن لدى الإنسان الخيال، كان الإيمان والحسّ الدّينيّ. كان ذلك بنسبٍ متفاوتةٍ بين إنسانٍ وآخر، وبين مجتمعٍ معيَّنٍ ومجتمعٍ آخر. وصار ثمّة ما يُمكِن أن نُسمِّيَه بالثقافة الفطريّة، إلى أن ظهر التديُّن، الذي هو صفة خاصّة بالإنسان وحده، ينفرد به مِن دون المخلوقات الحيّة جميعها. وتنوّعت هذه الأفكار المرتبطة بالخيال الهائم في عالمٍ غريب يلفّه القلق والخوف والشكّ، وتعدَّدت عبر العصور. كان لكلّ شعبٍ معتقداته الخاصّة التي أخذت ترتبط بالأوهام بفعل التراكمات الزّمنيّة، فتولّدت الخُرافات والأساطير. وصار لديهم السحر والشعوذة، ووسائل التقرُّب مِن قوى خفيّة، يُمكن أن يسيطروا بوساطتها على قوى الطبيعة الغريبة بمظاهرها المختلفة والمهدِّدة دوماً لهم، وكذلك مِن أجل تلبية غرائز دفينة لديهم.
ويبقى القلق يُساور قلب الإنسان العربيّ المتنقّل في هذه الفيافي الشاسعة المترامية الأطراف في الجزيرة العربيّة وفي مناطقهم الثلاث التي استحدثوها على أطراف بلاد الشام. تُحيط بهم الهموم، فيهرعون إلى الآلهة المختلفة يطلبون نجدتها مِن أجل طرد الأرواح الشرّيرة المتحالفة مع قوى الطبيعة وخوارقها. ومن أجل مصالحة الإنسان مع قدَرٍ خفِيٍّ يقسو عليه أحياناً، ويبتسم له أحياناً أخرى، وكذلك مِن أجل الطمأنينة وراحة البال.

آلهة العرب وأصنامهم
* هل لدى العرب ميثولوجيا بالمعنى الذي توافق عليه الباحثون؟ وما إسهاماتها في تشكّل ملامح الحضارة العربية ومنطلقاتها قبل ظهور الإسلام؟
** إذا كان تفسير الميثولوجيا يعني البحث في العلائق بين الآلهة والأبطال والناس والأنساب وغيرها، فإنّ لدى العرب ما يُشبه ذلك، وكذلك بالنسبة إلى الأساطير والخُرافات والسِّير والملاحم الشعبيّة العربيّة، فهي يُمكن أن تكون متعلّقة بعلم الميثولوجيا.
كان للعرب قبل الإسلام آلهة متعدِّدة، وتتمثّل آلهة العرب القدامى بالأنصاب والأصنام المنتشرة في طول الجزيرة العربيّة وعرضها، وأشهرها: أصنام عمرو بن لحي، إساف ونائلة، اليعبوب، ذو الشَّرى، ذو الخلَصة، ذو الكفَّيْن، ذو الرّجل، وَد، مَناة، اللات، العُزّى، هُبَل، وغيرها. كان لكلّ صنم حكاية وخُرافة وشبه أسطورة تضيق مِساحتها وتتّسع بحسب بُعد الخيال لدى عدد من أهل الفطنة والدِّراية.
وبحسب عالم التاريخ الألمانيّ كارل بروكلمان في كتابه «تاريخ الشّعوب العربية»، فلقد اعتقد العرب قبل الإسلام كغيرهم من الشّعوب الساميّة، أنّ الطّبيعة مِن حولهم مشحونة بقوى أعظم مِن قوى الإنسان. والواقع أنّ السّاميّين اعتبروا الأشجار، والكهوف، والينابيع، والحجارة العراض على الخصوص، مأهولة بالأرواح. من هنا قدّس العرب القدماء ضروباً مِن الحجارة؛ إضافة إلى جميع هذه الآلهة، اعتقد العرب القدماء مثل كثيرين غيرهم مِن الشّعوب البدائيّة، بإلهٍ هو خالق الكون. هذا الإله هو «الله» الّذي لم ينقل العرب فكرته عن اليهود والنّصارى، كما يظنّ كثيرٌ مِن الباحثين. وليس من شكّ في أنّ العرب كانوا في أوّل الأمر يُؤدّون الشّعائر الدّينيّة إلى تلك الآلهة التي كانت أقرب إليهم مِن الله، ربّ العالمين العظيم. حتّى إذا أوشك فجرُ الإسلام أن يبزغ، لم تبقَ هذه العبادة قادرة على أن تملأ وجدان العرب الدّينيّ بكامله.
ثمّة بحوث قيِّمة قام بها المستشرق الفرنسيّ رينه ديسُّو الذي كان يبحث في النقوش «الصفويّة»، التابعة لقبائل عربيّة استوطنت تلك المنطقة قبل مجيء الإسلام بزمن بعيد. وهي كتابات كانت منقوشة على صخور البازلت في إقليم الصّفا، المنطقة الواقعة عند مدخل بادية الشّام إلى الجهة الجنوبيّة الشرقيّة مِن دمشق. يقول: «تُقدِّم النصوص الصّفويّة لأوّل مرّة الدّليل القاطع على أنّ الله كان إلهاً عبده عرب الشّمال قبل أن يُصبح الإله الواحد الأحد عند المسلمين. ويدلّ على هذا بعض إشارات منها، أنّ الله كان يرد في بعض أسماء الأعلام النبطيّة المركَّبة. وقد رأينا أنّ القرآن يتحدّث عن أنّ الوثنيّين قد جعلوا الله نباتاً وأقاموا علاقة بين الله والجنّ، ويلوم النبيّ العربيّ القدماء على أنّهم أشركوا بالله حين عبدوا آلهة أخرى».

* ماذا عن اتصالات العرب في الجزيرة العربيّة قبل الإسلام بالشعوب المجاورة لهم والمتقاطعة معهم تجارياً وثقافياً وتأثيرها في تبلوُر فكرهم الأسطوريّ، الذي يشكّل جزءاً من وعيهم المتنامي ورؤيتهم للعالم رؤية مفارقة؟
** كان العرب في الجزيرة العربيّة على اتِّصال بالشعوب المجاورة منذ الجاهليّة الأولى. فكان أن تأثّروا بهذه الشعوب، وبما لديها مِن حضارات ومعتقدات. يُذكَر بأنَ آلهة أشوريّة عُبدَت في العربيّة الجنوبيّة، كذلك كان للحضارات الكنعانيّة واليونانيّة والمصريّة والفارسيّة أثرها في الشعوب العربيّة القديمة، ولا سيّما مِن ناحية العبادات، والآلهة، والأصنام، والنجوم، والطوطميّة، والجنّ وما إلى ذلك.
كان للعرب قبل الإسلام على حدود الصحراء في بلاد سوريا ثلاث دول: دولة الأنباط في الجنوب، ودولة تدمر في الشمال، ودولة الغساسنة بينهما، وكانت هذه الدول العربيّة الثلاث على علاقة قويّة مع الدولتين العالميّتين بيزنطة وفارس، حيث كان يتمّ التأثّر الحضاري والثقافي عن طريق التجارة، وهذا التأثّر ينقل عبر هذه الدول الثلاث إلى عرب الجزيرة. وهكذا، مثلاً، نذكر بأنّ حضارة الأنباط عربيّة من ناحية اللغة، وسامية من ناحية العبادة، وبيزنطيّة رومانيّة يونانيّة من نواحي الفنّ المعماري والزخرفة. ولقد تكلّم الأنباط الأراميّة إلى جانب العربيّة. وهذا يظهر في ما خلّفوه من كتابات أثريّة بالحرف النبطيّ المتّصل بالحرف الأرامي والشبيه له، إلى أن تشكّل لديهم في منتصف القرن الأوّل قبل الميلاد حرفاً نبطياً مميّزاً ومنفصلاً تماماً عن الحرف الأرامي. ومن هذا الخطّ استمدّ العرب كتابتهم، وأقدم نصّ عربيّ مكتوب بحرف نبطيّ، هو نصّ النمارَة الذي عُثر عليه عام 328 م في شرق حوران.
كذلك فعل العرب في دولتهم تدمر، فتأثّروا أيضاً بالأراميّين من ناحية اللغة، فكان التدمريّون يتكلّمون اللهجة الأراميّة الغربيّة، وهي اللهجة نفسها التي كان يتكلّمها الناس في سوريا وفي بلاد الأنباط، وهي لا تختلف عن اللهجة التي تكلّم بها السيّد المسيح.
أمّا الغساسنة الذين يرقى أصلهم إلى عرب اليمن، وقد نزحوا إثر خراب سدّ مأرب وأقاموا في حوران، وإليهم يرقى نسب أعداد كبيرة من العرب في بلاد الشام. إنّ هؤلاء الغساسنة مثل الأنباط، نقلوا إلى أجدادهم العرب في شبه الجزيرة العربيّة أشياء كثيرة وعناصر مهمّة من الحضارة السوريّة المتأثِّرة بالرومان واليونان. يقول فيليب حتّى: «إنّ هذه الدول السوريّة الواقعة على الحدود وذات الأصل العربيّ... قد مهّدت الطريق نوعاً ما لفتح العرب لسوريا في المستقبل تحت راية الإسلام..».

أساطير العرب.. الغامضة
* ينظر علماء الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا إلى الأساطير، باعتبارها مصدراً مركزياً من مصادر دراسة الشعوب وتفكيك رؤيتها للكون والإنسان، فرداً ومجتمعات. ما تعليقك؟ وكيف تترجم ذلك في ضوء ما تكوكب للعرب من أساطير كثيرة شغلتها منذ الجاهلية الأولى؟
** تبقى أساطير العرب وأخبارهم وتاريخهم شغل الباحثين الشّاغل، نظراً لِما يلفّها مِن غموضٍ بسبب ندرة المصادر التاريخيّة التي بحثت في أخبار العرب، ولم يكن لدى العرب في جاهليّتهم مِن كتابة، بل كانت أخبارهم تتناقل شفهياً من جيل إلى جيل. ولعلّ أقدم المصادر التّاريخيّة وأبرزها، والتي زوّدت الباحثين بموادّ تخصّ القبائل العربيّة، كما والعقليّة العربيّة هي: التَّوراة، وكتّاب اليونان مِن أمثال: إيسخيلُوس (525- 456 ق.م)، وهيرُدُوتُس (484 – 425 ق.م.)، وديُودُورُس الصقلّي (القرن الأوّل قبل الميلاد)، وكذلك استرابون وبطليموس مع بداية الفجر المسيحيّ، وكانا مِن الرّحّالة الإغريق المشهورين. مؤلّفات هؤلاء الكتّاب قدّمت للتاريخ العربيّ بذوراً مهمّة أسهمت إلى حدٍّ بعيد في كشف اللثام عن جزء مِن هذا التّاريخ الغامض، ثمّ جاء كتّاب عرب، بعدما صار لديهم مع الإسلام حروف وكتابة، فأضافوا أشياء كثيرة، لكنّ أكثرها اعتراها الالتباس والشكّ بمدى صحّتها، ولا سيّما بالنسبة إلى أنساب العرب وأخبارهم. قال ابن خلدون في تاريخه معقِّباً على ابن حزم الذي تكلّم على أنساب التبابعة، وهم من القبائل العربيّة القديمة: «وفي أنسابهم اختلاط وتخليط وتقديم وتأخير ونقصان وزيادة، ولا يصحّ مَن كتب أخبار التبابعة وأنسابهم، إلاّ طرف يسير لاختلاف رواياتهم وبُعد العهد». وهذا القول يصحّ بالنسبة إلى كلّ الأخبار المتعلِّقة بالأنساب، وفي مقدّمتها قصّة قحطان وعدنان، وما رُوي حول قبائل العرب البائدة: عاد، ثمود، طَسم، جَديس، جُرهُم، العَمالِقة. ثمّة أساطير كثيرة حيكت حول هذه القبائل وحول أماكنهم مِن مثال: «إرمِ ذات العِماد»، و«الحِجْر» بلد ثمود، وغيرها.
كانت هذه الأساطير تتنقّل في فيافي العرب ومدنهم ومرابعهم. تجول وتصول مع رجال كبار يحملون في أجسادهم قوى خارقة. وبعض هذه الأساطير مشترَكة تقريباً مع ثقافات الشعوب المجاورة للجزيرة العربيّة، مِن بابليّين وأراميّين وفينيقيّين وعبرانيّين. ومن هذه الأساطير نذكر: عوج بن عناق، حكاية سدّ مارب، قصرَي غمدان والخورنق، حكايات الجنّ الأسطوريّة، الأساطير في السِّير الشعبيّة (سيرة يعرب بن قحطان، سيرة الملك التبّع سيف بن ذي يزن، سيرة حمزة البهلوان، ملحمة الزير سالم، سيرة بني هلال، زرقاء اليمامة).

الجاهلية
* كيف تناقش مصطلح «الجاهلية» علمياً؟ وهل تدعو إلى إعادة النظر فيه جذرياً؟ ووفق أي منظور؟
** ثمة تفسيرات كثيرة لمصطلح الجاهليّة أو العصر الجاهلي عند العرب، فمنهم من قال بأنّ لفظة الجاهليّة ترقى إلى قوله تعالى: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى»، ومنهم من ردّها إلى الفترة الزمنيّة بين آدم ونوح؛ ويرى الألّوسي في «بلوغ الأرب» أنّ الجاهليّة هي الزّمان الذي كثر فيه الجهّال. وقال المستشرق (غولدزيهر - Goldziher) إنّ الجهل ضدّ الحلم لا ضدّ العلم، فالشعراء الجاهليّون كانوا يريدون بالجهل التوحّش لا عدم المعرفة. إنّ الأدب في الجاهليّة الأولى قبل امرؤ القيس وغيره قد ضاع بسبب عدم وجود كتابة لدى العرب الأقدمين، وأدب الجاهليّة الثانية قبيل الإسلام، دُوِّن في كتب كثيرة معروفة أمثال سيرة ابن هشام والإكليل وحياة الحيوان للدميري، ونذكر تاريخ اليعقوبي، تاريخ الرسل والملوك للطَّبري، وكتاب الأغاني للأصفهاني، ومروج الذهب للمسعودي، وكتب ابن الأثير وأبو الفدا وابن كثير والأزرقي والبلخي والقزويني والثعالبي والألوسي وابن خلدون وغيرهم.
لقد تعرّض تاريخ العرب القديم قبل الإسلام إلى الإهمال وإلى الضياع لأسباب عدّة منها عدم اكتراث الدّين الجديد بالماضي الذي سبقه أو تقديره له، وهذا ما يجري لدى كلّ الدّيانات المتعاقبة؛ والسبب الآخر يرقى إلى فقدان الكتابة عند العرب الأقدمين كما ذكرنا، فلم نعثر على مدوَّنات، كما في في بلاد ما بين النهرين وفي وادي النيل وغيره. لكنَّ المستشرقين تمكّنوا منذ القرن التاسع عشر من ترجمة عدد كبير من النقوش المتبقيّة ونشرها. راجت بين الناس فكرة الجهل الذي نسب إلى شعب عربيّ عاش في الجزيرة العربيّة قبل الإسلام، وأنا من الذين يرون أنّ في ذلك غبناً كبيراً وإجحافاً بحقّ شعب امتاز أهله منذ أقدم العصور بالذّكاء والفطنة، والكرم والسّخاء، والمروءة والنجدة والوفاء والحريّة والعزّ.

كيف يمكن أن يُنسَب إلى هذا الشعب الجهل، وقسم كبير منه قد عرف ثقافات كثيرة، وآمن بمعتقدات متنوّعة، وعلى رأسها الحنيفيّة التي تنسب إلى مِلّة إبراهيم؛ ويُذكر أنّ عبد المطّلب جدّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم) كان حنيفاً. كذلك كيف ننسى أنّ المسيحيّة النسطوريّة كان لها في طول الجزيرة العربيّة وعرضها أسقفيّات كثيرة، نذكر منها في شرق الجزيرة: أسقفيّات هجر، سماهيج، عراد، مازون... وفي غربها: نجران التي كانت مركزاً مهماً للمسيحيّة. كذلك كيف ننسى أنّ الديانة العبرانيّة كان لها جذور مهمّة في الوسط العربيّ؛ وكانت مراكزهم تلفّ الجزيرة من الجنوب في اليمن إلى الحجاز وغيرها في الشمال وبخاصّة في مدن: يثرب، تيماء، خيبر، دوش، اليمامة، نجران، دومة الجندل، البحرين وغيرها.
كيف ننعت هذا الشعب أو بعضه بالجهل، وقد بنى البيوت في حواضره، واتصل بشعوب أخرى خارج حدود جزيرته عن طريق التجارة؟
كيف ننعت هذا الشعب بالجهل وكانت لديه فنون، وعلى رأسها الموسيقى والغناء، وكان فنّانوهم يعزفون على الطنبور والعود على أنواعه والحنك والمعزفة وغيرها؟
عبادة الأصنام كانت عند العرب، كما كانت عبادة الأصنام المختلفة في بلاد ما بين النهرين وفي مصر ولدى الفرس واليونان والرّومان وغيرهم... هل نوصّف أيضاً هذه الشعوب بالجاهليّة؟! هل نقول إنّ الذين بنوا الأهرام ومنارة الإسكندريّة والجنائن المعلّقة والهياكل الضخمة وغيرها، هم من الجاهليّين؟! كلاّ، فإنّ العرب الذين عاشوا في العصر الذي سبق الإسلام، وقد طمست معظم آثارهم واندثرت لأكثر من سبب، ولم يبقَ سوى أشعار العهد الأخير، وقد ضاع معظم نتاجهم الفكري السابق، هؤلاء لا يمكن أن نصفهم بالجهل أبداً، ويجب إعادة النظر بتاريخ العرب القديم وإماطة اللثام عنه. باختصار: عرب الجاهلية كانوا متحضّرين إنسانياً وثقافة وعمراناً.

قصور الأساطير
* يقال إنّ ممّا يزيد من قيمة الأساطير كمصدر من مصادر المعرفة، أنّها ليست من صنع أفراد، بل هي من المبدَعات الجماعيّة التي أسهمت في تشكّل الوعي الإنسانيّ ورؤيته المركّبة للعالم... ما تعليقك؟
** عرّف الباحثون الميثولوجيا بأنّها عِلم الأساطير والخُرافات، العلم الذي يتحدّث عن الأوهام والخوارق والغرائب وأشياء أخرى متعلِّقة بالآلهة والأبطال الأُسطوريّين الجبابرة عبر العصور القديمة، وما تبقّى منها مِن معتقدات ملتصقة بأعماق جماعات من الأقوام، وذلك بالاكتِساب عبر تعاقب السنين والأزمنة. والأساطير تتصل بعقليّة الأمّة العربيّة، كما ترتبط بخيالها، الذي يستمدّ قبسه من بيئة طبيعيّة واجتماعيّة خاصّة ومميّزة.
كانت هذه الأساطير تتنقّل حكاياتٍ متفرّقة في فيافي العرب ومدنهم ومرابعهم. تجول وتصول مع رجال كبار يحملون في أجسادهم قوى خارقة. وبعض هذه الأساطير مشترَكة تقريباً مع ثقافات الشعوب المجاورة للجزيرة العربيّة، مِن بابليّين وأراميّين وفينيقيّين وعبرانيّين. هذه الأساطير التي ربّما كانت من إبداع خيال فرد أو أفراد أو لعلّها تخفي حقائق تاريخيّة مغرقة في القدم لم يتبقَّ منها سوى ذكريات مشوَّشة راحت تكبر مثل كرة الثلج وتتكثَّف ويُزاد عليها أخبار وأخبار عبر الأزمنة المتلاحقة، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم.
الخيال التصوّريّ الجماعيّ، هو الموضع الذي تتولّد فيه الأساطير، وهو الباب الذي تخرج منه. والعربيّ في ماضيه القديم كان واسع الخيال التصوّريّ وكان لديه القابليّة لتوليد الأساطير.
* كيف يحدث أن سد مأرب وقصري غمدان والخورنق هما من الأساطير؟ أي ربط بين الواقع والميثولوجيا نجده هنا؟
** كثيرة هي أساطير العرب الباقية نذكر منها: سدّ مأرب وحكاية انهياره، قصر غمدان في اليمن الذي أسّسه، كما تقول الأسطورة، سام بن نوح، ولا ننسى قصّة قصر «الخَوَرْنَق» الغريبة في نواحي العراق، القصر الذي بناه «سنِمّار» المشهور.

وحكاية سدّ مأرب الأسطورة تقولُ إنّه كانَ في بِلادِ اليمنِ مَلِكٌ كاهِنٌ اسْمُه عُمْران، يَعْرِفُ عِلْمَ الْغَيْبِ، وَيَتَنَبَّأُ بِالْمُسْتَقْبَل. وَكانَ هَذا الْمَلِكُ يَتَحَدَّثُ دائِماً عَنْ خَرابٍ سَوْفَ يَأْتي، وَيَعُمُّ الْبِلادَ كُلَّها، وَالنَّاسُ كانوا لا يُبالونَ بِأَقْوالِهِ، وَيَقولونَ إِنَّهُ شَيْخٌ عَجوزٌ يَهْذي. وَقَبْلَ أَنْ يَموتَ هَذا الْمَلِكُ الْعَجوز، قالَ لأَخيهِ عَمْرو: اِسْمَعْ يا أَخي، هُناكَ في مَكانٍ ما في الْيَمَن امْرَأَةٌ تَسْتُرُ عِلْمَ الْغَيْبِ الَّذي عِنْدي، وَاسْمُها ظَريفَة، فتنَبَّهْ لَها. وكان كما قالتِ حكاية الأسطورة المثيرة، فقد حدث فعلاً ما تنبّأت به الكاهنة ظريفة وتخرّب سدّ مأرب.
أما الْخَوَرْنَقُ، فَكانَ في الْحيرةِ في الْعِراقِ، أَمَرَ الْمَلِكُ الْعَرَبِيُّ النُّعْمانُ بْنُ امْرِئ الْقَيْسِ، الَّذي مَلَكَ ثَمانينَ سَنَةً، سَنِمّارَ الرّومِيَّ بِبِنائِهِ، وَقَدِ اسْتَغْرَقَ بِناؤهُ سِتّينَ سَنَةً، فَكانَ سَنِمّارُ يَبْني ثَلاثَ سَنَواتٍ، وَيَغيبُ خَمْسَةً، إِلى أَنِ انْتَهى مِنْ بِنائِهِ. وَصَعِدَ النُّعْمانُ إِلى رَأْسِ الْقَصْرِ، وَشاهَدَ الْبَحْرَ، وَالنَّخْلَ، وَالظِّباءَ... وَقالَ: ما رَأَيْتُ مِثْلَ هَذا الِبِناءِ قَطُّ... فَقالَ لَهُ سَنِمّارُ: أَنا أَعْلَمُ أَنَّ حَجَراً مُعَيَّناً في مَكانٍ ما مِنْ هَذا الْقَصْرِ، لَوْ أُزيلَ لَتَهَدَّمَ الْقَصْرُ كُلُّهُ، فَسَأَلَهُ النُّعْمانُ: هَلْ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُكَ؟ أَجابَ: لا، أَبَداً... قالَ لَهُ النُّعْمانُ: وَلَنْ أَجْعَلَ أَحَداً يَعْرِفُهُ... وَأَمَرَ في الْحالِ بِإِلْقاءِ سَنِمّارَ مِنْ أَعْلى الْقَصْرِ، فَتَقَطَّعَ وَماتَ. وَضَرَبَ العَرَبُ فيهِ الْمَثَلَ، فَقالوا: «جَزاهُ جَزاءَ سَنِمَّارَ!» لِلَّذي يَصْنَعُ خَيْراً فَيُجازى شَراً.

* وهل من تفاصيل بعد عن قصر «غمدان»، الذي يقال إنه من القصور العجيبة، المشهورة والأبعد سرّاً في التاريخ القديم للجزيرة العربية، وهو الأمر الذي جعل الروائي الإيطالي الراحل إمبرتو إيكو يعترف (في حوار أجريته معه شخصياً في الصين في العام 2001) بأن قصر «غمدان كان أحد مصادره الأسطورية للنظر أسطورياً في قصور أوروبا القديمة المدجّجة بالغموض والأسرار، وتوظيفها في أدبه بعامة، ولا سيما في روايته «اسم الوردة»؟
** قَصْرَ غَمْدانَ، هُوَ أوَّلُ قَصْرٍ بُنِيَ في الْيَمَن، وَكانَ أَكْثَرَها شُهْرَةً، وَأَبْعَدَها سِراً. بِناءَهُ يَرْجِعُ إِلى سام بن نوح، وإنَّهُ واحِدٌ مِنَ الْقُصورِ الَّتي أَمَرَ الْمَلِكُ سُلَيْمانُ الْجِنَّ بِبِنائِها لِلْمَلِكَةِ بِلْقيسَ، مَلِكَةِ سَبَأَ في جَنوبِ غَرْبيِّ الْجَزِّيرَةِ الْعَرَبِيَّة. وسُمِّيَ بِهَذا الاسْمِ تَيَمُّناً بِالَّذي بَناهُ، وَكانَ اسْمُهُ غَمْدان. قالوا إِنَّ هَذا الرَّجُلَ اسْتَقْدَمَ الْبَنَّائينَ مِنْ أَجْلِ بِناءِ هَذا الْقَصْرِ الْعَظيمِ، وَبَيْنَما كانوا يَمُدُّونَ خَيْطاً لِقِياسِ الْمَكانِ الْمُعَدِّ لِبِناءِ الْقَصْر، إِذْ بِطائِرٍ يَنْقَضُّ عَلى هَذا الْخَيْطِ، فَيَحْمِلُهُ بِمِنْقارِهِ، وَيَطيرُ بِهِ مُحَلِّقاً، وَغَمْدانُ وَمَنْ مَعَهُ يَلْحَقونَ بِهِ، إِلى أَنْ حَطَّ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ، حَيْثُ رَمَى الْخَيْطَ وَطارَ. عِنْدَها أَمَرَ غَمْدانُ بِبِناءِ الْقَصْرِ في ذَلِكَ الْمَكانِ مِنْ مَمْلَكَةِ سَبَأَ.
جَعَلَ الْبَنّاؤونَ حِجارَةَ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ وُجوهِ الْقَصْرِ الأَرْبَعَةِ مُخْتَلِفَةً عَنِ الْوُجوهِ الأُخْرى: وَجْهٌ بِحِجارَةٍ سَوْداءَ، وَوَجْهٌ آخَرُ بِحِجارَةٍ بَيْضاءَ، وَالثّالِثُ جَعَلوا لَهُ حِجارَةً حَمْراءَ. أَمَّا الأَخيرُ، فَقَدْ رَصَفوا لَهُ حِجارَةً خَضْراءَ. كانَ لِلْقَصْرِ سَبْعَةُ سُقوفٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَقْفٍ وَالآخَرِ أَرْبَعونَ ذِراعاً، وَوَضَعوا في زَوايا الْقَصْرِ الأَرْبَعِ تَماثيلَ لأَرْبَعَةِ أُسودٍ مِنَ النُّحاسِ الْمُجَوَّفِ، فَإِذا هَبَّتِ الرّيحُ، راحَتِ الأُسودُ تَزْأَرُ كَما الْحَقيقَة. وَضَعوا فيهِ مَصابيحَ، تُنيرُ الْقَصْرَ كُلَّهُ، وَتَبْدو لِلنّاظِرِ، كَما الْبَرْقِ مِنْ بَعيدٍ. وَكانَ فيهِ أَجْراسٌ تَقْرَعُها الرِّياحُ كُلَّما هَبَّتْ.

أيام العرب
* يُصنّف بعضهم حروب البسوس وداحس والغبراء وذي قار، بأنها من أساطير العرب الكبرى، وقد جرت على ألسنتهم كأنّها وقائع ماثلة ودروس مستفادة، وخصوصاً أنها لا تزال متداولة على ألسنتهم وفي أدبيّاتهم السياسيّة والاجتماعيّة حتّى اليوم... ما تعليقك؟
** «أيّام العرب» هي حروب كثيرة جرت بين القبائل العربيّة نذكر منها: حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب، داحس والغبراء بين عبس وذبيان، الفجار بين قريش وكنانة من جهة وغطفان وهوازن من جهة أخرى، طسم وجديس بين قبيلتي طسم وجديس، يوم حليمة بين المناذرة والغساسنة وغيرها. أمّا أيّام العرب بينهم والفرس والرومان، فنذكر منها: ذي قار بين قبيلتي شيبان وبكر والفرس الساسانيّين، وفي هذه الحروب نلاحظ الحيويّة والحركة على أشدّها، ولو أنّه ينقص أكثرها تدخّل الآلهة القديمة بخوارقها، ولو حدث ذلك لكانت شبيهة بالملاحم والأساطير الإغريقيّة.
تناولت حكايات هذه الحروب أخبار العرب، فهي تصوّر ما كان لديهم من مكارم الأخلاق، والملاحم والبطولات، كما نراها تُنتج أدباً مُشرقاً يضجّ بالحركة والتفاعل والوصف. كان الشعر يواكب أدب الحرب هذا، فيُحرّض على القتال ويثير الحماسة والحميّة، ويستثير الهمم والعزائم، فيذكِّر بالأمجاد والأنساب، كان شعر الحرب هذا أشبه بالوثيقة، وما أجمل ابن رشيق حين قال: «وكان الكلام كلُّه منثوراً، فاحتاجت العربُ إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب أعرافها، وذكر أيّامها الصالحة، وأوطانِها النازحة، وفرسانها الأمجاد، وسُمَحَائها الأجواد؛ لتَهُزَّ أنفسها إلى الكرم، وتدُلُّ أبناءها على حسن الشيم، فتوهموا أعاريضَ جعلوها موازينَ الكلام...».

يعرب بن قحطان
* لنتحدث عن يعرب بن قحطان، والذي ينسب إليه أنّه كان أوّل من قال الشعر وَوَزَنه. وقد جاء من نسله كما تقول السيرة والأسطورة، السبئيّون بناة سدّ مأرب، وكذلك جاء الحميريّون وملكهم العظيم حِمْيَر.. ومن الحِمْيَريين خرج أيضاً لقمان الحكيم، الذي عمّر كثيراً وترك حكايات أسطوريّة عدّة، من أبرزها حكايته مع نسوره السبعة... ماذا عن يعرب بن قحطان ونسله من الرّموز الكبيرة في تاريخ جزيرتنا العربيّة القديم؟
** سيرة يعرب بن قحطان، هي من السِّير العربيّة القديمة، فيَعرُب بن قحطان، الذي، كما تقول سيرته، كان أوّل مَن تكلّم اللّغة العربيّة. وقد خرج يعربُ هذا بقومه مِن بابل واتّجه نحو اليمن، وهناك طرد جماعة حام ونفاهم إلى غربيّ الأرض، فأتاه بنو يافت مذعنين، فأمرهم بالإقامة ورفع عنهم الجور الذي كانوا يُؤدّونه إلى بني حام. عمّر يعرب أرض اليمن وغرس الأشجار، ويُنسب إليه أنّه كان أوّل مَن قال الشِّعرَ ووزنه.. هي سيرة طويلة تروي حكاية هؤلاء الأقوام الذين عمّروا اليمن، وقد جاء مِن نسلِ يعرب، كما تقول السّيرة الأسطورة، السّبئِيّون الذين بنوا سدّ مأرب، وكذلك جاء الحِميريّون ومؤسِّس هذه الأسرة الملك العظيم حِمْيَر الذي كما تروي السّيرة: «وطأ الأممَ وداس الأرضين وأمعن في المشرق حتّى أبعد يأجوج ومأجوج». ومنهم خرج أيضاً لقمان الحكيم، الذي عمّر كثيراً، وحكايته مع نسوره السبعة مشهورة في كتب السّير، عندما دعا الله وسأله:

اللهمّ يا ربَّ البِّحارِ الخُضر
والأرضِ ذاتِ النَّبتِ الفِطرِ
أسألكَ عُمْراً يفوقُ كلَّ عُمرِ

وأجاب الله دعوته، وأُعطِيَ ما طلب، شرط أن يختار إمّا: سبع بقراتٍ عُفْر، أو سبع نوبات مِن تمر، أو أن يبقى على نسوره السّبعة. فاختار النُّسورَ السَّبعة، وأُعطِي عمراً طويلاً. كان النّاس يأتونه مِن كل أنحاء المسكونة، فيحكم بينهم، ويفصل في قضاياهم المعقَّدة. وحكايته مع زوجته التي خانته مشهورة. لقد ارتبط هذا الحاكم بالطّائر النّسر، فكان بمنزلة طوطمه الجارح. وهذا الطّائر بالذّات كان معبوداً لدى القبائل السّبئيّة، وكان اسماً لإله عبدوه، وقد جاء ذكره في النقوش السّبئيّة: (بيت نسور وبيت إيل)، ولفظة بيت تعني المعبد. وكان هذا الإله أحد ألقاب القمر. كان النّسر طائراً مقدَّساً لدى عرب الجنوب، وقد أطلقوا على عابديه اسم «أهل نسور»، كما سُمِّي أحد أشهُر السّنة السّبئيّة المتأخِّرة بِـ«ذي نسور».

السير الشعبية
* كيف تقيّم وتقوّم كباحث مختصّ السير الشعبية العربية والأسطورة فيها، ومنها مثالاً لا حصراً: سيرة سيف بن ذي يزن (الملك الحميري المعروف) وسيرة حمزة البهلوان وسيرة بني هلال.. وأسطورة زرقاء اليمامة... إلخ؟
** سيف بن ذي يزن هو في حقيقته التّاريخيّة ملك حِميريّ يمنيّ، طرد الأحباش مِن اليمن بمساعدة كِسرى أنوشروان الفارسيّ، توفي الملك سيف سنة 574م. صارت له سيرة شعبيّة مشهورة، فيها قصص البطولات والمغامرات الّتي خاضها في أثناء هذه الحرب. وتؤرِّخ السّيرة أيضاً لأنساب القبائل العربيّة ولحروبهم، وخصوصاً الحرب التي كان يشنّها سيف بن ذي يَزن على الأفارقة الأحباش وعرب الشّمال. إنّها تدوِّن تاريخ المعارك بين السّاميّين والحاميّين، وذلك بحسب ما كان يُمليه كتّاب هذه السّيرة. في السّيرة بحث في أمور عنصريّة غريبة، فهي تتحدّث عن أسباب تبدّل لون الأفارقة الذين اكتسبوا اللّون الأسود بسبب لعنة أُصيبوا بها. تتحدّث السّيرة عن معصية ارتكبها حام بن نوح في خلال حجِّه للبيت الحرام في مكّة. تقول السّيرة أيضاً إنّه بعدما عمّ الطّوفان الأرض كلّها، قذفت الرِّياح بسفينة نوح إلى أرض مكّة. فما كان مِن نوح إلّا أن هبط هناك وراح يطوف بالبيت الحرام أسبوعاً، ثمّ إنّه أخبر أولاده بأنّه وإيّاهم في أرضٍ حرام، وأنّهم في حجٍّ ويتحتّم عليهم، بحسب الأعراف المقدَّسة، ألا يقربوا نساءهم وأن يعتزلوهُنّ. فجعل نوح للنساء مكاناً وللرِّجال مكاناً آخر. ووضع على الطّريق بين المكانيْن رماداً، لكي تُنبئَ آثار وقع الأقدام على الرّماد ما إذا كان أحد الرِّجال يزور النساء. لم يستطع حام فراق زوجته واسمها «أذنق نشا»، فاجتاز الدّرب بين مكان إقامته ومكان إقامة زوجته، ودخل على زوجته وبنى بها في تلك الليلة. عند الصّباح، وبحسب ما ظهر مِن آثار أقدامٍ على الرّماد، سأل نوح أولاده: مَن يكون الذي عصى أمره؟ وكتم حام الأمرَ، وأجاب الآخرون بالنّفي. هنا رفع نوح صوته مردِّداً: «اللهمَّ سوِّد وجهَهُ ووجهَ ذرِّيِّة مَن عصى ووَطِئَ امرأته». وولدت زوجة حام غلاماً أسود اللّون سمّاهُ كوشا. وهكذا تكون دعوة نوح قد لحِقت حام وذرِّيته إلى أبد الدّهر، وصار لون بشرة النّاس في تلك المناطق الأفريقيّة أسود.
أمّا بخصوص سيرة حمزة البهلوان، فبدأت بحلم تراءى لكِسرى في أثناء نومه، يصوِّر كيف أنّه شعر بجوعٍ كبير، فقُدِّمت له مائدة مِن ذهبٍ عليها صحن مِن العاج مرصَّع بالنُّقوش، وعليه إوزّة كبيرة مقليّة شهيّة. ما إن اقترب منها كِسرى حتّى هجم عليه كلبٌ كبير واختطفها منه. وفيما يهمّ الكلب بالخروج، ينقضّ عليه أسدٌ هصور فينتزعها منه بعد أن يقتله ويُعيدها إلى كِسرى. يستيقظ كِسرى من نومه ونفسه تضجّ بهذا الحلم الغريب. يسأل وزيره الحكيم بُزرجمَهر عن تفسير لهذا الحلم، فيُقدِّم الوزير دلالات معيَّنة لما تُشير إليه رموز هذا الحلم. فالإوزّة ترمز إلى الإمبراطوريّة التي يحكمها كِسرى، والكلب هو العدوّ الخيبريّ الّذي ينوي التغلّب على كِسرى وانتزاع الملك منه. والأسد المنقذ هو البطل العربيّ حمزة. يُرسل كِسرى وزيره الحكيم محمَّلاً بالهدايا والجواهر بحثاً عن هذا الغلام المنقذ حتّى يصل إلى مكّة. استقبله حاكمها وكان اسمه إبراهيم، رجل يخاف الله، وقورٌ حليمٌ، وكانت امرأته حاملاً، فإذا بهم يُبشِّرونه بمقدم الأمير المولود الجديد، وكان ذلك في حضور الوزير الذي طلب منه أن يُسمِّيَه حمزة. هكذا كان، وصار حمزة هذا بطل السّيرة الذي يعتلي فيما بعد عرش الملك النعمان، ويُخلِّص كِسرى مِن عدوِّه الخيبريّ، ويفتح القسطنطينيّة وبلاد اليونان، ومصر وبلاد الشّام وفلسطين، ويُحاصر مكّة وعاصمة الفرس. هذا البطل الصنديد الّذي لا يُقاوَم، حمزة العربيّ صاحب المغامرات، هو الذي تحدثُ معه العجائب والغرائب، فيلتقي الجنَّ في جبال قاف وفي الأسفار البحرّيّة، ويتيه في عوالم الجنّ الغريبة، ويكاد يغرق في لججهم حتّى يُنقذه منهم تابعُه عُمر العيّار.
* هل تعتبر السير والمعتقدات الشعبية جزءاً لا يتجزأ من الميثولوجيا؟
** إنّ التراكم السِّيَريّ في التراث العالميّ يجعلنا نتعثّر أحياناً في عمليّة جمع هذا التُّراث وتنقيته ودرسه وإعادة البحث في أصوله التّاريخيّة ومداه في العقليّة العربيّة بشكلٍ خاصّ، ولا سيّما أنّ السِّيَر تتضمّن حكاياتٍ غريبةً لأبطالٍ ربّما كانوا مِن الحقيقة، ولكنّ السّرد السِّيَري الشّفهيّ مع تعاقب الأجيال المتبدِّلة، جعلها تتلوّن بخُرافاتٍ وأوهام وأساطير تلك الشُّعوب التي كانت تتداولها. كذلك فقد يعلق بهذه السِّيَر وما فيها من أنسابٍ حوادث طارئة ودخيلة بحسب المكان والزّمان التي تتولّد فيها هذه السِّيَر. كلّ مجتمع في هذه المناطق العربيّة كان يُضيف إلى هذه السّيَر أشياء من مأثوراته الشّعبيّة ومن معتقداته وخُرافاته. من هنا نرى أنّ عمليّة جمع هذه السّيَر وإعادة دراستها لها أهمّيّتها البالغة، فهي تقدِّم إلى المكتبة العربيّة كنزاً ثميناً، يُمكن للباحثين من خلاله دخول عالم الميثولوجيا العربيّة المتنوِّعة المواطن والمشارب والألوان.


نقش النمّارة
جاء في الموسوعة الإلكترونية «ويكيبيديا» أن نقش النَّمارة أو حجر نمارة أو كما يعرف بنقش امرئ القيس هو ما يُعتقد أنه مرحلة سابقة للعربية الفصحى، ويرجع تأريخه إلى عام 328م وكان قد كتب بالخط النَّبطي المتأخر. وقد عثرت عليه البعثة الفرنسية في مطلع القرن العشرين في قرية النمارة شرقي جبل العرب بسورية. ويعتقد غالبية المختصين أن نقش النمارة هو شاهد قبر امرؤ القيس بن عمرو الأول، أحد ملوك المناذرة في الحيرة قبل الإسلام. وقد تم تحديد تأريخ وفاته بالعام 328 ميلادي بناء على قراءاتهم لهذا النقش. ويُلاحَظ من دراسة نص النمارة، حسب بعض المختصين، التطوُّر الواضح من الثمودية واللحيانية والصَّفَوِية إلى العربية الفصيحة. يحتفظ متحف اللوفر في باريس بالنسخة الأصلية للنقش.

أيام العرب
«أيّام العرب» هي حروب كثيرة جرت بين القبائل العربيّة نذكر منها: حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب، داحس والغبراء بين عبس وذبيان، الفجار بين قريش وكنانة من جهة وغطفان وهوازن من جهة أخرى، طسم وجديس بين قبيلتي طسم وجديس، يوم حليمة بين المناذرة والغساسنة وغيرها. أمّا أيّام العرب بينهم والفرس والرومان، فنذكر منها: ذي قار بين قبيلتي شيبان وبكر والفرس الساسانيّين، وفي هذه الحروب نلاحظ الحيويّة والحركة على أشدّها، ولو أنّه ينقص أكثرها تدخّل الآلهة القديمة بخوارقها لكانت شبيهة بالملاحم والأساطير الإغريقيّة.

كنز ميثولوجي
إنّ التراكم السِّيَريّ في التراث العالميّ يجعلنا نتعثّر أحياناً في عمليّة جمع هذا التُّراث وتنقيته ودرسه وإعادة البحث في أصوله التّاريخيّة ومداه في العقليّة العربيّة بشكلٍ خاصّ، ولا سيّما أنّ السِّيَر تتضمّن حكاياتٍ غريبةً لأبطالٍ ربّما كانوا مِن الحقيقة، ولكنّ السّرد السِّيَري الشّفهيّ مع تعاقب الأجيال المتبدِّلة، جعلها تتلوّن بخُرافاتٍ وأوهام وأساطير تلك الشُّعوب التي كانت تتداولها، كذلك فقد يعلق بهذه السِّيَر وما فيها من أنسابٍ حوادث طارئة ودخيلة بحسب المكان والزّمان التي تتولّد فيها هذه السِّيَر. كلّ مجتمع في هذه المناطق العربيّة كان يُضيف إلى هذه السّيَر أشياء من مأثوراته الشّعبيّة ومن معتقداته وخُرافاته. من هنا نرى أنّ عمليّة جمع هذه السّيَر وإعادة دراستها لها أهمّيّتها البالغة، فهي تقدِّم إلى المكتبة العربيّة كنزاً ثميناً، يُمكن للباحثين من خلاله دخول عالم الميثولوجيا العربيّة المتنوِّعة المواطن والمشارب والألوان.

مصادر الأساطير
تبقى أساطير العرب وأخبارهم وتاريخهم شغل الباحثين الشّاغل، نظرًا لِما يلفّها مِن غموضٍ بسبب ندرة المصادر التاريخيّة التي بحثت في أخبار العرب، ولم يكن لدى العرب في جاهليّتهم مِن كتابة، بل كانت أخبارهم تتناقل شفهيًّا من جيل إلى جيل. ولعلّ أقدم المصادر التّاريخيّة وأبرزها، والتي زوّدت الباحثين بموادّ تخصّ القبائل العربيّة، كما والعقليّة العربيّة هي: التَّوراة، وكتّاب اليونان مِن أمثال: إيسخِلُوس، وهيرُودُوتُس، وديُودُورُس الصقلّي (القرن الأوّل قبل الميلاد)، وكذلك استرابون وبطليموس مع بداية الفجر المسيحيّ، وكانا مِن الرّحّالة الإغريق المشهورين.