الاتحاد

ثقافة

«المالد».. طقس عرفاني في مديح الحبيب

إبراهيم الملا

بحضور سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، تنظم وزارة الثقافة وتنمية المعرفة، في السادسة والنصف مساء اليوم «الأحد» على مسرح المجمع الثقافي بأبوظبي أمسية المولد النبوي الشريف، احتفاءً بالذكرى العطرة لميلاد الرسول الكريم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، في الثاني عشر من ربيع الأول.
وتبرز الأمسية الإبداعية الحافلة بالعروض الأدائية، تنوع وجمال الثقافة والفنون الإسلامية، وتسلط الضوء على تقاليد المالد الإماراتي. وتشارك فيها مجموعة من فرق الإنشاد الديني من الإمارات والعالم العربي، وهي: مجموعة المالد الإماراتي، فرقة الحضرة النسوية الشفشاونية من المغرب، وفرقة الحضرة للإنشاد الديني من مصر، وفرقة المرعشلي للإنشاد الديني من سوريا، وفرقة داعي الندى للإنشاد من إندونيسيا، ومجموعة مالد الأجيال الإماراتية. وتأتي الأمسية، في إطار احتفالات الوزارة بهذه المناسبة الشريفة، التي تقام على مدار ثلاثة أيام، من 7 إلى 9 نوفمبر الجاري في كل من أبوظبي ودبي، والتي تهدف إلى تأكيد التزام الوزارة بالاستفادة من كل المناسبات، التي تسهم في تسليط الضوء على إبداعات الثقافة والفنون الإسلامية، بمختلف أشكالها وأنماطها.
ويعد فن المالد الإماراتي، من أشكال الفنون التراثية العريقة المرتبطة بالثقافة الإسلامية، والمتوارثة في المجتمع المحلي، وتشتهر بأدائها العديد من الفرق الشعبية في الإمارات، التي تحتفي سنوياً بهذه الذكرى العطرة، حيث تلقى الأشعار والأناشيد والمدائح النبوية في مدح الرسول الكريم وأخلاقه، كما تعم الاحتفالات بهذه المناسبة كافة أقطار العالمين العربي والإسلامي.
وفي هذه الاحتفالات تتجلى المحبة بكامل بهائها وعنفوانها وألقها، حيث يكون الاتصال بالحضرة النبوية هو مطلب العارفين، ومسعى الراغبين، وشوق الذائبين في الشمائل النبوية، والصفات المحمدية، المحاطة بالطبائع المكتملة، والأخلاق المنفردة، والبركات المزدانة بالمدد السماوي، وبالنور الفائض على النور، وبالوهج السيّال من منبع الكمالات، وبأعلى الرتب الإلهية التي خصّها الخالق لخاتم الأنبياء، وأبهى الأسماء، وقائد الأتقياء.
ويعتبر فن «المالد» في الإمارات من أكثر مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي تميزاً وحضوراً وفعالية في تشكيل النسق الديني والشعبي والتراثي والوجداني لأهل الإمارات، إزاء هذه الاحتفالية الغالية والراسخة في الذاكرة المحلية، بما يتخلّلها من تبجيل ومديح وعرفان لمقام النبي، ولحضوره الساطع في الوعي الجمعي.

جذور المالد ونشأته
كلمة «المالد»، هي تحوير لفظي، واشتقاق عامّي محلّي لكلمة «المولد»، المتصل بنسيجه العربي والإسلامي باعتباره قيمة دينية وإيمانية كبرى، قديما وراهنا ومستقبلا، وهناك العديد من الأسماء والقامات الدينية والشعرية والإنشادية التي ساهمت في ظهور وانتشار فن المالد بالإمارات، وكان لها دور ريادي أساسه البذل والجهد والمداومة من أجل تعميم هذا الضرب من المكابدة الروحية والممارسة الطقوسية ذات المسعى النبيل، والتوق الرهيف، والغاية الناجزة في استحضار الوجد وتأكيد المحبة تجاه أشرف الخلق، وأعلاهم مقاما، وأجلّهم مكانة.
وكما يشير الباحث ثاني المهيري، فإن من أبرز الشخصيات القيادية التي أحيت ليالي المولد النبوي في النطاق المحلي الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، وجدّه الشيخ زايد بن خليفة - غفر الله لهما- حيث كان الشيخ شخبوط يدعو جميع المنشدين، وجميع أهالي أبوظبي للاجتماع في قصر الحصن في الثاني عشر من شهر ربيع الأول لإنشاد المدائح النبوية والاستماع لها، والمشاركة في هذه المناسبة الدينية العظيمة، وأكمل هذه العادة المحمودة، وهذه المناسبة الجليلة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيّب الله ثراه- ومازالت الاحتفالات البهيجة بهذه المناسبة قائمة ومتواصلة على أيدي أبناء الشيخ زايد الكرام إلى اليوم.
وتشير الدراسات إلى أن ملامح وبدايات ظهور فن المالد في الإمارات تشكلت ضمن آلية التأثّر والتأثير، وارتبطت بالهجرات والأسفار وظهور شخصيات قادمة من بلدان بعيدة، سكنت واستقرت قديما في المكان، واتصفت بالزهد والتصوّف والصلاح، فساهمت بقوة في إشاعة المظاهر الدينية المرتبطة بمولد النبي، وجعلت من ذكر الله ومن اسم النبي محمد، اسمان موصولان بالشعر والأدعية والابتهالات، فصارت نسيجا متداخلا مع شؤون الحياة، واحتفالا مرتبطا بمناسبات شعبية كثيرة كالأعراس، والولادة، والختان، وختم القرآن، والانتقال إلى منزل جديد، والعودة من السفر، وغيرها من الاحتفالات المحلية التي ازدانت بالصبغة الدينية. ففي كتابه: «رحلة إلى الصير» يتحدث الباحث والشاعر الراحل أحمد راشد ثاني عن زيارات المتصوّف اليمني علوي بن أحمد حسين الحداد إلى الصير وهو الاسم القديم لرأس الخيمة في القرن الثامن عشر الميلادي، مستعينا بمخطوطات أصلية تضمنت انطباعات ومذكرات دوّنها الحدّاد، وبمنظومات وأبيات لساكن الصير الشاعر محمد بن صالح المنتفقي، مشيرا إلى أثر الرجلين في ظهور الفرقة الصوفية العلوية عند البحارة في المنطقة، وعلى الأخصّ فن الصوت من خلال قصائد تنتسب إلى ما يسمى بالشعر الحميني المشهور في اليمن.
وهناك من يرى أن تأسيس فن المالد يعود إلى محمد عمر الأفغاني الذي عاش في دبي بين أعوام 1870 و1918، وأسس مدرسة صوفية تنتمي على الأغلب إلى الطريقة القادرية (نسبة إلى عبدالقادر الجيلاني) في منطقة الرفاعة، وكان يؤمها في ذلك الحين الشيخ سعيد بن مكتوم الذي تأثر بزهد وورع الشيخ الأفغاني والذي كان يقيم الموالد وحلقات الذكر. وقد التحق الشيخ عبد الله المريد (والد الشيخ عبد الرحيم المريد) بالأفغاني وعاش طالباً ومريدا ومساعداً عنده في العقد الأول من القرن العشرين، كما نجد أسماء عدة في بداية القرن العشرين ومنهم الشيخ أحمد بن راشد بن شبيب، والشاعر والقاضي علي بن سالم بو ملحا المرر، وثاني بن محمد بن عفصان، والشيخ محمد بن علي بن دعفوس، والعلّامة عبدالله بن محمد الخزرجي، والشيخ عبد الله بو ملحه، ومحمد بن رهيف، والسيد الشنقيطي، والشيخ محمد نور، والشيخ أحمد الشيباني، وعبيد بن قمبر، والشاعر عبدالله بن سليّم، والمريد عبدالله الهاشمي في أبوظبي، ويعتبر أحمد بن حافظ هو آخر شيوخ المالد في دبي.

أناشيد وإيقاعات
المالد احتفالية سنوية يجتمع فيها طائفة من الناس على تلاوة القرآن وقراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنشاد المدائح النبوية المحركة للقلوب والمحفّزة على فعل الخيرات وعمل الصالحات ويكون القول مشمولا بالعبارة والاستعارة، والأداء مقرونا بالرمز والإشارة، ويكون الاحتفال مصحوبا بحركة وتمايل الأجساد وسط إيقاع متناغم مع صوت الدفوف والآهات المشتملة على الحمد والتسبيح لله، واستحضار سمت ومقام النبي للاقتداء بهديه والاسترشاد بمناقبه، ويقام هذا التجمّع في غير مناسبة ولادة النبي ويسمى مولدا أيضا، حسب ما يذكر الباحث ثاني المهيري.
ويعتبر «النظّيم» هو العنصر البشري الأساسي والأهم في توليد الإيقاعات الصوتية، وتشكيل البنية الأدائية لفن المالد، فهو المنشد الرئيسي، الذي يقود دفة المالد ويوجهها اعتمادا على نوعية الأدعية والقصائد الابتهالات التي ينشدها، ويتحكّم من خلالها بمسار الأداء صعودا وهبوطا، بمعية الأصداء اللحنية والتكوينية للمؤدين في جانبين متقابلين لخلق نوع من التفاعل والحيوية والديناميكية بين المرسل والمستقبل، وبين القول والجواب، حيث يجلس بقرب المنشد صف من قارعي الدفوف، وفي المقابل يجلس الصف الآخر ويطلق عليه صف (الرَّدّيده) حيث يقومون بمقام (الكورس)، ما يصنع في النهاية طقسا دينيا حميميا يتأثر به الحضور، فيصبح الجميع متضامنين في النشوات الروحية، والتجليّات العرفانية.
و«مالد السِّماع» أو «السّماعي» هي الصفة الأشهر لاحتفالات المولد النبوي في الإمارات مقارنة بالدول العربية والإسلامية الأخرى، ويؤدى المالد السماعي عادة بعد صلاة العشاء ويستمر حتى ساعة متأخرة من الليل، ونشأ هذا الضرب من فنون المالد إثر الخبرة المتراكمة للمريدين والمنشدين المحليين، فجعلتهم يشقوّن طريقة خاصة في نوعية الأداء الجسدي وطبيعة الأشعار والقصائد المخصصة لمدح النبي، وذلك اعتمادا على خصوصية اللهجة والبيئة وطرائق الإيقاع الموسيقي المحلي، ومراعاة الأعراف السائدة التي تتجنب المبالغة والإفراط والشطط في هذه الاحتفالات المخصصة أساسا لتهذيب النفس، والارتقاء بالحواس، ونشر التآلف والمحبة بين أفراد المجتمع.
وكما تذكر بعض الدراسات الشارحة لهذا الطقس الديني العرفاني فإن «مالد السماع» يعود لجذور قديمة أصلها قادم من فن «سماعي الوجد» لدى متصوفة الشام والعراق وتركيا وإيران والهند، وتتنوع طريقة أدائه تبعاً للإقليم واللغة التي يؤدى بها. ويعتبر تراث (السَّماع) أحد أغنى جوانب التراث الموسيقي العربي القديم، فقد كتب عنه كبار العلماء والفلاسفة المسلمين مثل الكندي والغزالي والبسطامي وابن عربي، ونجد لأبي الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني كتاباً كاملاً سماه (أدب السَّماع). وقد وصل السماع أوَجه عند الشيخ جلال الدين الرومي الذي كان يقيم حلقات الذكر والإنشاد والأداء الصوفي أو كما يسمى (المولوية) في قونيه بتركيا، حيث يوجد ضريحه.
والفن السماعي عموما مرتبط بفنون ومقامات الموسيقا العربية والشرقية، مثل: (سماعي دارج) و(يورك سماعي) (وسماعي طاير). إلا أنه من الضرورة الإشارة إلى أن السَّماعي ارتبط بداية مع تلاوة القرآن الكريم وترتيله وفقاً للعديد من المقامات الموسيقية المعروفة خاصة مقام الحجاز ومقام البياتي، ويبدأ المنشد في المالد الإماراتي بعدد من المدائح النبوية على شكل ابتهالات وتواشيح، وعادة ما تكون لشعراء متصوفة أو أبيات من بردة البوصيري أو قصائد أحمد شوقي، وقصائد الصحابي حسان بن ثابت وغيرهم.
ومن أشهر ما يقال في المالد العبارات الاستهلالية التالية:
اللهم صلي وسلم وزد وبارك عليه
الله زاده درَجاً عالياً ومجداً وتعظيماً وكرماً لديه
الحمد لله الذي شرّف الأنام بصاحب المقام الأعلى
وكمّل السعود بأكرم مولود حوى شرفاً وفضلا
ويبدأ الإنشاد الجماعي من الصف الأول بقرع الدفوف، بينما يبدأ الصف المقابل بأداء عدة حركات جسدية، فيرفعون الجسد إلى الأعلى، محرّكين أياديهم وهم ينشدون…آآآآآه…الله، الله حي، ثم يهبطون إلى الأسفل بما يشبه السجود، ويميلون إلى اليمين وإلى اليسار، بينما تتنوع مقامات الإنشاد بين الرست، ومقام حجاز، ومقام بيات، ما يجعل فن المالد في الإمارات واحدا من الفنون الأصيلة المتشكلة من فضاء سماعي وروحاني منفتح على الثقافات الأخرى، ومنتم في ذات الوقت لخصال أهل الإمارات المجبولة على الطيبة الفطرية، والنهج المتسامح، والتدين الوسطي، البعيد عن الغلو والانغلاق والتعصّب.

مناسبة لعمل الخير
في دبي كان الشيخ أحمد بن دلموك وقبل مائة عام من الآن، يحيي ليالي المولد النبوي باحتفالات وأهازيج وأناشيد دينية تستمر لعدة أيام في منطقة ديرة، وكان يقوم بالأعمال الخيرية ويسد مبالغ المديونين، ويفرّج كرب المعوزين، طمعاً في رضا الله، واقتداءً بخلق الرسول، واستمر هذا الأمر على يد الشيخ سعيد بن مكتوم، وابنه الشيخ راشد – غفر الله لهما- وعلى أيدي الأسر الكبرى في دبي.

اقرأ أيضا

«الشارقة للكتاب» تعزز علاقاتها مع إيطاليا