صحيفة الاتحاد

ثقافة

«عالم الأمس» لشتيفان تسفايغ.. مرآة عن عالم ماضوي «ميت»

تشيفان تسفايغ

تشيفان تسفايغ

ترجمة وإعداد ــ أحمد عثمان

في منفاه في البرازيل، يوم انتحاره، أرسل شتيفان تسفايغ (1881-1941) مخطوطا إلى ناشره. هذا المخطوط لا يحتوي على مذكراته وإنما على شهادته عن التحولات التي عاشتها أوروبا منذ نهاية القرن التاسع عشر. لم يكن هذا المخطوط سوى «عالم الأمس»، الذي صدر مؤخراً عن مطبوعات غاليمار، من ترجمة دومينيك تاصل عن الألمانية.
عرضا، من الممكن قراءة الكتاب كوصية شخصية موجهة للجميع (يريد تسفايغ منها أن تكون رؤية عن النمسا وأوروبا الممزقين والواقعين تحت نير النازية وأهوال الحرب العالمية الثانية)، وأيضا كتعبير عن هذه الحركة الأخيرة /‏‏ الانتحار (تسفايغ، كمنفي، لا يجد مكانا له على الأرض، وهو الذي هجر أكثر من حياة خلفه). وهذا ما أكده في مقدمة كتابه: «ليس هذا قدري الذي أسرده وإنما قدر جيل بأكمله، هذا الجيل المتميز إلى حد كبير الذي أنتمي إليه، محمل بقدر كبير كأن القليلين منا يسبحون في تيار التاريخ».
في الواقع، يبين صاحب «لبس المشاعر» تطور أوروبا من «عالم الأمان»، عنوان الفصل الأول، إلى «انحطاط السلام»، عنوان الفصل الأخير»، وهو من هذه الناحية شاهد مميز على هذا التطور، إذ إن تسفايغ، الفييناوي البورجوازي الكوزموبوليتاني اليهودي، عاشر كبرى عقول عصره على مدار حياته الفكرية، الثقافية والفنية، منذ نهايات المدرسة الثانوية، ومولد شغفه المضطرم بالشعر، حتى منفاه اللندني الذي مكنه من لقاء فرويد، مرورا بالعديد من رحلاته وإقامته خلال فترة«الركود المؤقت»التي تمتد من 1924 إلى 1933، بعد المشاكل الكبرى التي عانتها النمسا: التضخم السريع، إعادة البناء، وقبل وصول أدولف هتلر إلى السلطة.
خلال هذه السنوات، تمنى وبعض المثقفين (راتنو، رومان رولان، جوف، مثلا) بناء أوروبا الأمم المراقبة من قبل عصبة الأمم، كتنظيم عالمي مكلف منع الصراعات، الأحقاد الصغيرة، وغيرها. لم يكن ذلك إلا حلم مهشم لإنسان حساس إزاء الزلازل التي أصابت القارة التي يحبها ويراها تتفتت. ومع ذلك، كانت هذه السنوات سنوات النجاح الرنان والعالمي لتسافيغ، سواء بالنسبة لأعماله الدرامية أو لقصصه أو لبيوغرافياته المشهورة حتى اليوم.
ولذلك، ارتكانا إلى هذا النجاح، سعى تسفايغ الى كتابة شيء من المذكرات، وليس كتابة أوتوبيوغرافية، في كتابه»عالم الأمس«، أي أنه ذكر أعماله وأسباب نجاحها، حتى أنه أخذ يستفهم بجدية عن أسباب هذا النجاح.
في هذا الكتاب، يرغب تسفايغ في الكتابة عن جيل، ذلك الجيل الذي عاشه وعرفه، وقد نحا جانبا كل ما هو شخصي – لم ينبس ببنت شفة عن عائلته، عن امرأتيه -، باختصار، حياته الخاصة غير مذكورة إلا إذا تمنى قول شيء معين عن العصر. عن بيته قرب سالتسبورغ، لا يعرف القارئ إلا المكان، وبالأخص مكتبته الكبيرة ومجموعة الأوتوغرافات، التي تمثل لديه إرادة المحافظة على أجمل ما تركته أوروبا. ومن مختلف رحلاته السياحية، لم يترك إلا انطباعات قيمة تساعد القارئ المتعطش على معرفة هذا العالم المتلاشي: الحيرة الناشئة خلال رحلة إلى روسيا في عشرينيات القرن الفائت، السعادة برؤية أوغوست رودين، بهجة الانصات إلى توسكانيني أو شتراوس، المنافسة الفكرية الممنوحة من صداقة فرهيفن أو جون- ريشار بلوخ، اللقاءات الباريسية مع راينر ماريا ريلكه، فهم اللغة الرائعة لجيمس جويس الشاب... وهكذا كانت حياة تسفايغ تشبه عرضا للصداقات التي تمكنت أوروبا من منحه إياها خلال الفترة الواقعة ما بين نهاية الامبراطورية النمساوية - الهنغارية والإفناء الهتلري.
شعر تسفايغ بهذا الإفناء كنمساوي ويهودي في آن معا، على اعتبار أنه ينتمي إلى الكتلة اليهودية المستنيرة التي تسعى إلى الاندماج داخل المجتمع النمساوي. ومع ذلك ليس هناك أي نواح ولا نوستالجيا عن عصر ذهبي غير موجود: هناك فقط أوروبا التي تغيرت بفعل الجنون الكلي المحب لسفك الدماء الكائن في بعض مكاتب الكبار، جنون سمي بعد ذلك بالحرب العالمية الأولى، التي قلبت (التوزيعة) رأسا على عقب وفتحت الطريق إلى جنون أكبر. هذا الجنون، الأخير تحديدا«الحرب العالمية الثانية»، لم يستطع تسفايغ تحمله، ولذا أنهى حياته في لحظة فارقة في التاريخ العالمي، ووصيته –«عالم الأمس» – من الممكن النظر إليها كمرآة عن عالم ماضوي (ميت)، أو كنداء إلى بعث أوروبا الشعوب المثقفة والكوزموبوليتانية مع احترام الخصوصيات.