الاتحاد

الملحق الثقافي

اشتعال شموع المناجاة

أحمد علي البحيري

أحمد علي البحيري

إبداعات شابّة، مشروع وطني إماراتي ثقافي كبير يستحق الوقوف عنده قليلاً، لأسباب كثيرة في مقدمتها أن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع تتبنى من خلاله سلسلة شهرية، تحقق في إطارها هدفاً استراتيجياً باستقطاب المبدعين من أبناء الإمارات ودعم نتاجهم الفكري وتسهيل وسائل الطباعة والنشر والتوزيع، بغية إيصال صوت المفكر والأديب المحلّي للعالم، وتحقيق هدف التواصل وإبراز ونشر هذا الفكر وتدعيم أواصره وركائز وجوده داخل وخارج الدولة، لقد نجح هذا المشروع منذ انطلاقته قبل سنوات في تقديم نخبة ممتازة من الأقلام الجديدة في مجالات القصة القصيرة والشعر والرواية والمسرح والنقد وأدب الأطفال، ومن بينهم الشاعرة الواعدة صفاء السعدي في ديوانها “غربة الرّوح”، الذي يحمل بين دفتيه ثلاثين قصيدة يغلب على بنائها مفهوم “القصيدة القصصية”، ومما يلفت النظر أيضا في أسلوبية وصياغة السعدي في قصائدها شحنة الموسيقى الداخلية، بحيث بدت تشكل معادلاً تركيبياً وإيقاعياً يفسح للدلالة فضاء مكانياً وزمانياً، ولا تخلو الجملة الشعرية من تلك النعومة الأنثوية التي نلمح إطلالتها في العديد من القصائد مثل: مشاعر غريب، أنا وغربتي عيناي، وغيرها من القصائد التي تتكئ الشاعرة في صياغتها على عنصر (المناجاة)، وتمثلت في قصائد: الشكوى لله، مناجاة الإله، في خلوة النفس، حينما يناجي الفؤاد ربّه. ولعل استخدام الشاعرة لفن المناجاة، هو في الواقع استخدام موفق، فهذا الاختلاط بين رموز الدين، ورموز الحياة، يبدو واضحا أشد الوضوح في القصائد التي تبدو في ظاهرها ذات صلة بالدين، أو ذات صبغة صوفية، لكن البحث في باطنها يشير إلى أنها قصائد ذات معان إنسانية خالصة على نحو ما هو في مضمون قصيدة “حينما يناجي الفؤاد ربّه”، حيث نظام القافية، ونبرة التشبث بإشكالية الخلاص عن طريق التطهر الداخلي للنفس:
حار الفؤاد وثارت الأفكار
يا رب، حين تزايدت أخطار
أرق شديد في العيون أسير
والفكر سجّان، فما أختار؟
يسعون للجاه العظيم شعارهم
دنيا، كان زعيمهم الدينار
فالطف إلهي، كن سعيفي دائما
لكل طائع دوما أيا جبّار
يلعب نظام التقفية دورا بارعا في طريقة التعبير عن المشاعر الداخلية للإنسان، من خلال سياج صوتي متدفق، يفصح عن مستويات سردية وإيقاعية وتركيبية مختلفة الأبعاد والدلالات، أي أن القصيدة هنا لا ترتبط بالملفوظ اللساني وحده، بل ترشح من خلال عناصر أخرى كالإيقاع، وكتلة النص، والفضاء المفتوح، على نحو هذه القصيدة التي تحمل عنواناً رئيساً “قصة وطن”، وعنوناً فرعياً هو “عراقنا.. فلسطيننا.. أرضنا المستعمرة.. إليك مشاعري”، وتبدأ بطرح فيض من المشاعر والوجدانيات ضمن مفهوم عنصر التقابل:
كنّا صغارا في الهوى
كنّا كما الأطيار
كنّا بعمر طفولة
كنّا كما الأزهار
نجري على أنغامنا
ضحكاتنا أوتار
والبيت أرض حرّة
سكّانها الأحرار
نسقي جفاف ترابها
بدمائنا أمطار
ومن بداية القصيدة إلى وسطها، حيث ذلك الوصف الجميل الممزوج بالمرارة على ضياع البيت والأرض من قبل الغزاة، وصورت الشاعرة هذا المضمون على أنه اغتصاب للأرض وحرية أهلها، وأحلامهم وثقافتهم وتراثهم، في حين تنصب الشاعرة خيمة التخيل لمصير الأمة المحاصرة، فلا يداعب خيالها سوى خلاص قريب من الاحتلال والمرتزقة، وفي استعارة مكنية بسيطة تضع السعدي نهاية لقصيدتها، حيث تمسك الإنسان بأرضه ودينه وعرضه، ويستمد قوته من إيمانه بنصر الله القريب:
لكننا مهما استحلـ
وا أرضنا الفجار
ندعو إلهاً قادرا
يتملك الأقدار
أن يستقيم صراطنا
ويزول ذلك العار
عار عليهم إذا غدت
كذباتهم كستار
سترفرف الرايات والـ
مجد العظيم مرار
على بساطة مضمون القصيدة وصورها الفنية، إلا أن الشاعرة تمتلك إحساسا صادقا بالقضايا العربية المحيطة بها، فالمفردة بسيطة، ولعلها مباشرة المقصد في بعض أجزاء القصيدة، إلا أن هذا لا يمنع من أن لديها مقدرة خاصة على بلورة صورة فنية منسجمة مع نوع الحدث والفكرة، بالإضافة إلى ذاكرة بصرية عميقة اتكأت عليها في بناء حكاية أو قصة على قدر كبير من الامتلاء والاكتناز بمفهوم الصراع الإنساني على الأرض والهوية.
لم تغفل صفاء السعدي طرق مواضيع حياتية ذات صلة بمشاعر الإنسان تجاه من يحبهم أو يكرههم، إنها تكتب جانبا من قصيدة التفاصيل اليومية على نحو هذه القصائد: أمّي، مهما أقول فلن أفي حقك يوما غاليتي، لا للوداع، عيناي، نجلاء، وغيرها من القصائد الموحية بتلك المشاعر الإنسانية تجاه الحياة ومتناقضاتها، كما نجد في قصيدتها:
“في وداع من يعزّ على النفس فراقهم”، وكأنها وهي تتحدث عن تجربة يومية تكشف عن رموز مهمة تعلو على الآني الموقوت:
وإني إذا حان وقت الوداع
بعيني أعلنت ما لا يذاع
فسالت دموع وناءت متون
عن الحمل، والدمع غطى البقاع
أنادي لعل الندا والمنادي
يداوون حزني وما من سماع
تهيم الليالي إذا طال سهدي
كأني الذي في هواها أطاع
فإن غاب ليلي وعانقت فجري
أعدت الرجاء فرد الضياع
لعل أجمل ما في صياغة الشاعرة لقصائدها هو لجوؤها إلى عناوين عامة تتشعب من تحت عباءتها عناوين فرعية للقصائد تماشيا مع نمط ولون القصيدة، إلى جانب اهتمامها الشديد ببناء شعرية لها وقع قصصي على مستوى السرد والحكاية والتخيل وصراع الشخوص وتنوع المكان، فتردد في ذاكرة نصّها الشعري أجواء من أطلال الشعراء القدماء، لكن المشهد الذي تكتبه يظل مفعما بالتفاصيل البصرية.
من الواضح أن جملة من قصائد هذا الديوان تفوح منها رائحة “بكائية” تندب المستحيل الذي لا يتحقق في هذه الحياة الضاجة بالضغوط والمرارة، لكن مفردات هذه القصائد وأجواءها وحتى بوحها اللطيف لا يوحي باستسلام للمصير المحتوم، لكن كما يبدو فهناك مفردة مشاغبة متمردة، تبحث في مجال العدل المستحيل أو قل العدالة الاجتماعية المفقودة، والزمن الضائع فتشعر بحرقة هذه البكائية من خلال قصيدة مفعمة بالمرئيات، كما في قصيدتها “تحيا القلوب”، حيث وجدانيات القلب الإنساني حينما تحيط به المخاطر:
زمان التيه لا نرجوك تدنو
فإنا للإله اليوم نرنو
صحيح بالتمادي كم سكنا
قسونا من سوى الحنان يحنو
على الرغم من الهفوات الملحوظة في بعض قصائد الديوان من حيث انتظام القافية، أو توزيعات الأبيات الشعرية، وذلك ناجم عن حداثة تجربة الشاعرة في كتابة هذا النوع من القصائد، إلا أنها تملك نفسا طويلا على صياغة قصيدة منتظمة في المكان والزمان ووضوح الفكرة التي لا تهتز ولا تتشتت ولا تنفلت من بين يدي القارئ، ولا تغيم في نظره، بل هناك غنائية النص والتي تبرز متماهية مع روح القصيدة.
قد لا تكون تجربة الشاعرة صفاء السعدي في هذا الديوان تجربة متكاملة، لكنها تظل تجربة تملك الكثير من الملامح الموحية بأننا أمام موهبة وقلم جديد يملك مداده القادر على تسطير قصائد مكتملة في المحاولات القادمة، وهذا بالطبع لا يمنع من الإشارة إلى أن السعدي تمتلك العديد من الأدوات التعبيرية في بناء الصور الفنية، والمقدرة على استخدام المفردات في أماكنها الحقيقية في إيقاع القصيدة، البعيدة كلية عن أجواء التجريد الذي نلحظه لدى العديد من الشعراء الجدد، بحيث تنتصر قصيدتها على الدوام على ممكنات اللبس والتشتت. إن صوت القصيدة في هذا الديوان صوت قوي وغير متراخ، بل هو صوت متمرد ومعبر في كثير من الأحيان، ويقوم على رؤية شبابية عصرية لمنطق العصر وأحداثه، وفي أي من قصائدها لا تجد تلك البطولة الزائفة حتى حينما تصور أحداثا سياسية وتقدم شخصيات بها ملامح من الانجاز البطولي، فالحياة بمجملها لا تحتمل المزيد من التعقيد، ولهذا فإن مفردات ولغة الشاعرة هي مفردات من نوع السهل الممتنع، واللغة شديدة الدماثة، مع اللجوء إلى الإكثار من طرح التساؤلات بين ثنايا أفكار القصص.

اقرأ أيضا