الاتحاد

الملحق الثقافي

لا تُخطئ في عالم تملؤه الأخطاء!

يمثل شعر أحمد عبدالمعطي حجازي (1935) خلاصة بليغة لاهتمامات جيل الخمسينيات الشعري، وتلقفه لمشروع الحداثة الأولى في القصيدة العربية التي افتتح الرواد أبوابه، وتركوه مشرعا لاقتراحات تالية، أدخل فيها زملاء حجازي تمددات في الموضوعات وملامسة لأكثر نقاط الحياة والواقع حرجا ومسؤولية، كونهم شهدوا نهوض الدولة العربية الجديدة أيضا، وقيام ثورات متتالية لها شانها في التحولات القادمة والصدامات والحروب والنكسات، فكانت تلك مناسَبة مزدوجة لاختبار منهجهم الشعري وتعبيره عن التنوع الإيديولوجي والسياسي الذي نشأوا في حاضنته قوميين ويساريين وليبراليين، وكذلك لاختبار مصداقية توجه تلك الثورات وشعاراتها وقدراتها ومصائرها أيضاً.



د. حاتم الصكَر



تبدو المدينة أكثر الأشياء والحقائق التي كان على شعراء الحداثة الأولى وتابعيهم مواجهة وجودها الكتلوي، أي بكونها ذات دلالة حضارية وبصرية واجتماعية تنطوي على عناصر متعددة: معمارها وزحامها، مناظرها وهيئاتها، طبقاتها وعلاقاتها. وبهذا البعد الثلاثي تتمثل المدينة رغم فقرها القياسي لشعراء الحداثة ـ مَن قدم منهم من الريف والأقاليم كالسياب وحجازي مثلا، أو الساكن فيها كالبياتي وصلاح عبدالصبور ـ شبحا أو وحشا تجلى هجاؤه في قصائد كثيرة، دافعُها في الغالب هو الاختلاف مع الهيمنة السياسية والاجتماعية عليها من المستغلين باسم السياسة أو المال، ما دعا إلى تصور الغربة داخلها والاغتراب بالمعنى الأبعد في تطورات وعي الشعراء وامتصاص الصدمة الأولى المبكرة لهم بالمدينة، ولا غرابة أن يعنون حجازي أول دواوينه “مدينة بلا قلب” 1959 بوصف للمدينة يشي بذلك العداء، وهو يناهز ما صرح به عبدالصبور أيضا في “الناس في بلادي” حين وصفهم بأنهم “جارحون كالصقور”، ليوسع المقابلة الضدية بين الشاعر أو الشعر، والمدينة أو أهلها أيضا.
وفي فضاء “مدينة بلا قلب” تسحق الغرباء والفقراء، سيكون الموت هو الوجه الآخر لعملة الموضوع، يقلّبه الشعراء ليغدو من مشغّلات القصيدة، ويسهم في تنويع مراجعها ومؤثراتها: فتأخذ من الواقعية مباشرتها وموضوعاتها اليومية، وتوهم شعبيتها بالتبسيط والوضوح، واللغة المنفتحة على العادي والمألوف، والأمكنة الصغيرة أو المهمّشة، ومن النظريات الثورية تغيير المنظور للبطل ليغدو فلاحا أو عاملا في الغالب، يحتل مساحة القصيدة وتتبنى صوته وشخصه وثقافته ولغته بديلا لصورة البطل التقليدية، فكان هذا البطل الجديد يعلن اختلافه ورفضه وخوفه أيضا من شبح المدينة، وكذلك من كابوس الموت الذي سيوصله إليه الافتراق مع الراهن والاعتراض عليه، وتنبؤ الشعراء به كان ضربا من التأثر بالفلسفة الوجودية من جهة، والاستغراق في تأمل ما آلت إليه الأحلام التي حملها الشعراء وجيلهم المأزوم.

تنويعات وصور
تتعدد أشكال الموت وصوره في شعر الحداثة ويراه الشاعر أحيانا في وقائع تحدث قريبا منه، كفقد القريب والصديق، وبعيدا عنه كرحيل شاعر أو مناضل، وفي الحالين يغدو الموت مناسَبة لتأمل كوني ينسحب إلى الميتافيزيقيا، وفحص واقعة الموت كمصير لابد منه. وتتيح الحداثة مساحات كبيرة لآستكناه تلك الواقعة القدرية الخالدة عبر استدعاء الرموز والأساطير، وتصورات البشر منذ فجر التاريخ حول مغزاها ودلالاتها.
وقد تدرج أحمد عبدالمعطي حجازي في معاينة واقعة الموت، ورصدها في كثير من نصوص دواوينه اللاحقة، حتى وصوله لمعاينة الموت كواقعة وجودية لا ترتبط بمصير الإنسان فردا وشخصا، بل كموجود راق في هذا الكون الذي أكسبه بمعرفته معناه وجماله، لذا يكون غياب الإنسان بالموت شيئا استثنائيا في دورة الحياة، وإن كان قانونا أو حقيقة حتمية في سيرورة البشرية وتاريخها.. هذا الإنسان لن يكون قروياً ضحية ترام عابر في مدينة، أو صريعَ رصاصة إقطاعي في الحقل، بل هو قتيل أحلامه ومفردات حياته التي يمارسها يوميا، ويعيد طقوسها وتقاليدها عبر أجياله.. مقاوما ومكافحا.. فاكتسب بالرمز بعدا كونيا يصلح لمعاينة مصير البشر كلهم دون تخصيص أو حصر.
وسيكون لهذا التطور في الوعي بالموت كواقعة وجودية لا فردية تنويعات موضوعية وصورية ولغوية ودلالية وإيقاعية أيضا.
وهذا ما جعل لموضوع ديوان حجازي “مرثية العمر الجميل” دلالة على نعي تلك الرحلة من السنين التي انطوت عليها حياة الشاعر، وهو موت رمزي أكثر تأثيرا من رثاء يقال في موت حقيقي. هنا تأخذ واقعة الموت بعدها الكوني الذي أشرنا إليه.
وفي قصيدة “مرثية لاعب سيرك” المكتوبة ضمن سياق تلك التأملات ما يحيل إلى الدلالة الرمزية للموت أيضا وتوسيع مفهوم رثاء الشخص ليشمل النوع الإنساني كله.
وتبدأ المفارقة الصورية من عنوان النص، فالمرثية موجهة لميت، بينما يكون الموت في النص احتمالا لم يحدث، بل شيء متوقع الحدوث دون معرفة توقيته، ما يزيده رهبة وقسوة، وتبدأ مناكفة الواقع ومعارضته بالمفتتح الذي يقرر أن العالم مملوء أخطاءً، ولكن على لاعب السيرك الذي يسير على خيط أو حبل كالصراط ألا يخطئ، لأن ذلك يعني موته. وهذا هو الإنسان المعاصر الذي لا يتاح له الخطأ رغم ازدحام العالم بالأخطاء من حوله. إنه لاعب سيرك يسير محاذرا لا يدري متى سيهوي إلى الأسفل ليلقى مصيره. وتتعزز اللحظة الزمنية في القصيدة عبر لازمة السؤال: “في أي ليلة ترى يقبع ذلك الخطأ؟” والجواب الاحتمالي عليه (حين..)، وهنا تقيم القصيدة موتاً احتماليا أكثر ضراوة وألماً من الواقعة الفيزيائية للموت وتوقف الحياة عن لاعب سيرك يسير على حبل دقيق، مرشحا لأن يهوي ويلاقي مصيره في الأسفل. وهنا يضيف المكان بعدا تراجيديا للسقطة؛ فاللاعب ينتظره المصير ـ الخطأ (ٍتحته) حيث أعين المشاهدين وصيحاتهم، رغم أنه كان يطل على مدينته كفارس من (الأعلى)، تصاحبه الطبول والأضواء، قادما بزهو يشبه لحظة النصر، ناسيا ما يقبع في المجهول الذي تحاول القصيدة تعيين زمنه غير المتعين إلا في حدس يتوقع حصوله في ليلةٍ ما، يلفّها الظلام رغم أضواء السيرك، فيكون وقعه أقسى من حصوله.. لا يملك الإنسان لحظة لقائه به في خاتمة حياته إلا أن يبتسم كما يفعل لاعب القصيدة المرثي في ختامها أيضا، حين يعرف أشياء ويصدق نبأ موته.

استعانات فنية
ينجح الشاعر في اختيار الإيقاع المناسب لهذه المقتلة المحتملة، فتكون القافية المقيدة بالسكون أو بإطلاق الألف ساكنا كذلك ما يناسب الأنفاس المحبوسة وهي ترقب لحظة سقوط لاعب السيرك الذي يتهادى على الحبل منفلتا إلى آخر غير عارف بتوقيت مصيره. فتتردد الكلمات المختومة بالهمزة الساكنة أو الألف الممدودة وكأنها الموسيقى التي يطلقها النص لمسير لاعب السيرك على حبال موته، كما تتوالى الكلمات المختومة بالسكون لتعزز ذلك الصمت المحتشد بالخوف وتوقف الأبصار وانحباس الأنفاس بانتظار تلك اللحظة المختبئة في الظلمة، والمخاتلة كحيوان مروض أو كائن جميل لا ترى الأعين خبثه وشروره.
هو الموت إذن ولاعب السيرك يواصل لعبة الموت ـ الحياة ولكن على إيقاع بحر الرجز الذي كان يستعيد حياته في موت لاعب السيرك، لأنه بحر مهجور في النصوص التقليدية القديمة، وله هيئة فنية مستقلة تجعل الأرجاز شيئا غير الشعر، فيما أعاد شعراء الحداثة بتغيير قالب الرجز من القافية الموحدة بيتا بيتا، ومن النظم والإيقاع الصاخب ليغدو بتعدد تفعيلاته وتنوع قوافيه فضاء لانسيابية مناسبة لتأملات الموت واحتمالات الخطأ الكامن للاعب السيرك في يومياته المتكررة أو دورة حياة لعبته الخطرة.
كما تسهم اللغة في استكمال صورة المرثية لكائن مرشح للموت، فتحضر ترميزاته في الأمثال والمأثورات، كاستخدام الشاعر لدوران الدائرة كناية عن غلبة الموت للإنسان وانهزامه.. وتصديق النبأ ومعرفة الأشياء التي غابت عنه في حياته ومغامراته اليومية على حبال السيرك.. ولعل الشاعر يلمح إلى دعي الفلسفة الذي عيره الشاعر القديم بأنه عرف شيئا وغابت عنه أشياء، فجاءه النبأ الموصوف بيقين مسكوت عنه أو محذوف مغيَّب في سقطة اللاعب الأخيرة، وخطئه الكامن في ظلام ليلة ما.

اقرأ أيضا