الاتحاد

الملحق الثقافي

العربي قبل... الجنون

شرعت الهيئة العربية للمسرح مؤخراً في إصدار سلسلة “نصوص مسرحية” التي تُعنى بنشر النصوص الأدبية المسرحية عربياً. كانت باكورتها ثمانية نصوص مسرحية من الإمارات صدرت في جزءين، ضمّ كل منهما أربعة أعمال لم يسبق نشرها كما لم يجرِ عرضها كلها على الخشبة من قبل، سواء مأخوذةً كما هي أو تمّ إعدادها. هنا يواصل “الاتحاد الثقافي”، تباعاً، نشر متابعات نقدية وقراءات في هذه المسرحيات.
ما يلي قراءة في النص الأدبي المسرحي الذي يحمل العنوان: “ليلة مقتل العنكبوت” للكاتب إسماعيل عبد الله...


جهاد هديب

لا يتجاوز عدد الشخصيات التي تظهر، وكذلك التي تُعاود الظهور عبر التقمص من قِبَل شخصية أخرى، في “ليلة مقتل العنكبوت” الأربع لكنها تتعدد لتصير إحدى عشرة شخصية، تظهر جميعاً بكامل أسمائها في زمان ومكان ينتميان إلى فضاء خاص يمكن اختصاره بأنه فضاء قد خرج من صُلب الثقافة العربية بمكوِّنها الإسلامي على وجه التحديد، وليس من مخيلة الكاتب فحسب هو الذي جعل من الواقع العربي الراهن وإشكالياته العسيرة والمتعددة موضوعا ملهما لنص أدبي مسرحي إنما بتناوله بطريقة مختلفة، رغم أنها قد تكون غير غريبة على المسرح العربي إجمالاً، لكنها عمل مختلف في الصنيع الأدبي المسرحي لإسماعيل عبد الله، إذ تنفتح على أفق من المعالجة الفنية للواقع التي تعيد إنتاج الواقع المُعاش وتدويره ليس بهدف أن يطرح هذا الكاتب المسرحي موقفه كمثقف مما يدور حوله بل أيضاً ليحدد الفرد ودوره وعلاقته بالسلطة السائدة، الزمنية واللازمنية، وموقعه من المجتمع بوصفه عُرضة للمحو والإلغاء.
وبدءاً، فإن الزمن هو الفجر، والمكان هو الزنزانة، أي أنها السجن “العربي” بامتياز، أو الذي تبعاً لتوصيفه من قبل الكاتب هو سجن عربي من ستينيات وسبعينيات القرن الماضي التي قرأنا عنه في الرواية العربية، حيث لا تراعى فيه الشروط الإنسانية: التهالك والجنوح نحو السقوط، بل والخراب أيضاً.
لكن المكان هنا يحمل أبعاداً رمزية وإشارية عديدة سواء سواء لما تتضمنه الزنزانة من عناصر ديكور مسرحي يقترحها المؤلف أو ما يلمسه القارئ من طبيعة خاصة للشخصيات التي هي بدورها قد تمّ تخريبها من الداخل بفعل فاعل الذي نقل المكان إلى داخل هذه الشخصيات وجعل منها إما فارغة أو انتهازية أو تقف حافة الجنون وهوايته التي لا عودة منها.
هكذا تصبح الزنزانة، أو السجن، هي المرآة التي تعكس المجتمع العربي بإشكالياته المتراكبة، إلى حدّ يصعب إلى مَنْ يوجّه القارئ إصبع الاتهام عن هذا الوضع، أهو الصمت أم الجنون أم السلطة أم المجتمع أم كل هذا الخليط معاً، وذلك في مرحلة من مراحل قراءة النص الأدبي للمسرحية التي تترك الأمر للقارئ، إذ تطرق على جدران وعيه بأسئلة يختلط فيها الرمزي بالواقعي، كما تخلط عناصر السلطة المتفردة إلى حدّ التأله وعبادة الفرد بالمكوّن الاجتماعي والثقافي للمجتمع. فالسلطة القامعة هنا ليست مجردة إلى درجة من الممكن اختزالها في شرطي يحمل بندقية أو مسدساً ويمارس اعتقالاً لشخص ما، بل هي منظومة فكرية راسخة التفت حول الكيان الاجتماعي حتى أنها أخفت وجهها وذيلها فيه. الأمر الذي من الممكن مناقشته بدلالة “ليلة مقتل العنكبوت” إنما في سياق آخر مختلف تماماً.

فنار الأكتع
في أي حال، لا يقدم الكاتب توصيفاً أو تعريفاً بشخصية فنار، لكن تبعاً لمجريات الأحداث في الزمان والمكان فهو الشخصية الرئيسة، بل الشخصية المسرحية التي تكاد تكون اللاعب الأساسي في اللعبة الدرامية التي يمارسها الكاتب وشخصيته في “ليلة مقتل العنكبوت”. وبدءاً، فإن معنى كلمة فنار بالعربية نقلاً عن القاموس الإلكتروني، قاموس المعاني، الناقل بدوره عن المعجم الوسيط هو: “مصباح قوي الضوء يُنصب على سارية عالية أو شبه برج مرتفع لإرشاد السفن في البحار والمحيطات إلى طرق السير وتجنب مواطن الخطر. وهو المنار محرفا”، وهذا الاسم، إذ يطلق على المنارات موجود على جميع السواحل العربية ومتفَق عليه بين جميع قاطنيها بلا استثناء مع بعض التحويرات، كما يشير الموقع الإلكتروني ذاته.
وما من علامة فارقة لهذه الشخصية في “ليلة مقتل العنكبوت” سوى أنه رجل أكتع بيد واحدة فيما الأخرى مقطوعة حتى الساعد بسبب تطاول ما لا يحدده الكاتب، لكنه يُفهم من سياق أفعال الشخصية وملفوظها في العمل، فهو تطاول على قيم ثقافية واجتماعية سائدة تمّ الجهر بها فكانت العقوبة هي العقوبة المماثلة لحدّ السرقة، إنما في حين أن تطاول فنار هو من النوع الذي يستدعي إقامة الحجة والبرهان العقليين، فإن ما جرى تطبيقه بحقه هو إقامة الدليل على ملكية شيء لآخرين تمّت على وجه الخِفية ثم الاحتراز بقصد تملّكها، وفي حين أن الأمر لا يتطلب شهوداً على التطاول على الملكية العامة، فإنه في حال العقوبة يتطلب ذلك بمرأى العين عند التطاول على ملكية خاصة، ولعله هنا يكمن أساس الافتراق بين شخصية فنار وشخصية المجتمع ككل، والتي تجعل من فنار شخصية نافرة.
لكنّ طبيعة شخصية “فنار” تصبح محيّرة بالفعل، فهذا القابع في العتمة الذي يقترب من الجنون هو المنارة التي ترشد سفناً تائهة إلى برّ الأمان! يبدو الأمر غير منطقي إنْ ابتعد المرء عن فتح بوابة لأمل قادم أو بشرى ما خصوصاً أن زمان المسرحية هو الفجر، أي بوابة الوعد بجديد والأمل الجديد التي منها تلج الناس إلى نهارها، وتسعى في مناكب رزقها، كما أنه البشارة التي غالباً ما تأتي عند الفجر، كما هي الحال في توصيف الفجر في الثقافة العربية الحديثة أقلّها. وبالطبع أن من الإفراط في التأويل القول أن إسماعيل عبد الله كان يبشر في عمله هذا، الذي تعود كتابته لعام 2005، بربيع الثورات العربية، لكن حسب الرجل أنه كان يحدس أن من المُحال بقاء الحال على ما هي عليه، ربما لهذا اختار لعمله أن يكون محملاً بكل هذه المحمولات الرمزية والإشارية التي تمنح قدراً من التفاؤل، ولا يحدث هذا الأمر بسبب اسم الشخصية “فنار” وحده بل إنما يعزز من حضور الاسم على هذا النحو جملة ما يمنحه العمل لقارئه ومتَخَيِّلهِ من أحاسيس ومشاعر.
أما ما تبقى من شخصيات: صوت إمام المسجد الذي يقوم بدور “أحدهم” أيضاً وإمام المسجد الذي يقدم شخصيتي: “الآخر” و”السجان” وأمين الذي يقوم بدور “الديناصور”، فليست جميعاً سوى شخصيات مسرحية يُخرجها فنار من جعبته كما لو أنه ساحر، ويتحدد دورها في إبراز ملامح طبيعة الشخصية الرئيس ومعززة لحراكها الدرامي دون أن يخرج من بينها أي شخصية ثانوية أو شخصية ذات دور ثان، بلغة أهل المسرح، فكما لو أنها بذلك عبارة عن شظايا مرآة كانت مكتملة يوما ما، حيث المرآة هي شخصية فنار والشظايا هي هذه الشخصيات في اتفاقها واختلافها، وفي مشاعره وأفكاره المختلطة والمتعددة عنها.
أما الشخصية الموازية لشخصية فنار، وليست الثانوية أو ذات الدور الثاني، فهي العنكبوت أو المرأة العنكبوت التي لا يرد لها أي ذكر بين الشخصيات ولا يعتبرها الكاتب واحدة من شخصيات عمله ربما، رغم أن عنوان العمل يحمل اسمها: “ليلة مقتل العنكبوت”. وذلك بالإضافة إلى المكان الذي هو أيضاً شخصية مسرحية وفقاً لما تمنحه للقارئ من إشارات ووقفاً لمقدرته على تخيُّل مجريات العمل المسرحي على الخشبة.

الكائن الحي
تبدو المرأة - العنكبوت في العمل بوصفها الكائن الحيّ الوحيد الذي من الممكن التعامل معه بالمطلق في الفراغ المطلق الذي يحيط بشخصية فنار، مع أنها صموتة تماماً ولا تتحدث بأي كلمة ومتفلتة وعصية على الإمساك بها إلى حدّ أنها واحدة من أدوات شقائه التي تأخذ بحياته إلى جحيم مضاعف، لكنها تبقى عنكبوتاً والوقوع في “غرامها” إشارة إلى أن المصير الذي نتعايش معه في “ليلة مقتل العنكبوت” هو مصير يحتمل التأويل طبقاً لعلاقة الشخصية الكافكاوية، نسبة إلى فرانز كافكا، وتحولها إلى حشرة عندما تمعن هذه الشخصية في قراءتها لمصيرها الشخصي وقَدَرها الإنساني المحض، على نحو سوداوي مطبق.
هكذا فأن يعشق المرء، ذكراً، امرأة عنكبوتاً، فمعنى ذلك أنه يدرك مصيره المقبل عليه، فأنثى العنكبوت تلتهم ذكرها وتلقي عليه بشباكها التي تخنقه، وهذا ما يحدث في المكان ـ الزنزانة، هذا الحيّز الضيق، فتضيّق من حركة الشخصية “فنار” في إطار ترسمه هي له في حين هو في واقع الأمر قيد انتظار موته.
يُضاف إلى ذلك أن حضور شباك العنكبوت سليمة في مكان ما هو دليل على المكان المهجور منذ زمن طال أم قَصُر، أي بعد أن أصبح المكان خَرِباً ولا يصلح للعيش فيه. من هنا فالمرأة – العنكبوت التي تجرّ فنار إلى مصيره هي حالة رمزية واستعارة شعرية تنطوي على تعقيدات، ليست خاصة بالعمل وحده، بل هي حالة “مسرحية” تُعاين ما يؤول إليه مصير الفرد في المجتمع العربي إجمالاً وقد أصبح رهنا لطاقة تتحكم به ولا قِبَل له بردّها، وتأتي إليه من كل الاتجاهات وكان الوصول إلى حافة الجنون هو ذاته الوصول إلى شفير الموت بدفع من تلك الطاقة التي تمحقه وتلغي ملامح تفرده ومقدرته على التصرف بمصيره واختيار طريقته الخاصة بالعيش بعيداً عن فكرة القطيع، بكل ما يتقاطع داخل هذه الفكرة من مرجعيات ثقافية وغير ثقافية تجعل الفرد إما مذعنا أو مجنوناً.
يبقى أمر آخر في هذا العمل هو مستويات اللغة؛ ذلك أن لغة المونولوج التي يفتتح بها إسماعيل عبد الله عمله المسرحي هي غير اللغة التي تتحاور عبرها الشخصيات، أو التي يقوم فنار بإخراجها من مخيلته المسرحية لتحضر في النص ومكانه وزمانه الخاصين.
قبل ذلك ربما من المفيد الإشارة إلى جانب من حوار شخصي مع الكاتب يستعيده المرء عبر ذاكرته بعد انتهاء عرض أحد أعماله المسرحية ويتعلق ببساطة لغة العمل التي تستند إلى فصحى مبسطة بقوله إنه يتكئ على هذه اللغة تحديداً؛ لأنه يكتب لقارئ عربي مثلما يكتب لقارئ إماراتي.
ففي بداية العمل، حيث يضع الكاتب قارئ عمله مباشرة في قلب أزمة شخصياته، تكون اللغة مبهمة وغير واضحة، بل مفككة تماما وتذكّ، في جانب منها بالحوار كما هو في مسرح اللامعقول أو العبث، حيث المعنى شديد الصلة بما يقوم الممثل بأدائه أثناء الحوار، لكنه في مستهلّ “ليلة مقتل العنكبوت” ليس سوى “ديالوغط يقوم بين فنار والمرأة العنكبوت التي لا تنطق أبداً، بل تقوم بعدة أفعال تكشف عن عمق الأزمة في علاقة الشخصيتين معاً، فهي علاقة ضدية تعمق من درامية العمل وليست تصالحية، إنما هي نتاج من يسميه فنار بعِشرة عَشرة أعوام من العيش المشترك في الأفق الضيق لهذه الزنزانة أو هذا العالم المحيط بهما.
في هذا السياق، تبدأ شخصية فنار شخصية مكتملة البناء والنضج الفني ومرسومة بكلمات يحتاج القارئ معها إلى التعمق أكثر في العمل وتفاصيله لإدراك معنى لللإبهام في القول الذي بقَدْر ما يقترب من القول الشعري فإنه يبتعد عنه:
“ألن يجدي كل هذا الانتظار والتودد
والتوسّل ... (يصمت)
رحلة خائبة هذي الحياة
إن تراءينا وراء الحلم نستجدي نديما
وتراتيل شفاه
هل تهون عليكِ العِشرة؟ عشرة أعوام وأنا وأنتِ روحان في جسد السجن معاً.. عشرة أعوام فُرض عليّ الذل في زنزانة وقبلتِ مشاركتي طوعاً.. قبلنا بجغرافية المكان جُحرا تُفن فيه الآهات والأحلام معاً..” إلخ.
أما المستوى الآخر، فهو مستوى لغة الديالوغ، وهنا يريد لها الكاتب أن تكون مكثفة ومختزلة. فهي وإنْ نزعت باتجاه مقولة فكرية ما إلا أنها تبقى مرتبطة بما تؤديه الشخصية من أفعال تأخذ هذا الحوار إلى معاني بعينها يريد لها الكاتب أن تؤجج من الصراع الدرامي حتى ذروته لتبدأ بعد ذلك بتفكيكه، وقد يكون صحيحا أن الحوار والملفوظ المرتبط به يخرج من رمزية العلاقة بين فنار والمرأة ـ العنكبوت إلى واقعية ما إلا أنه يبقى حواراً يحمل الكثير من المعاني المختزلة والمكثفة التي تستدعي تفكيك هذا الحوار إلى لغة بصرية موازية تحمل معنى العمل كله على التأويل وإعادة الإنتاج وليس على النقل كما هو من النص الأدبي للعمل إلى مخيلة القراءة دفعة واحدة، وذلك بهدف الوصول إلى مقولة واسعة أو دلالة كبرى للعمل يريد الكاتب قولها لقارئ عمله.
وأخيراً، ربما يكون هذا النوع من النص الأدبي المسرحي، إذ تختلط فيه عناصر من الرمزية بالواقعية، أكثر ديمقراطية من أنواع أخرى من الكتابة المسرحية، سواء أكانت واقعية أم غير واقعية، وذلك لجهة تعاملها باحترام مع الذكاء الخاص للقارئ، فتفترض مسبقا توفر هذا الذكاء لديه بمنحه فرصة المشاركة في خلق معنى للعمل الفني فلا تترك إنتاجه حكرا على الكاتب وحده، وذلك فضلاً عن أنه نوع من الكتابة الذي يختبر مقدرة القارئ على التاويل الخاص به وبالتالي على إنتاج المعنى بدلالاته العريضة؛ كما تختبر لديه المقدرة على إنتاج أسئلة خاصة بكل واحد من القرّاء قبل خروجه من مخيلة النص والقراءة ومن رمزية الحوار وشعريته إلى الارتطام بما يمور به الواقع العربي من حوله (هنا، والآن).
ثم لا بدّ من الإشارة إلى أن “ليلة مقتل العنكبوت” قد جرى عرضها خلال مسابقة أيام الشارقة المسرحية لدورتها التي انعقدت عام 2009 وقدمها مسرح عجمان الوطني بتوقيع المخرج العراقي محمود أبو العباس.

اقرأ أيضا