القرارات الاقتصادية الجيدة تتطلب بيانات جيدة. وللحصول على بيانات جيدة يتعين الأخذ في الاعتبار كل المتغيرات ذات الصلة. لكننا لا نفعل هذا عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ، مما يعني أننا نتخذ قراراتنا على أساس صورة مشوهة عن مخاطر المستقبل. ورغم أنه لا يمكننا أن نحدد مستقبل مخاطر المناخ بدقة، فإنه ينبغي تضمينها في القرارات السياسية والاقتصادية والمالية، وذلك لضخامتها المحتملة. والمجتمع العلمي شبه مجمِع على أن تغير المناخ يمثل تهديداً خطيراً، وليس مجرد خطر آني ومؤقت. وظاهرة الاحتباس الحراري تراكمية ولا يمكن الرجوع القهقرى فيها؛ فالمواد الملوثة التي نتسبب فيها الآن ستبقى في الغلاف الجوي لمئات السنين. ولذا فكل ما نفعله يومياً سيؤثر علينا وعلى الكوكب لقرون. والدمار الناتج عن تغير المناخ يؤثر على كل جانب من جوانب الحياة؛ على الصحة العامة والاقتصاد وكل شيء. وما نعرفه بالفعل مروع، لكن ما لا نعرفه مروع أكثر من ذلك. فعلى سبيل المثال، نعلم أن ذوبان غطاء الجليد القطبي سيتسبب في ارتفاع مستويات البحر. لكننا لا نعرف مدى السرعة التي سيحدث بها التأثير السلبي. ومع ذوبان الغطاء الجليدي القطبي تمتص المحيطات المزيد من الحرارة، مما يتسبب في مزيد من ذوبان الجليد. وغطاء الجليد القطبي بدأ بالفعل في الذوبان. ويُثار الجدل بشأن تغير المناخ وعلاقته بالاقتصاد في إطار المقايضة بين حماية البيئة والرخاء الاقتصادي. ويجادل كثيرون بالقول إن ترك الوقود الأحفوري وتقليص انبعاثات الكربون سيعرقل النمو الاقتصادي ويضر بالاقتصاد ويعرقل خلق فرص العمل. لكن من وجهة النظر الاقتصادية فهذه تحديداً هي الطريقة الخطأ في النظر للأمور. فالسؤال الحقيقي يتعين أن يكون: ما هي كلفة عدم التحرك؟ ومن وجهة نظري ومن وجهة نظر مجموعة متنامية من رجال الأعمال والاقتصاديين وخبراء المال والأسواق، فإن كلفة عدم التحرك على المدى الطويل أكبر من كلفة التحرك. وفي يونيو الماضي صدر تقرير بعنوان «النشاط الاقتصادي الخطير»، أظهرت نتائجه الأضرار الكبيرة التي يتسبب فيها تغير المناخ، والتي من المؤكد أنها ستكون أكثر قسوة في المستقبل على قطاعات الزراعة والطاقة والعقارات الساحلية، وعلى الصحة العامة وإنتاجية العمل. وبحلول عام 2050، مثلا، يرجح أن يتعرض لخطر الغمر بالمياه تحت مستوى البحر ما قيمته نحو 68 مليار دولار من العقارات الحالية في لويزيانا وفلوريدا. وقد تكون الخسائر الأخرى أكثر كارثية. وبالطبع هناك ضرر لا يمكن التنبؤ به من العواصف المحتمل حدوثها. وتسبب الإعصاران «كاترينا» و«ساندي» في خسائر اقتصادية بلغت 193 مليار دولار، وقد زادت حزم المساعدات من الكونجرس عقب العواصف على 122 مليار دولار. ولا يمكننا أن نلقي باللائمة عن كل الأضرار التي تسبب فيها كاترينا وساندي على ارتفاع درجة حرارة الكوكب. لكننا نعلم أن ارتفاع مستويات البحر أدى إلى تدهور كبير في المناخ. ومن شبه المؤكد أن يتزايد تواتر وشدة العواصف إذا تواصل ارتفاع درجة حرارة الكوكب. ومن المرجح للغاية أنه مع استمرار تغير المناخ لن يتزايد الضرر في خط مستقيم. بل سيتزايد في منحنى صاعد قد يصبح كارثياً بسبب دورات التأثير السلبي وعوامل أخرى. وقد ترتفع درجات الحرارة بشدة في كثير من أنحاء البلاد بحيث لا يطيق الناس العمل في الخارج في أوقات طويلة من النهار لعدة شهور في العام، مما يقلل فرص العمل والناتج الاقتصادي. ويواجه الاقتصاد الأميركي مخاطر هائلة جرّاء تغير المناخ الذي لا تخف وطأته. لكن أدوات القياس التي نستخدمها حالياً لقياس النمو الاقتصادي والاحتمالات المالية والمكاسب الاقتصادية، لا تتضمن هذه المخاطر. ومن المحتمل أن يكون الإنفاق الاتحادي في المستقبل لمعالجة تغير المناخ هائلا ويجب تضمينه في التوقعات المالية. وما لم يتم التحرك لمنع أزمات متعلقة بالمناخ فسوف تضطر الحكومة الاتحادية لمعالجتها لاحقاً مثل الخسائر في العقارات وأزمات الصحة العامة وإعانات الطوارئ وغيرها. وهذه المخاطر الكبيرة ليست في التقديرات الرسمية المستقبلية أو في خطط الميزانية الاتحادية. ولتغطية هذه الكلفة سنضطر لزيادة العجز في الموازنة وزيادة نسبة الضرائب أو نقلص بشكل كبير الإنفاق على الدفاع وشبكة الأمان الاجتماعي والبنية التحتية والتعليم والبحث العلمي. وأعتقد أن الناتج المحلي الإجمالي، وهو المقياس المعياري الحالي لصحة الاقتصاد الوطني، غير ملائم ومضلل لأنه يفشل في حساب العوامل الخارجية المهمة ومنها تغير المناخ. لذلك علينا البدء بمعيار مقابل لإجمالي الناتج المحلي يدمج تأثير انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري. وبغير هذا فإننا نستخدم معياراً غير كامل عن الناتج الاقتصادي لنوفر معلومات لقرارات السياسة. وحالياً يعكس الناتج المحلي الإجمالي ببساطة السلع والخدمات التي أنتجها اقتصادنا. لكنه لا يحسب الضرر الحالي والمستقبلي الناتج عن الانبعاثات الناجمة عن إنتاج هذه السلع والخدمات. والبيانات السيئة تؤدي إلى سياسة سيئة. إننا لا نواجه خياراً بين حماية بيئتنا وحماية اقتصادنا. إننا نواجه الخيار بين حماية اقتصادنا من خلال حماية بيئتنا أو نسمح للخراب البيئي بأن يخلق خراباً اقتصادياً. والخطوة الكبيرة نحو تغيير الجدل هي تغيير الطريقة التي نقيس بها صحة اقتصادنا وظروفنا المالية، وصحة الشركات والأنشطة الاقتصادية لتعكس بشكل أفضل العالم كما سيكون. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»