الاتحاد

الملحق الثقافي

تحولات «نرفانا» العاشقين

لم تجتمع الفنون كلها في عبقري، مثلما اجتمعت في رجل واحد من مجاهل الشرق.
جاءته القصيدة فأنشدها.
واقتربت منه الحكاية فسردها.
وتلاعبت بين أصابعه ريشة الرسام فشكل منها عوالم كثيرة.
وتغنت بين شفتيه الموسيقى فصدح بأغانٍ جميلة.
ولم ينس المسرح فخلق شخوصاً تصارعت من أجل الخير.
ولم تهدأ قدماه ولم تستقر فجاب العالم بحثاً عن الحقيقة والصفاء.
ولم يكتف بذلك، بل قدم للعالم منهجاً في التربية والأخلاق والتعليم..
طاغور.. حكاية الشرق و”نرفانا” العاشقين، الذي لم يعرف الكره أبداً، لم يعرف سوى أن يحب.




طاغور.. متصفح المشاعر وملهم الفقراء أحلامهم، هو الشاعر الأشهر على مدى تاريخ الشعر، صعد فوق مرتبة الشعراء فحاز لقب “السير” البريطاني و”منارة الهند الدائمة” كونه التنويري الذي قاد القصيدة إلى أن تكون هي الشاعر وهي القارئ وهي المقروء.
وهنا أتساءل حقاً من أين يبتدئ الكاتب عندما يتناول طاغور؟، أيبدأ من حياته، أم من أشعاره، أم من رواياته، أم من موسيقاه، أم من فنه التشكيلي، أم من فنه المسرحي، أم من أغانيه؟.. من أين يبدأ من يريد أن يقرأ رابندارات طاغور (1861 - 1941).
لنتذكر معاً أننا نكتب هنا عن طاغور حيث يحتفل العالم هذا الشهر بمرور 150 عاماً، على ولادته، ولأنه كان شاعراً لأمة كاملة فهو شاعر الهند وبنجلاديش، ولأننا هنا نعتمد على ترجمة عربية لأشعار طاغور لم ينتبه لها أحد من قبل ولم تتداول في الدراسات التي تتحدث عن طاغور، وهي بعنوان “هكذا غنى طاغور” للأديب المترجم الليبي خليفة محمد التليسي، والتي ضمت دواوين طاغور الأربعة الشهيرة “البستاني” و”هدية العاشق” و”العبور” و”الهاربة” وهذا ما يدعونا لنتناولها. وهذا التنويه ـ من وجهة نظري ـ يعتبر ضرورياً بالرغم من أهمية ترجمة بديع حقي الشهيرة التي صدرت عن دار العلم للملايين في بيروت عام 1958، التي أتبعها بـ “روائع طاغور في الشعر والمسرح” عن دار العلم للملايين عام 1972، بسبب أن لا أحد أشار لترجمة التليسي ولم تحظ ترجماته باهتمام الدارسين بالرغم من جماليتها وحسها المرهف في التعامل مع أشعار طاغور.

شاعر متحول
طاغور.. المتفرد في أمرين، أولهما أنه أول شاعر، بل عبقري يحصل على جائزة نوبل 1913 وكان عمره اثنين وخمسين عاماً، أي أنه أصغر من حصل عليها آنذاك، ولأنه أول شاعر يكتب نشيدين وطنيين لدولتين انفصلتا عن بعض وجاورتا بعضهما البعض، وهما الهند وبنجلاديش.
وثالثاً أنه أول آسيوي يحصل على نوبل فاستحق أن يكون “منارة الشرق”، وللغرابة حقاً أن طاغور حصل على نوبل عام 1913 وهو الأديب الثالث عشر (13) في تسلسل الحاصلين على هذه الجائزة.
شاعر متحول، تجده في “البستاني” ليس طاغور الذي سيكون شاعراً مختلفاً في “هدية العاشق”، وهو في الأخير ليس مثله في العبور، وأما في “الهاربة” فهو مختلف تماماً.
كتب شعره بوزن وقافية غنائية عالية، كونه يعرف تماماً أن تاريخ الهند مليء بالنغمة والإيقاع والرنين العالي للجرس الموسيقي، كتب شعره على إيقاع رقصات الهند ومزج ريشته بالألوان التي يحفل بها الكرنفال الهندي وصاغ حكاياته من عمق الموروث الهندي.
في “هكذا غنى طاغور.. الأعمال الشعرية الكبرى بالعربية مع النص الإنجليزي” نرى المترجم خليفة محمد التليسي يحاول تشبيه طاغور بزارادشت حين يقترب بعنوانه من عنوان كتاب “هكذا تكلم زارادشت” للألماني الشهير فريدريك نيتشه “1844 - 1900”، حيث صاغ نيتشه أفكاره الفلسفية في قالب ملحمي وبلغة شعرية.

الخادم والملكة
في “البستاني” يقترب طاغور من الحوار المسرحي والحكاية وقد قسمه إلى ما يقرب من 85 قصيدة تبتدئ بقصيدة حوار “الخادم والملكة”، حيث يطلب الخادم من الملكة أن تجعله بستانياً في حديقة زهورها.
“الخادم: سأتنازل عن كل عمل آخر، وألقي إلى التراب حرابي وسيوفي، فلا تبعثيني إلى بلاطات بعيدة، ولا تأمريني بالقيام بفتوحات جديدة، ولكن اجعليني فقط بستانياً في حديقة زهورك.
الملكة: وماذا تطلب من أجر.
الخادم: أن أشد على راحتيك الصغيرتين اللتين تشبهان براعم اللوتو الرطبة، وأن أضفر حول معصميك أسورة من الزهور، وأن أحنِّيهما بعصير الأشوكا الأحمر، وأن أمسح بقبلاتي حبّات الغبار التي تقع عليهما.
الملكة: إن رجاءك قد تحقق يا خادمي.. ستكون بستاني “حديقة زهوري”.
وتبدأ قصة عشق البستاني لملكته ويتحول إلى شاعر يتغنى، حيث تنطلق أسارير النفس وجميعها منظومة على شكل فني يحمل المناجاة أولاً والحكائية ثانياً:
“آه أيها الشاعر
إن المساء يقترب
وشعرك يشيب
فهل تصغي في وحدتك التأملية
إلى رسالة الغيب”
ومثلما دار الحوار بين “الخادم والملكة” يدور الحوار هنا في ثاني قصيدة من قصائد البستاني بين “الخادم والشاعر” حيث يرد الشاعر:
“إنه المساء
وإني لأصغي
فربما دعاني أحدهم من القرية
رغم تأخر الساعة”
والملاحظ هنا أن طاغور يصوغ مشابهة، بل مشابهات ليست تماثلية بين المساء واشتعال الشيب وبين التأمل والإصغاء والانتظار وترقب دعوة من القرية.
ويستمر طاغور في نشيده الثاني هذا حيث يتحدث عن الموسيقى والحياة والروابط الفانية وشيب الشعر وثنائية الشاب/ العجوز.
وينتقل طاغور في نشيده الثالث إلى الصباح حيث يقول:
“في الصباح
ألقيت شباكي في البحر
واستخرجت من اللجة المظمة
أشياء غريبة المنظر، رائعة الجمال
بعضها يتألق كأنه ابتسامة
وبعضها يلمح كأنه دمعة
وبعضها وردي كأنه وجنتا عروس”
ويبدأ طاغور ينسج حكايته في حوار بين “الحبيبة والصياد”، حيث ترفض الحبيبة هذه “الغلة الواهية” فيضطر الصياد إلى أن ينثرها في الطريق، وعند مجيء الصباح التالي يأتي المسافرون ليجمعوا عطايا البحر ويحملوها إلى بلدانهم البعيدة.
يكتب طاغور في “البستاني” حكايات في قالب شعري مفعم بالموسيقى والوزن والقافية، وهو يتجلى بحس رومانسي مستمد من الموروث الهندي المفعم بالغنائية:
“أوّاه.. لماذا شيدوا بيتي على قارعة الطريق المفضية إلى السوق”.
وتبدو شخصية طاغور واضحة هنا، كونه فرداً قلقاً، محباً، متسامحاً ظامئاً إلى الحب، عاشقاً السراب، ولكنه يجهل الطريق.
يتكرر الطريق في قضائده وكأنه الطريق الذاهب إلى “النيرفانا”، ما أصعب تعرجاته وما أكثر تشعباته، فهو متشرد في أعماق قلبه، فالأبواب مغلقة وقلبه تغادره لغته الجميلة.
“أواه من نداء نايك الحاد
إني أنسى، أنسى دوماً
أنني أجهل الطريق”
ويقيم طاغور تقابلاً بين “الطائر الحبيس” و”الطائر الطليق”، وهي بحق من أروع قصائده، يتحاوران ويتبادلان لغة العارفين “الأغنيات والموسيقى”.
وأخيراً:
“يهمس العصفور السجين
أوّاه، إن أجنحتي لعاجزةٌ ميتةٌ”
ويعيد طاغور قصة “السندريلا” والأمير الشاب في قصيدة هي من أجمل قصائده في ديوانه “البستاني”، ولكن بنهاية مذهلة ليست هي ذاتها البداية في القصيدة:
“أمّاه.. إن الأمير الشاب
سوف يمر بموكبه أمام بابنا..
....
أريني كيف أصفُّ شعري
وقولي، أي أثواب أرتدي
أمّاه.. لماذا تنظرين إليّ بدهشة
إني أعرف أنه لن يرفع عينيه
نحو نافذتي
....
ولكن الأمير الشاب
مر أمام بابنا
وشمس الصّباح
تسطع من عربته الفاخرة
لقد رفعت الحجاب عن وجهي
ونزعت عقد الماس من عنقي
وألقيت به في طريقه”
ويكتب طاغور نهاية حكاية الفتاة الهندية “ولم يعرف أحدٌ هديتي” التي سحقتها عربة الأمير.
هذا هو طاغور في “البستاني”، شاعر حالم، حكائي، ينادي العاشقين، يعنى بتكثيف القصيدة.

هدية العاشق
ويبتدئ طاغور في ديوانه “هدية العاشق” بمناجاة موجهة إلى “الشاه جهان” وهذه طريقة مختلفة تماماً عن استهلال ديوان “البستاني”، الشاه جهان الذي زالت مملكته وتخلدت دمعة حبه.
في استهلال “هدية العاشق” نجد طاغور متفلسفاً بشعرية عالية، بوجع قاسٍ، يقرأ مفهوم البداية والنهاية في الحياة.
في قصيدته خطاب واضح منذ البداية:
“تعالي يا حبيبتي
للتنزه في الحديقة”
ولكن يبقى الحس الرومانسي مسيطراً على خطابه الذي يجيء بمكون فلسفي، وكأننا نحس بآثار “البستاني” لا تزال ماثلة في “هدية العاشق”، إذ يحتفي طاغور دائماً بحديقته وأزهاره وبحبيبته التي يقول فيها:
“لو ملكت السماء بكل ما فيها من نجوم
والكون بكل ما فيه من ثروات هائلة
فإني سأطلب المزيد
ولكني سأكون راضياً قانعاً
بأكثر زوايا الأرض تواضعاً وبساطة
لو كنت أنت لي”
غير أن ما نجده في “هدية العاشق” هو هذا الاختصار الرائع في الكلمات، والامتداد الواسع في المعاني الذي أصبح نموذجاً لشعره الذي جاء فيما بعد مقترباً به طاغور من شعر الهايكو الياباني:
“بساطتك أيتها الفتاة
كزرقة البحيرة تنم عن حقيقة عمقك!”
و
“أيها القمر ماذا تنتظر؟
أنتظر الشمس لأفسح لها الطريق”
ويميل طاغور في “هدية العاشق” إلى العمومية والابتعاد عن الحكائية، والتوجه إلى المحاورة الفلسفية في الحب والمناجاة، ويبقى الاحتفاء بالطبيعة أهم مستلزمات القصيدة لديه، بل يظل هذا الأمر هاجسه الذي لم يغادره.

عالم رومانسي
في ديوانه “العبور” يستغرق طاغور في عالم رومانسي خالص، حيث لم يغادره هذا النفس الذي أدهش ييتس الشاعر الإنجليزي الذي عرّف طاغور إلى الغرب وقدم له ديوانه الذي ترجمه طاغور بنفسه، وهو ديوان “جنتجالي - قربان الأغاني” وكان ذلك عام 1912 وبعد عام حصل على نوبل 1913 في “العبور” يعود طاغور إلى نبرة الحزن والقصصية والحكاية التي زخرت بها قصائد ديوانه “البستاني”.
“قلبي حزين
لأنه لا يعرف مصدر هذا النداء الذي يأتيه”
ولكن القصيدة لديه تبدأ في تشكيل وحدة عضوية، مشدودة ببراعة وبموضوع صارم وبلغة حادة ليس فيها من الوجد الكثير:
“لقد خمدت الريح، وهيأت نفسي للإبحار مع الأغاني
أيها البحار
اجلس إلى الدفة
ذلك أن زورقي يتشوق للإقلاع”
إذ يستغرق طاغور بالوصف، وبخطاب الغائب “الإله” الذي بدأ يتفرغ إليه خوفاً من الحزن الذي أخذ يداهم قلبه:
“طلائع العاصفة البعيدة
رفعت خيامها في غيوم السماء
والنور أخذ يشجب”
وأما الشاعر
فإنه يجلس في زاويةٍ
صامتاً.
وثمة شك خفي يريد منه طاغور أن ينجلي بنور الصباح، ولا صباح مقبلاً إذ لا تزال “نيران ألم الحبيبة” قابعة في قلبه، ضجيج وعنفوان، وبحر هادر، وغرفة مظلمة وغضب وحياة تفتقر إلى الحب، والنهار غائم وممطر والعاصفة تحطم كل شيء والمدمر يأتي وبحر من الدموع الصاخبة وألم زافر، وحزن عميق وهروب النفس إلى البعيد، كلها عناصر شعرية بثها طاغور في قصائد ديوانه “العبور” الذي لم يخرجه من حالات الإحباط التي عاشها سوى دعوة “غاندي” و”جواهر لال نهرو” في الاحتفال “بمنارة الهند الدائمة”، حيث دعا “غاندي” و”نهرو” عام 1937 إلى صلاة شكر بمناسبة شفاء طاغور من مرض شديد عانى منه طويلاً.
واعتبرت صلاة الشكر التي قدمتها أمة الهند له، بمثابة تمهيد لاعتبار طاغور “ملك الهند” غير المتوج في عام 1938.

قصائد أخرى
قسم طاغور ديوانه الرابع “الهاربة” إلى ثلاثة أقسام، ضم القسم الأول قصائد كونية ذات مسحة رومانسية “لم تغادر هذه المدرسة شعر طاغور نهائياً”، غير أن المعاناة لديه صارت أكثر رحابة في تنامي “أنا” الشاعر، وتغني روحه العذبة الذي يصفها بالجدول المتدفق.
وفي القسم الثاني بدأ عنصر الخطاب يظهر شفافا أكثر رقة ووضوحاً:
“يا سيدة الروعة المتعددة
أنت متنوعة بلا حدود
في هذا الكون الفياض”.
ويبحر في القسم الثالث إلى الطبيعة، حيث يعود إلى أحضانها:
“تعال أيها الربيع
يا عشيق الأرضِ المتهور”
ويحكي طاغور قصة “رايداس الكنّاس” الذي يراه معلماً له ويقرأ ما تخبئ زهرته “كريشنا كالي”، ويتغنى بـ “سانيتنكتان” ويكتب عن و. و. بيرسون وعن ابن الإنسان “المسيح”، ويتغنى بالتحرر من الخوف في قصيدته الخالدة “الحرية”.

العائلة والأدب


ولد رابندارات طاغور عام 1861 في القسم البنغالي من مدينة كالكتا، وتلقى تعليمه في منزل الأسرة على يد أبيه ديبندرانات وأشقائه ومدرس يدعى دفيجندرانات. درس طاغور اللغة السنسكريتية لغته الأم وآدابها واللغة الإنجليزية، ونال جائزة نوبل في الآداب عام 1913 وأنشأ مدرسة فلسفية معروفة.
وكانت أسرته ميسورة من طبقة البراهما الكهنوتية. وكان والده مصلحاً اجتماعياً ودينياً معروفاً، وسياسياً ومفكرً بارزاً. أما والدته سارادا ديفي فقد أنجبت 12 ولداً وبنتاً قبل أن ترزق به، وكان آل طاغور رواد حركة النهضة البنغالية، إذ سعوا إلى الربط بين الثقافة الهندية التقليدية والأفكار والمفاهيم الغربية.
لم ينتظم طاغور في أي مدرسة فتلقى معظم تعليمه في البيت على أيدي معلمين خصوصيين، وتحت إشراف مباشر من أسرته.
بدأ ينظم الشعر في الثامنة، وفي السابعة عشرة من العمر أرسله والده إلى إنجلترا لاستكمال دراسته في الحقوق، حيث التحق بكلية لندن الجامعية، لكنه ما لبث أن انقطع عن الدراسة، بعد أن فتر اهتمامه بها، وعاد إلى كالكوتا دون أن ينال أي شهادة.
تزوج طاغور سنة 1883 وهو في الثانية والعشرين من العمر بفتاة في العاشرة من العمر، مرينا ليني، شبه أمية أنجب منها ولدين وثلاث بنات. أحبته زوجته بشدة فغمرت حياتهما سعادة وسرور، وتوفيت زوجته وهي في مقتبل العمر، ولحق بها ابنه وابنته وأبوه في فترات متلاحقة متقاربة ما بين عامي 1902 ـ 1918، فخلفت تلك الرزايا جرحاً غائراً في نفسه.

اقرأ أيضا