صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

تعدديَّة عقائديَّة وثـراء دينيّ

البحث العلميّ الموضوعيّ في خصائص فترة ما قبل الإسلام في الجزيرة العربيّة (1) هو بحث عسير نسبيّا، وذلك لأسباب عديدة أهمّها ما أُسقط على هذه المرحلة من تمثّلات وأحكام سلبيّة في معظمها، وهي أحكام تتّصل باعتبار فترة ما قبل الإسلام (جاهليّة) ترتكب فيها الموبقات وتتراكم فيها الذّنوب. والحقّ أنّ هذه الفترة، إذا حاولنا تناولها بعيدا عن الأحكام، هي مرحلة تاريخيّة ثريّة جدّا لا سيّما من حيث تنوّع المعتقدات الدّينيّة وثراء العلاقات الاجتماعيّة وتشابك الاقتصاديّ بالدّينيّ. وهذا ما تثبته قراءة المصادر التّاريخيّة وعلى رأسها القرآن. وإنّنا نريد في هذا المقال الوقوف على بعض خصائص الوضع الاعتقاديّ في الجزيرة العربيّة قبل البعثة والنّظر في تأثير هذا الوضع في ظهور النّبوّة والدّين الجديد.



من الثابت أن الجزيرة العربية قبل الإسلام عرفت عقائد وعبادات متعددة، وكانت العبادات الموجودة في الجزيرة العربيّة قبل مجيء الإسلام تشمل: عبادة الأصنام، النصرانية واليهودية، الحنيفية والصابئة.

عبادة الأصنام
نقلت المصادر القديمة أسماء عدد كبير من الأصنام، وقد ذكر ابن الكلبي ما يفوق التّسعة والعشرين صنما، بعضها اشتهر شأن اللّات والعزّى ومناة، ولعلّ سبب شهرتها ورودها في القرآن الكريم: «أفرأيتم اللاّت والعزّى ومناة الثّالثة الأخرى» (النّجم، 19-20). ولم تحظ بعض الأصنام الأخرى بنفس درجة الشهرة شأن رُضى وسعد وعائم والفَلس والمحرّق وسواها (2).
وكان لكلّ قبيلة أو جمع من القبائل أصناماً يتعبّدون لها. فالعزّى - مثلاً - كانت معبودة من قريش وغني وباهلة وعموم كنانة، وإساف كان يعبده قريش والأحابيش، والأُقيصر كانت تعبده قضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان. على أنّه كان يجوز لشخص ينتمي إلى قبيلة معيّنة أن يتعبّد صنم قبيلة أخرى ويجوز له أن يدعوه. وفي جنوب جزيرة العرب، كان الوثنيّون يعبدون أصناما تمثّل الشّمس والقمر والزّهرة (3). وقد ميّز ابن الكلبي بين الوثن والصّنم. فالوثن حجر طبيعيّ، في حين أنّ الصّنم مصطنع وذو شكل إنسانيّ.
وسواء ميّزنا بين عبادة الأصنام وعبادة الأوثان أو لم نميّز، فالأكيد أنّ الصّنم والوثن مجرّد تمثيل للإله وليس الإله نفسه، إنّ الصّنم مجرّد تجسيم لموضع متعال عن التّجسيم. وهذا ما سنعود إليه إذ نعرض لفكرة التّوحيد.

النّصرانيّة واليهوديّة
كانت المسيحيّة العربيّة المهيكلة في الحيرة ولدى الغساسنة وفي اليمن» (4)، ولكن هناك من اعتنق النّصرانيّة داخل بعض قبائل مكّة والحجاز. وهذا ما يثبته اليعقوبي في تاريخه إذ يقول: «وأمّا من تنصّر من أحياء العرب فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى. منهم عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى» (5). ويؤكّد الجاحظ أنّ النّصرانيّة قد وجدت سبيلها بين تغلب وشيبان وعبد القيس وقضاعة وسليخ والعباد وتنوخ ولخم وعاملة وجذام وكثير من بلحارث بن كعب«(6).
ويُعزى بلوغ النّصرانيّة مكّة إلى أسفار المكّيين إلى بلاد الشّام أو مجيء الرّوم والأحباش إلى مكّة (7). وقد كانت النّصرانيّة ضعيفة في يثرب، وفي مقابل ذلك استوطن اليهود يثرب، كما استوطن جزء كبير منهم خيبر واليمن وحنين. ونتيجة لوجودهم في وسط سكان الجزيرة اعتنقت بعض القبائل الدّيانة اليهوديّة ودانت بها مثل: بني كنانة وكندة وبني الحرث بن كعب وبعض من العرب المتفرّقين في مكّة واليمامة وحمير وحُنين (8). وكانت ليهود الجزيرة العربيّة شعائرهم الخاصّة المستمدّة من الوصايا العشر والتّوراة وآراء الحاخامات.

الحنيفيّة
الحنيفيّة هي معتقد الحنفاء، وهم من يؤمنون بالتّوحيد الإبراهيميّ. وقد أشار القرآن إلى الحنفاء بصفتهم لم يكونوا يهودا ولا نصارى. يقول الله تعالى:«وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملّة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين»(البقرة، 135)، ويقول عزّ وجلّ:«ما كان إبراهيم يهوديّا ولا نصرانيّا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين»(آل عمران، 67). وقد نقل الطّبري في تاريخه أشهر حنفاء مكّة، وهم عثمان بن الحويرث وعبيد الله بن جحش وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل. ورغم أنّ عددا من المصادر يؤكّد أنّ ورقة بن نوفل كان نصرانيّا (9)، فهو يُعتبر وفق جلّ المؤرّخين القدامى أشهر الحنفاء، ليس فقط لأنّه كان يدعو أصحابه إلى رفض عبادة الأصنام (10)، ولكن أساسا لقرابته من خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وللأخبار المنقولة عن تبشيره لها بنبوّة الرّسول صلى الله عليه وسلم (11).

الصّابئة
اختلفوا في تحديد الصّابئة اصطلاحا وإن اتّفقوا لغويّا على أنّهم قوم خرجوا من دين إلى آخر. ورغم أنّ الشّافعي يذهب إلى أنّهم صنف من النّصارى يوافقونهم في أصل الدّين ويخالفونهم في الفروع، فإنّنا نذهب إلى أنّهم ليسوا يهودا ولا نصارى ولا مجوسا انطلاقا من قوله تعالى:«إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والصّابئين والنّصارى والمجوس والّذين أشركوا إنّ الله يفصل بينهم يوم القيامة إنّ الله على كلّ شيء شهيد»(الحجّ، 17). وقد ذهب مجاهد إلى أنّهم قوم بين اليهود والمجوس ليس لهم دين، وذهب قتادة إلى أنّهم قوم يعبدون الملائكة. وذهب آخرون إلى أنّ هذه أمّة قديمة قبل اليهود والنّصارى، وهم نوعان: صابئة حنفاء، وصابئة مشركون. واعتبر البعض أنّ الصّابئة يأخذون بمحاسن ما عند أهل الشّرائع بزعمهم، ولا يوالون أهل ملّة ويعادون أخرى، ولا يتعصبون لملّة على ملّة. والملل عندهم نواميس لمصالح العالم، فلا معنى لمحاربة بعضها بعضا بل يؤخذ بمحاسنها وما تكمل به النفوس.
ومهما تختلف المواقف من الصّابئة، فإنّه يبدو من خلال المصطلح الدّالّ عليهم أنّهم قوم لا ينتمون إلى واحد من الأديان الكتابيّة ولا الشّائعة، والغالب أنّهم استندوا إلى تقليد روحانيّ متميّز كان له وزنه قبل الإسلام، وإلاّ لما أشار إليه القرآن أكثر من مرّة.
لقد حاولنا، فيما سبق، رسم صورة تقريبيّة للمجال الاعتقاديّ في الجزيرة العربيّة قبل مجيء الإسلام وتجسّم النبوّة المحمّديّة، وانطلاقا من هذا الفضاء نودّ أن ننظر في النّصوص المبشّرة بالرّسول وبالدّين الجديد نقلا، ونودّ أن نبحث في أسس نشأة الإسلام في ذلك المكان دون سواه عقلاً.

التّبشير بالرّسول.. نقلاً
أخبر القرآن من خلال آيات كثيرة عن التّبشير بمجيء النبيّ محمّد عليه الصّلاة والسّلام. فيؤكّد الله تعالى أنّ النّبيّ مذكور في التّوراة والإنجيل:« الّذين يتّبعون الرّسول النّبيّ الأمّيّ الّذي يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطّيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم...»(الأعراف، 157)، ويشير الله تعالى في سورة الأحقاف إلى من يشهد من بني إسرائيل على صحّة نبوّة الرّسول:«قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إنّ الله لا يهدي القوم الظّالمين»(الأحقاف، 10). ويشير القرآن إلى تبشير عيسى عليه السّلام بمحمّد:«وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إنّي رسول الله إليكم مصدّقا لما بين يديّ من التّوراة ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد»(الصّف،6).
وباستثناء القرآن نجد في كتب التّاريخ والأخبار إشارات كثيرة إلى التّبشير بالرّسول، من ذلك ما ورد في طبقات ابن سعد:«كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله في كتبهم، ويعلمونه الولدان بصفته واسمه، فلما ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسدوا، وبغوا، وقالوا: ليس به».
وقد نقلت كتب الأخبار تبشير ورقة بن نوفل لخديجة بنبوّة محمّد بعدما أخبرته بما حدث أثناء سفر محمّد مع ميسرة بتجارتها إلى الشام، وما كان من أمر السّحابة التي كانت تظلّه حتى دخل مكّة، قال لها:«لئن كان هذا حقاً يا خديجة، فإنّ محمّداً لنبيّ هذه الأُمّة، وقد عرفتُ أنّه كائن لهذه الأُمّة نبيّ يُنتظر هذا زمانه»(12). وقد ذهب بعض الدّارسين إلى أنّ هذا التّبشير هو من الأسباب الّتي جعلت خديجة بنت خويلد تعرض على محمّد بن عبد الله الزّواج.
والحقّ أنّ هذه الأخبار ممّا يمكن التّساؤل عن مدى صحّتها التّاريخيّة، ذلك أنّه من اليسير أن تكون قد وُضعت بعد الرّسالة لإضفاء أصل تاريخيّ مقدّس يُعلي من شأن الرّسالة ويدعمها. ولكنّ هذا الابتداع الممكن ليس مزعجا لأنّه ليس السّبب في إعلاء شأن الإسلام وتأكيده بل هو، على عكس ذلك، نتيجة لانتشار هذا الدّين وسريانه انطلاقا من الجزيرة العربيّة إلى مناطق وآفاق أخرى متعدّدة. وهذا ما يحملنا على طرح السّؤال العقليّ الجوهريّ الّذي يتجاوز إمكانات الوضع والإسقاط عبر الأخبار التّاريخيّة المنقولة. هذا السّؤال هو: هل كان في بيئة الجزيرة العربيّة عوامل ساهمت في ثبوت الدّين الجديد ثمّ انتشاره؟

عوامل ظهور الإسلام
إن عوامل النبوّة وظهور الدّين الجديد قائمة عقلاً، وهناك ثلاث حواضن ساهمت في ذلك وهي: وجود فكرة التّوحيد أي أن حاضنة الإسلام العقديّة موجودة، ووجود شعائر الحجّ قبل الإسلام أي أن حاضنة الإسلام الشّعائريّة موجودة، والحرم الآمن والتّجارة أي أن حاضنة انتشار الإسلام موجودة.
فكرة التّوحيد
فكرة الإله الواحد لم تكن غائبة تمام الغياب عن التمثّلات الثّقافيّة في الجزيرة العربيّة. والقرآن نفسه يثبت هذا إذ يشير الله تعالى إلى إيمان القوم بالله واحدا مرّات كثيرة، من ذلك قوله تعالى:«ولئن سألتهم من خلق السّماوات والأرض وسخّر الشّمس والقمر ليقولنّ الله فأنّى يؤفكون»(العنكبوت، 61)، ويقول جلّ وعلا:« ولئن سألتهم من خلق السّماوات والأرض ليقولنّ الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون»(لقمان، 25) (13). وتؤكّد كتب التّاريخ أنّ عبادة الأصنام في مكّة محدثة، فقد ورد في سيرة ابن هشام:«سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: يا أكثم، رأيت عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف يجرّ قصبه (أي أمعاءه) في النّار...إنّه كان أوّل من غيّر دين إسماعيل فنصب الأوثان»(14). وقد استجلب عمرو الأصنام من الشّام إذ كان بعض أهلها يعبدونها، ويقولون:«هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا»، ويبدو أنّهم أعطوه صنما اسمه«هبل»فرجع به إلى مكّة فنصبه وأمر النّاس بعبادته.
من هنا نتبيّن أنّ نصب الأوثان كان تاليا لفكرة التّوحيد الأصليّة. وهذا ما ذهب إليه إرناست رينان مؤكّدا أنّ ديانة العرب الأصليّة هي ديانة توحيديّة (15).
أمّا الإشارات المتعدّدة في القرآن إلى الشّرك وإلى المشركين، فيمكن قراءتها وفق منظورين، المنظور الأوّل يعتبر أنّ تعدّد الآلهة هو تعدّد أصليّ، وذلك استنادا إلى قوله تعالى:«أجعل الآلهة إلها واحدا إنّ هذا لشيء عجاب»(ص، 5)، وهذا المنظور في رأينا ضعيف لأنّ تعدّد الآلهة لا يفيد الشّرك، وإنّما الشّرك هو إضافة إله آخر إلى الله الواحد الأوحد الموجود بالقوّة. إنّ عبادة الأصنام انضافت إلى عبادة الله، فالأصنام هي بمثابة الواسطة الّتي لا تنفي الله الواحد. وهذا ما يثبته البغدادي إذ نقل أنّه كان للعرب آراء عدة في وثنيّتهم فبعضهم كان يقول: ليس لنا أهليّة لعبادة الله بلا واسطة لعظمته؟ فلذلك نعبدها - أي الأصنام - لتُقرّبنا منه؟ وقال آخرون: هي قبلة لنا مثل الكعبة، وفرقة اعتقدت أنّ لكلّ صنم شيطاناً موكلاً بأمر الله، فمن عبد الله حقّ عبادته قضى له الشّيطان حاجته.(16).
إنّ وجود فكرة التّوحيد جوهرا، وهي من الأسس الّتي يقوم عليها الإسلام، تفسّر ظهور الدّين الجديد في تلك البيئة الجاهليّة الّتي وإن كانت ظاهريّا نافرة منه ورافضة له، فإنّها من منظور أركيولوجيا الأفكار كانت قادرة على احتضانه. إنّ التّوحيد لم يكن من غير المفكّر فيه (impensé) ولا ممّا هو غير ممكن التّفكير فيه (impensable)، وإنّما كان التّوحيد قائما في اللاوعي الجماعيّ بالمفهوم اليونغيّ (17)، وهذا ما جعل الإسلام ينغرس في بيئة الجزيرة العربيّة ثمّ يجد طريقه دينا هامّا ومؤثّرا إلى يومنا هذا.

شعائر الحجّ قبل الإسلام
لئن ذهب بعض المؤرّخين أمثال جاكلين الشّابيّ وهشام جعيّط إلى التّمييز بين العمرة والحجّ واعتبارهما أمرين متباينين تماما (18)، فإنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ مكّة كانت محجّة ومقاما لعديد من القبائل. وممّا لا شكّ فيه أيضا أنّ الحجّ كان يدور في أماكن مخصوصة هي عرفة والمزدلفة ومنى (19). وكان الحجّ يقوم على شعائر مختلفة مثل الوقفة بعرفات ورمي الجمار والطّواف والنّحر والسّعي وحلق الشّعر. وكانت لهذه الشّعائر رمزيّة مخصوصة قبل الإسلام، وقد أبقى الإسلام بعض هذه الطّقوس في حركيّتها وشكلها ولكنّه أضفى عليها رمزيّة جديدة مختلفة وأبعادا جديدة (20). ويمكن أن نقول في هذا المجال أنّ الإسلام قد مثّل قطيعة مدلوليّة مع حجّ الجاهليّة، أمّا على مستوى الدّوالّ فقد حافظ على كثير منها، وهذا منطقيّ لأنّ المجتمعات لا يمكن أن تتحرّر من ماضيها تحرّرا مطلقا ومفاجئا (21)، فمن الشّائع في مرحلة تحوّلات جذريّة تغييب الأرضيّة النّفسيّة والاجتماعيّة الّتي قد تنفّر متقبّلي المنظومة الجديدة من تبنّيها، وذلك في انتظار تغلغل الجديد شيئا فشيئا في المخيال الجماعيّ العامّ.

الحرم الآمن والتّجارة
يذهب عدد من المؤرّخين إلى أنّ قريشا كانت تنتفع مادّيا من الحجّ والعمرة، ويذهب البعض الآخر إلى أنّ ما تجنيه قريش منهما»هو عنصر أدبيّ وهي الهيبة المقامة على البيت والحرم«(22). على أنّ الرّأيين لا يتناقضان، والجامع بينهما هو العلاقة الوثيقة بين الانتفاع المادّي والاستحواذ على سلطة المقدّس. ذلك أنّه علينا أن نتذكّر دائما أنّ مكّة مركز تجاريّ هامّ، فقريش من بين جميع العرب دانوا بالتّحمّس والتّشدّد في الدّين، فتركوا الغزو كراهة للسّبي واستحلال الأموال واستحسان الغصوب، فلمّا تركوا الغزو لم تبق مكسبة إلاّ التّجارة«(23). وعلينا أن نتذكّر أنّ التّجارة تحتاج إلى الأمن، وما تركيز معاهدة الإيلاف بين القبائل قبل الإسلام إلاّ وجه من وجوه السّعي إلى تحقيق الأمن. إنّ الإيلاف هو المستند القانونيّ الّذي أتاح تنظيم القوافل العربيّة عبر مكّة في خطّ يصل اليمن بالشّام بالحيرة، وقد سمح الإيلاف للقبائل العربيّة الّتي كانت تتبادل الغزوات بالاتّفاق على مشروع استغلال مشترك للطّريق التّجاريّة فحظيت القوافل بالمرور الآمن في منازل القبائل العربيّة الّتي سارت إبلها في القافلة أو تقاضت مُكوسا لقاء حقّ المرور» (24).
وقد اتّصلت التّجارة الآمنة بالأبعاد الدّينيّة. فـ «ما الّذي يحول دون قدوم التّاجر بتجارته فيبيع ويشتري ثمّ ينزع ثياب الإحلال ويلبس لبوس الإحرام، ويشكر لآلهته ما يظنّ أنّها أكسبته في تجارته هذه» (25). ومن هنا يمكن أن نتبيّن علاقة بين الرّبح المادّي الّذي توفّره التّجارة من جهة وعبادة الآلهة الّتي من شأنها أن تبارك الرّبح وتساهم في تحقيقه والحفاظ عليه من جهة أخرى. وليس من العجيب والحال كذلك أن يخاطب القرآن القرشيّين بتذكيرهم بأنّه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (26). وليس من العجيب أيضا أن نجد تواترا للاستعمالات المجازيّة القرآنيّة الّتي تعرض لتجارة الدّنيا وتجارة الآخرة، فمن ذلك قول الله تعالى: «يا أيّها الّذين آمنوا هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله...» (الصّفّ، 10-11).
إنّ تضافر التّجاريّ بالقدسيّ وأساسهما الآمن يمكن أن يفسّرا انتشار الإسلام فيما بعد ضمن قبائل العرب. ذلك أنّ هذه القبائل المتاجرة مستعدّة بشكل ما لقبول تصوّرات دينيّة تفتح في الآن نفسه آفاقا عقائديّة وآفاقا دنيويّة جديدة دون أن تنفي السّائد أو تقصيه إقصاء مطلقا.
إنّ الإسلام نشأ في بيئة تبدو ظاهريّا معادية له ولكنّها في واقع الأمر بيئة آمنة تحتوي على عقيدة التّوحيد في لاوعيها الجمعيّ، وهي بيئة ألِفت الشّعائر ولا سيّما ما يتّصل منها بالحجّ، وهي أيضا بيئة تقوم على علاقة وثيقة بين الدّنيويّ (ممثّلا في التّجاريّ) والدّينيّ. إنّ كلّ العناصر السّياقيّة والمقاميّة في الجزيرة العربيّة كانت تبشّر، من المنظور الأنتروبولوجي والاجتماعيّ، بحدثَي الوحي والنّبوّة. ولذلك لم يجد الدّين الجديد أيّ صعوبة في الاستقرار ثمّ الانتشار.

تبشير بمجيء النبي

أخبر القرآن من خلال آيات كثيرة عن التّبشير بمجيء النبيّ محمّد عليه الصّلاة والسّلام. فيؤكّد الله تعالى أنّ النّبيّ مذكور في التّوراة والإنجيل: «الّذين يتّبعون الرّسول النّبيّ الأمّيّ الّذي يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطّيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم...» (الأعراف، 157)، ويشير الله تعالى في سورة الأحقاف إلى من يشهد من بني إسرائيل على صحّة نبوّة الرّسول: «قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إنّ الله لا يهدي القوم الظّالمين» (الأحقاف، 10). ويشير القرآن إلى تبشير عيسى عليه السّلام بمحمّد: «وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إنّي رسول الله إليكم مصدّقا لما بين يديّ من التّوراة ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد» (الصّف،6). وباستثناء القرآن نجد في كتب التّاريخ والأخبار إشارات كثيرة إلى التّبشير بالرّسول، من ذلك ما ورد في طبقات ابن سعد: «كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله في كتبهم، ويعلمونه الولدان بصفته واسمه، فلما ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسدوا، وبغوا، وقالوا: ليس به».


مكة.. التجارة بديلاً للغزو

كانت مكّة مركزاً تجارياً مهمّاً «وقريش من بين جميع العرب دانوا بالتّحمّس والتّشدّد في الدّين، فتركوا الغزو كراهة للسّبي واستحلال الأموال واستحسان الغصوب، فلمّا تركوا الغزو لم تبق مكسبة إلاّ التّجارة». وعلينا أن نتذكّر أنّ التّجارة تحتاج إلى الأمن، وما تركيز معاهدة الإيلاف بين القبائل قبل الإسلام إلاّ وجه من وجوه السّعي إلى تحقيق الأمن. إنّ الإيلاف هو «المستند القانونيّ الّذي أتاح تنظيم القوافل العربيّة عبر مكّة في خطّ يصل اليمن بالشّام بالحيرة»، وقد سمح الإيلاف للقبائل العربيّة الّتي كانت تتبادل الغزوات بالاتّفاق على مشروع استغلال مشترك للطّريق التّجاريّة فحظيت القوافل بالمرور الآمن في منازل القبائل العربيّة الّتي سارت إبلها في القافلة أو تقاضت مُكوساً لقاء حقّ المرور».



بيئة حاضنة

إنّ الإسلام نشأ في بيئة تبدو ظاهريّا معادية له ولكنّها في واقع الأمر بيئة آمنة، تحتوي على عقيدة التّوحيد في لاوعيها الجمعيّ، وهي بيئة ألفت الشّعائر ولا سيّما ما يتّصل منها بالحجّ، وهي أيضا بيئة تقوم على علاقة وثيقة بين الدّنيويّ (ممثّلا في التّجاريّ) والدّينيّ. إنّ كلّ العناصر السّياقيّة والمقاميّة في الجزيرة العربيّة كانت تبشّر، من المنظور الأنتروبولوجي والاجتماعيّ، بحدثَي الوحي والنّبوّة. ولذلك لم يجد الدّين الجديد أيّ صعوبة في الاستقرار ثمّ الانتشار.



............................................................
المراجع
1- مجال الوحي «يتألّف من مدارات ثلاثة متميّزة لم تتوحّد إلاّ بعد ظهور الإسلام، وهي الشّمال (أي الشّام والحيرة) والجنوب (أي اليمن) وشبه الجزيرة العربيّة». انظر: العادل خضر، الأدب عند العرب، ص57.
2- يمكن العودة إلى كتاب الأصنام لابن الكلبي والمحبّر لابن حبيب وسيرة ابن هشام وسواها.
3 - جواد علي، المفصّل، ج6، ص166.
4 - هشام جعيّط، في السّيرة النّبويّة- تاريخيّة الدّعوة المحمّديّة في مكّة، ص163
5 - تاريخ اليعقوبي ج1، ص157.
6 - الجاحظ، الحيوان، ج7، ص216.
7 - فكتور سحّاب، إيلاف قريش، ص152.
8 - الألوسي، بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، الجزء الثاني، ص2
9 - يذهب بعض المستشرقين إلى أنّ الحنفاء فرقة من الفرق النّصرانيّة الّتي انتشرت في جزيرة العرب. انظر: إيلاف قريش، ص375.
10 - ” تعلمون، والله ما قومكم على دين، ولقد أخطأوا الحجة، وتركوا دين إبراهيم ما حجر تطيفون به؟ لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضرُّ، يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين ” (البداية والنهاية 2/ 341 وسيرة ابن هشام 1/ 242 والمنمق 175-176).
11 - ينكر بعض الدّارسين المحدثين الحنفاء، وهذا شأن هشام جعيّط الّذي يعتبر أنّ الأخبار حول ورقة بن نوفل مبتدعة. انظر «في السّيرة النّبويّة»، ص153.
12 - الرّوض الأنف ج 2، ص161.
13 - راجع آيات أخرى كثيرة تفيد وجود فكرة التّوحيد، على سبيل المثال: العنكبوت، 63- الزّمر، 38- الزّخرف، 9- الزّخرف، 78.
14 - سيرة ابن هشام. ج1، ص81.
15 - Ernest Rénan, Histoire Générale et Système comparé des Langues Sémitiques, volume 1, p-1.
16 - البغدادي، بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، ج2، صص 197-198.
17 - اليونغيّ نسبة إلى المحلّل النّفسي السّويسريّ كارل غوستاف يونغ (Carl Gustav Jung) الّذي كان يه الفضل في توضيح مفهوم اللاّوعي الجمعيّ.
18 - هشام جعيّط، في السيرة النّبويّة، ص 102.
19 - السّابق، ص 107.
20 - السّابق، ص 109.
21 - Georges Balandier, Sens et puissance, p-89.
22 - هشام جعيّط، في السّيرة النّبويّة، ص 104.
23 - الجاحظ، كتاب البلدان، ص472.
24 - فكتور سحّاب، إيلاف قريش، ص9.
25 - السّابق، ص230.
26 - راجع سورة الإيلاف: «لإيلاف قريش- إيلافهم رحلة الشّتاء والصّبف- فليعبدوا ربّ هذا البيت- الّذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف».