الاتحاد

الملحق الثقافي

البيئة الحضارية للجزيرة العربيّة قبل الإسلام

1 - مدخل
ليست الجزيرة العربيّة مساحة جغرافيّة صحراويّة الطابع قبليّة المجتمع، لا بل هي بيئة ثقافيّة وحضارية عاصرت بحضاراتها المتنوعة مثيلاتها في الشرق القديم منذ الألف الرابع ق.م. وامتدت هذه الحضارات على كامل أراضي الجزيرة العربيّة، بمفهومها الجغرافي وكياناتها السياسيّة الحاليّة المؤلَفة من سبْع دولٍ هي: المملكة العربيّة السعوديّة، دولة الإمارات العربية المتحدة، دولة الكويت، مَملَكة البَحرين، دولة قطر، سَلطَنة عُمان، وجمهوريّة اليَمَن.
يعود السكن البشري في الجزيرة العربيّة إلى أكثر من ثمانية آلاف سَنَة وفق ما أكّدته الحفريات الأثريّة القائمة فيها منذ أكثر من خمسين سَنَة. وبيَّنت هذه الحفريات حضارات عريقة لها مُمّيزاتها وخصائصها الثقافيّة والعمرانيّة وهي حضارات: دلمون، ومَجان، وأُم النار المُمتّدة من جزيرة فيلكا في إمارة الكويت إلى اليمن، وحضارات مَعين وسبأ وحِميَر وكِندة في اليمن، والأنباط في البتراء، وتدمر والغساسنة على تخوم سوريا، والأيطوريّون بين سوريا ولبنان، والمناذرة على حدود العراق.
عاصرت هذه الحضارات وتفاعلت منذ أواسط الألف الرابع ق.م. وتبعاً لبروزها الزمني، مع حضارات الهاربّا في حوض السِّند في شمال الهند، وبلاد ما بين النهرين، ومصر الفرعونيّة، ومملكة أَكسُوم في السودان والحَبَشة، وحضارة الكنعانيّين/الفينيقيّين على الشواطئ الشرقيّة للبحر المتوسط، وحضارات بلاد الشام، وهضبة الأناضول، والهضبة الإيرانيّة واليونان والرومان والبيزنطيّين، لينتهي دورها مع ظهور الإسلام واندماج مجتمع الجزيرة العربيّة في الدولة الإسلاميّة الجديدة. إن حضارات الجزيرة العربيّة قبل الإسلام هي ساميّة البيئة، عربيّة الانتماء واللغة.

2 - الواقع الجغرافي
أسهمت جغرافيّة الجزيرة العربيّة في قيام حضاراتها القديمة قبل الإسلام. فكان لهذا الموقع الجغرافي القائم في أقصى الجنوب الغربيّ من قارّة آسيا، وبين حضارات العالم القديم، الدور الأساس في تفاعل هذه البيئات الحضاريّة. فهي تنفتح في حدودها على: الخليج العربي وبحر عُمان من الشرق، وبحر العرب المتفرّع من المحيط الهندي وخليج عَدَن من الجنوب، والبحر الأحمر من الغرب. بينما تتصل في الشمال بالبَر الأسيَّوي مع بلاد ما بين النهرين (العراق اليوم) وبلاد الشام. وتُغَطِّي الصحاري الجزيرة العربيّة وأهمّها الربع الخالي الذي يُشكِّل نسبة 25 بالمئة من مساحتها الإجماليّة. بينما ترتفع الجبال في منطقة الحجاز واليمن، حيث تتلقّى نسبة مهمّة من المُتساقطات. ويغلب المُناخ الصحراوي الجاف على مُجمل أراضيها، باستثناء المناطق المُحاذية للبحر الأحمر والمُحيط الهندي، حيث تتوفّر مياه الينابيع والمتساقطات.

3 - الجزيرة العربيّة بين التاريخ والآثار
لم تكشف الجزيرة العربيّة بعد عن أسرارها التاريخيّة والأثريّة المغمورة بالرمال وتلالها الطبيعية، بانتظار معاول المُنَقِبين عن ذاكرة الماضي. كان الاهتمام الأول بهذا التراث الإنساني من قِبَل الرحّالة الغربيّين، الذين جذبتهم رمال الصحراء والتنوّع الجغرافي للجزيرة العربيّة التي بدأ الاهتمام بها منذ العصور القديمة، فحدّد موقعها في العالم القديم الجغرافي كلوديوس بطليموس (القرن الثاني ب.م.) في خرائطه. كما زارها رحّالة مُستَكشِفون غربيِّون، منذ القرن السابع عشر، وكتبوا عن ما عاينوه وما عايشوه في فترات رِحلاتهم. وأسهموا في فتح طريق استكشاف الجزيرة العربيّة ومهّدوا لقيام الأعمال الأثريّة لاحقاً.
وعندما استقلّت دول الجزيرة العربيّة بعد الحرب العالميّة الأُولى، بدأت كُل دولة تهتّم بتراثها وبذاكرتها التاريخيّة والأثريّة؛ فكَثُرت البعثات العلميّة الوطنيّة والأجنبيّة التي تعمل في مواقع أثريّة عديدة. وتمكّنت من الوصول إلى نتائج ملموسة ساعدت في إغناء معرفتنا التاريخيّة والأثريّة للجزيرة العربيّة منذ عصور ما قبل التاريخ، مروراً بمُجمل حقبات التاريخ القديم حتّى ظهور الإسلام.

4 - الواقع السياسي
عرفت الجزيرة العربيّة قبل الإسلام واقعاً سياسيّاً تمثل بقيام مجموعة من الحضارات لعبت دوراً مُميَّزا في التاريخ القديم. قامت هذه الحضارات على سواحل هذه المنطقة المُمتدة من بلاد ما بين النهرين حتّى سواحل البحر الأحمر، وشكّلت دولاً لها خصائصها الحضاريّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. وأضحت مراكز تفاعل ثقافيّة، ومحطات تجاريّة، وهمزة وصل بينها وبين مَنْ عاصرها من الحضارات. وأدّى هذا التفاعل السياسي والثقافي إلى تكوين بيئة حضاريّة لعبت دوراً مُميّزاً في الحضارة الإنسانيّة. كما تركت آثاراً ماديّة مهمّة متنوّعة الغايات، وهي تنسحب على مُجمل هذه الحضارات وفق وجودها الزمني التاريخي.

5 - حضارات الجزيرة العربيّة القديمة
5 - 1 - حضارة دلمون
قامت حضارة دلمون منذ الألف الخامس ق.م. في ما يُعرف حاليّاً بمملكة البحرين. وهي من أقدم حضارات الجزيرة العربيّة. لعبت دوراً مهمّاً بين حضارات بلاد الرافدين وملّوحا في بلاد السند (باكستان) والهند والهضبة الإيرانيّة واليمن ومَجان في عُمان وحضارة وادي النيل. وامتدّت على طول الساحل الشرقي للجزيرة العربيّة من حدود جزيرة فَيْلَكَة في الكويت، وصولاً إلى حدود حضارة مَجان في سلطنة عُمان وحضارة أُمّ النار في إمارة أبوظبي في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة. وبرعت في التجارة، ولا سيما البحريّة منها، وفي الزراعة والصيد البحري واستخراج اللؤلؤ. وتركت معالم أثريّة وتاريخيّة مهمّة منها: مجموعات من نصوص الأساطير المكتوبة بالنسق المسماري على ألواح الآجّر، ومقبرة من أكبر مقابر العالم القديم، ومعابد وبيوت وأختام. كما ورد ذكرها في المصادر السومريّة والأكديّة العائدة إلى الألف الثالث ق.م. الأمر الذي يدلّ على أهميّة دلمون الحضاريّة ومدى تفاعلها مع مُجمل حضارات العالم القديم. واشتهرت بأنها أرض مُقدّسة عند الشعوب القديمة وأشهر معابدها معبد باربار في البحرين. وعُرفت باسم أوال قبل ظهور الإسلام.

5 - 2 - مَجان
احتضنت سلطنة عُمان حضارة مَجان، ويعني اسمها جبل النحاس، كما جاء في المصادر السومريّة والأكديّة في بلاد الرافدين. واشتهرت منذ الألف الثالث ق.م. بعلاقات وثيقة مع دلمون وبلاد الرافدين ومختلف حضارات الشرق القديم ومع الهند وأفريقيا. وتميّزت بصناعة النحاس واستخراج اللؤلؤ والأحجار الكريمة من الديوريت، وصناعة السفن التي مكّنتهم من ركوب البحر وممارسة التجارة على نطاق واسع.

5 - 3 - أُم النار
اتّخذت هذه الحضارة اسمها من جزيرة أُم النار الواقعة ضمن إمارة أبوظبي في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، وامتدّ تأثيرها بين حضارة دلمون في الشمال وحضارة مَجان في عُمان. وازدهرت في العصر البرونزي، ولا سيما بين الألف الثالث والثاني ق.م. تمّ اكتشاف حضارة أُم النار في العام 1959 بفضل حفريّات قامت بها بعثات مشتركة إماراتيّة وعراقيّة ودانماركيّة. وبيَّنت هذه الحفريات اهتمام السكّان بصناعة المراكب والصيد البحري، وصهر النحاس والتجارة مع بلاد ما بين النهرين وحوض السند. كما كشفت هذه الحفريّات عن مجموعة مقابر دائريّة الشكل، يزيد عددها على الخمسين مدفناً، وبقايا جدران مُزيّنة برسوم حيوانات المها والثعابين والجمال، ومجموعة من الفخّار المزخرف والملوّن وحلي من الذهب وأسلحة نُحاسيّة.

5 - 4 - حضارات اليمن
تميّزت اليمن بموقعها الجغرافي الاستراتيجي بين البحر الأحمر وبحر العرب المتفرّع من المُحيط الهندي والذي يفصل بينهما مضيق باب المندب. وعُرفت بمناخها الموسميّ المتنوّع الغزير الأمطار. كما اشتهرت بغنى أراضيها بالمعادن، وبخصوبة تربتها البركانيّة المُلائمة لزراعات متنوّعة عديدة، ولا سيّما البخور والمُرّ واللبان. لعبت هذه المُمّيزات الطبيعيّة دوراً أساسيّاً في خلق بيئة حياتيّة حاضنة، فاستوطنها الإنسان منذ فجر التاريخ، وأسّس فيها، منذ الألف الرابع ق.م.، دولاً مُختلفة تركت مُميِّزاتها الحضاريّة في اليمن وأسهمت في بناء تاريخه، وهي دُول: سبأ وأُوسان وقتبان ومَعين وحضرموت وحِميَر وكِندة. فأسهمت كُلّ واحدة منها في إغناء تاريخ اليمن القديم بالمكاسب الحضاريّة. وتركت آثاراً ماديّة مُميزة، أبرزها سدّ مأرب المعروف أيضاً بسدّ العرم، ونقوشاً كتابيّة بالخط المُسند، غنيّة بمضمونها التاريخيّ.
واستمرّت حضارات اليمن بالتطوّر والازدهار إلى أن انفجر سدّ مأرب فتفرّقت قبائل اليمن باتّجاهات مختلفة حاملة معها تجاربها الحضاريّة إلى مناطق استوطنتها في سوريا والعراق وداخل الجزيرة العربيّة. وأسهمت مجموعة عوامل داخلية وخارجية في إضعاف هذه الحضارات وانهيارها، وأبرزها: تراجع الاهتمام بالزراعة والتجارة، وسيطرة حُكّام مصر البطالسة على التجارة في البحر الأحمر والمُحيط الهندي، وبداية الغزوات الخارجيّة مع الرومان بقيادة أليوس جالينوس في العام 24 ق.م. وبعدها غزوة الأحباش واحتلالهم اليمن في مطلع القرن السادس ب.م.

5 - 4 - 1 - دولة سبأ
قامت دولة سبأ في اليمن في المنطقة الواقعة إلى الجنوب الغربيّ من مَعين، حيث تمكّن ملوكها من توحيد معظم المناطق اليمنيّة في دولة واحدة العام 950 ق.م. وكانت صِروَاح العاصمة الأولى وانتقلت بعدها إلى مدينة مأرب. وتوسّعت هذه الدولة لتشمل شواطئ البحر الأحمر والحبشة. ودخلت، بقيادة ملكها الشهير: كرب إيل وتر، في صراعات عسكريّة مع دولٍ تشكّلت على تخومها وتمكّنت من القضاء عليها وضمّها إلى مناطق نفوذها وسيطرتها في اليمن، وهي: دولة أُوسان، ودولة قَتَبان، ودولة مَعين، ودولة حضرموت، ودولة حِميَر. كما سّجل هذا الملك انتصاراته على نقش سُمّي: نقش النَّصر. وورد ذكر سبأ في إلياذة الشاعر اليوناني هوميروس، وفي التوراة، وفي القرآن الكريم الذي أفرد سورة خاصّة باسمها.
اشتهرت دولة سبأ بتجارة العطور والدرّ والبخور واللبان لوقوعها على طريق التوابل والبخور. وأنشأ ملوكها سدّ مأرب الشهير. وبلغت شهرة واسعة في التاريخ القديم لعلاقاتها التجاريّة مع مصر الفرعونيّة وبلاد الهند وبلاد ما بين النهرين والمُدُن الفينيقيّة ومعظم ممالك الشرق القديم. وذاعت أخبار ملوكها، ولا سيما أخبار علاقة ملكتها بلقيس بسليمان، ودخلت هذه الأخبار في القصص الشعبيّة. وزالت كدولة قويّة بسبب كثرة هجمات الفرس والحِميَريّين عليها في نهاية القرن الثاني ق.م.

5 - 4 - 2 - دولة أُوسان
نشأت هذه الدولة في القرن السابع ق.م. في وادي مَرخة جنوب وادي بيحان وعدن، وعاصمتها مدينة هَجْر الناب وأشهر ملوكها عَمَكْرِب. وتوالى على حُكمها أكثر من عشرة ملوك. وتمكّن ملك سبأ كرب إيل وتر من القضاء عليها وضمّها إلى دولته.

5 - 4 - 3 - دولة قتبان
قامت دولة قَتبَان في وادي بيحان الواقع شرق مدينة عَدَن في منتصف القرن السابع ق.م. وامتدّ نفوذها إلى البحر الأحمر. واتّخذت مدينة تِمنَع عاصمة لها في الموقع المعروف باسم هَجْر بن حميد. دخلت في تحالف مع دولة سبأ ضدّ دولة أُوسان ومملكة حضرموت وقضت عليهما. كما كانت هدفاً لحملات سبئيّة في القرن الخامس ق.م. الأمر الذي أدّى إلى إضعافها.
اهتّم القتبانيّون بالزراعة والتجارة ولا سيّما تجارة البخور. كما اشتهروا بمجال البناء والعمران وشقّ الطرقات الجبليّة لتسهيل سير القوافل التجاريّة. وأظهرت الحفريات الأثريّة التي حصلت في العاصمة تِمنَع عدداً من المباني والمعابد، وكشفت عن مهارة في صناعة التماثيل المختلفة الأنواع، وسكّ العملة الذهبيّة والفضيّة التي حملت رموزاً عمرانيّة قتبانيّة. وبعد تعاظُم قوّة قتبان حاولت التوسع شمالاً وجنوباً، فاصطدمت بدولة سبأ التي تمكّنت من القضاء عليها في منتصف القرن الثاني ق.م.

5 - 4 - 4 - دولة مَعين
نشأت دولة مَعين في اليمن منذ نهاية الألف الرابع ق.م. في وادي الجوف بين نجران وحضرموت. وكانت عاصمتها مدينة قِرناو. بلغت قوّتها السياسيّة والاقتصاديّة في نهاية الألف الثاني ق.م. وامتازت هذه الدولة بالزراعة، ولا سيّما المرّ واللبان والبهارات، وبتجارة العطور والبهارات والسلاح، وبسيطرتها على الطرق المؤدّية إلى بلاد الشام، وبعلاقاتها مع معظم دول العالم القديم، وامتد نفوذها إلى الحجاز.
واستمرّت على ازدهار كبير إلى أن دبّت الخلافات بينها وبين دولة سبأ التي تمكّنت من القضاء عليها حوالى سنة 650 ق.م. والسيطرة على تجارتها وعلى المناطق التابعة لها. وكشفت الحفريات الأثريّة التي بدأت منذ القرن الماضي، عن حقائق تاريخيّة مهمّة للدور الذي لعبته هذه الدولة خلال تاريخها الطويل في الجزيرة العربيّة.

5 - 4 - 5 - دولة حضرموت
قامت هذه الدولة في منطقة حضرموت الواقعة على خليج عدن وبحر عُمان. ورد ذكرها في المصادر التاريخيّة اليونانيّة واللاتينيّة والعبريّة القديمة والنصوص العربيّة الجنوبيّة. كانت عاصمتها مدينة شبوة. واشتهرت بمينائها قِنا الذي شكّل همزة وصلٍ تجاريّة بينها وبين العالم القديم نحو مصر وشرق أفريقيا. وقد عُرفت بأرض اللبان. لا نعلم متى قامت هذه الدولة، لكن من المُرجّح أنها نشأت بين القرن السابع والخامس ق.م. وفق أوّل نقش حضري يعود للقرن الخامس ق.م. ويرد فيه أن ملك الحضريّين يهرعش بن أبيشع بنى سوراً لحماية حضرموت من غزوات الحِميَّريّين.
كانت الملكيّة نظام الدولة. وقد عمد ملوكها إلى تحالفات مع القبائل الجبليّة لتأمين طريق التوابل والبهارات وحمايتها من قُطّاع الطُرق والسيطرة على الأراضي الخصبة والمناطق الساحليّة لتأمين تجارتهم. لكن الضعف أصابها، فهاجمها السبئيّون بقيادة ملكهم شمر يهرعش، فسيطر عليها وضمّها إلى سبأ في القرن الثالث ق.م.

5 - 4 - 6 - دولة حِميَر
دولة عربيّة (115ق.م.-599ب.م.) قامت في اليمن في القرن الثاني ق.م. على أنقاض ممالك قتبان وحضرموت وسبأ. ويعود الحِميريون بنَسَبهم إلى قبائل قحطان؛ فجعلوا ريدان (ظفار) عاصمة لدولتهم وأشهر ملوكهم سيف بن ذي يزن (516-574 ب.م.) المعروف أيضاً باسم أبي كرب أسعد الذي سَكَن قصر غمدان وحرّر اليمن من الأحباش بمساعدة الفرس. واعتنق الحِميَّريّون اليهوديّة، واضطهدوا المسيحيّين على عهد ملكهم ذي النواس الحِميَريّ؛ وانقسمت هذه الدولة بعده إلى بيوت حِميَريّة عديدة كانت تتصارع على الحكم، وانتهى دورها بعد العام 599ب.م.

5 - 4 - 7 - دولة كِندة
بدأت حضارة كندة في اليمن في منطقة سبأ، وانتقلت إلى حضرموت، ومنها إلى منطقة الإحساء والقطيف في السعوديّة وجزيرة البحرين، لتستقر في منطقة نجد، حيث قامت فيها مملكة في مطلع القرن الخامس ب.م. وبرز منها الملك الحارث بن عمرو (489-528م) الذي سعى لتوحيد الجزيرة العربيّة. لكن المناذرة بقيادة الملك المنذر بن ماء السماء، لاحقوا ملوك كِندة وقتلوا آخر ملوكهم حِجر، والد الشاعر الجاهليّ المعروف امرئ القيس، الذي مات من دون التمكّن من استرجاع حكمه.
تميّزت هذه الحضارة بآثارها العمرانيّة الشبيهة بآثار تدمر والبتراء، وكتاباتها بالقلم المسند، وبتجارتها بالحرير واللبان، وبثراء اقتصاديّ. بانت معالم الوثنيّة واضحة في نقوشها وتماثيلها ورسومها الفنيّة، كما اعتنق بعض من أهلها المسيحيّة قبل دخولهم الإسلام.

6 - حضارات عربيّة
خارج الجزيرة العربيّة
6 - 1 - الحضارة التدمريّة
تمتّعت تدمر بموقع استراتيجيّ بين الدولتين المتنافستين: الفارسيّة والرومانيّة، فاعتمدت سياسة الحياد وضمنت لنفسها الأمان، الأمر الذي مكّنها من تطوير حضارتها التي قامت في أواسط سوريا منذ القرن التاسع عشر ق.م. فأضحت مركزاً تجاريّاً ممتازاً. وأتقنت لغات عدّة، منها الآراميّة بلهجتها التدمريّة كلغة لأبنائها، واليونانيّة واللاتينيّة كلغة ثقافيّة ولتدوين الوثائق الرسميّة. فتشبّعت بالثقافات المتعدّدة، وازدادت غنى من التجارة، فانعكس كلّ ذلك على تطوّرها العمرانيّ ومستواها الفكريّ والأدبيّ. وتركت معالم عمرانيّة عديدة مثل الشوارع المعبّدة والمعابد والمسارح والبيوت والقبور والأبراج. وبرز فيها التأثير الفارسيّ واليونانيّ والبابلي بتنفيذ محليّ، منح ذوقاً رفيعاً لكلّ ما تركه التدمريّون ولا نزال نراه لدى زيارتنا لمعالمها.

6 - 2 - الأنباط
نشأت حضارة الأنباط بفضل هجرة قبائل عربيّة في القرن الخامس ق.م. واستقرت في الجنوب الشرقي للبحر الميت في منطقة وادي موسى في الأردن حاليّاً. وامتدت في نهاية خانق جبلي حصين، حيث بُنيت عاصمتها مدينة البتراء في الصخر، ومن أبرز معالمها القصر والخزنة والدير. ويُجمع المؤرخون على أنها حضارة مركَّبة، فهي عربيّة في لغتها، وآراميّة في كتابتها، وساميّة في ديانتها، ويونانيّة ورومانيّة في فنِّها وهندستها المعماريّة. وامتدّ نفوذها إلى البحر المتوسط. واشتهرت الملكة زنوبيا أو الزباء في صراعها مع الرومان، الذين أنهوا دورها في العام 106 ب.م. وسيطروا على مملكتها.

6 - 3 - الأيطوريّون
قبائل خرجت من الجزيرة العربيّة نحو سوريا ولبنان، حيث استقرت منذ العصر اليوناني. ولقد بسطت الدولة الإيطوريّة نفوذها على سهل البقاع اللبناني، وجعلت من كلسيس (عنجر) عاصمة سياسيّة لها ومن بعلبك مركزها الدينيّ. واحتلّت جبال لبنان الغربيّة وانحدرت نحو البحر المتوسط، فسيطرت على مدينتي طرابلس وجبيل. وأدخل الإيطوريّون تقاليدهم وعبادتهم العربيّة حيث استقروا، وهو ما أكّدته الأصول التاريخّية والأثريّة. وعُرفوا في المصادر القديمة بكونهم محاربين أشدّاء، وورد ذكرهم في المصادر اللاتينيّة والعبريّة والعربيّة. أنهى الرومان دورهم السياسي وضمّوا مناطق نفوذهم إلى المقاطعات الرومانيّة في الشرق مطلع القرن الأول ب.م.

6 - 4 - الغساسنة
قبائل عربيّة جاءت من اليمن وأنشأت دولة منذ مطلع القرن الأول ب.م. في جنوب سوريا، وكانت عاصمتها بُصرى والجابيّة في الجولان. تحالفوا مع الرومان والبيزنطيّين، وساعدوهم في حروبهم ضدّ الفرس الساسانيّين وحلفائهم المناذرة. وتميّزت حضارتهم بلغتها العربيّة والآراميّة ذات الخطّ النبطّي، وديانتها الوثنيّة ثم المسيحيّة، وبآثارها العمرانيّة المتمثّلة بالكنائس والقصور والحمّامات وأقواس النصر والقلاع، وبتراثها الأدبي والشعري مع شعراء بلاطهم كحسّان بن ثابت والنابغة الذبيانيّ. وخبت هذه الحضارة مع ظهور الإسلام.

6 - 5 - المناذرة
حضارة عربيّة مشبعة بالتأثير الفارسيّ. أسّس المناذرة اللخميّون دولتهم في جنوب العراق في القرن الثالث ب.م. بعد قدومهم من اليمن، وجعلوا عاصمتهم في مدينة الحيرة القريبة من نهر الفرات. سيطر عليهم الفرس وأبقوا لهم استقلاليّة في الحكم الداخلي. فتحوّل المناذرة إلى الاهتمام بالحياة الاقتصاديّة والفكريّة والعمرانيّة، وأمست عاصمتهم مركز إشعاع أدبيّ، وملتقى لمعظم شعراء العرب آنذاك كلبيد بن ربيعة وعمر بن كلثوم والنابغة الذبياني وطَرَفة بن العبد. وتميّز المناذرة ببناء القصور وأبرزها الخورنق والسدير، وأديرة أبرزها دير الحريق. عبدوا الأوثان ومن ثمّ اعتنقوا المسيحيّة، وانتهت دولتهم على يد خالد بن الوليد بعدما فتح الحيرة العام 634 م.

7 - المظاهر الحضاريّة
إن تعدّد الحضارات والدول التي قامت في الجزيرة العربيّة وخارجها قبل ظهور الإسلام يفرض على المؤرخ صعوبات منهجيّة عديدة عند دراسة مظاهرها الحضاريّة في مجالات الأنظمة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والعسكريّة، وفي مجال الفكر الديني وتعدّد الآلهة وممارسة الطقوس والعبادات، ومجالات العمران والمواصلات وغيرها من أمور الحياة اليوميّة، التي عاشها سُكان هذه المنطقة الجغرافيّة الواسعة. فالدخول في أدق تفاصيلها لا تسمح به الأصول والمصادر التاريخيّة والأثريّة التي نملكها لنتبيّن بشكل واضح كلّ هذه المجالات الحضاريّة.
وإذا حاولنا تلمُّس بعض هذه المظاهر الحضاريّة من خلال المُكتشفات الأثريّة التي تحصل باستمرار في مُختلف دول الجزيرة العربيّة، نتبيّن حقائق تاريخيّة مُبعثرة ومُعبّرة في آنٍ. ولعل ما تمّ اكتشافه في اليمن حتّى اليوم، قد أغنى معلوماتنا التاريخيّة عن منطقة مهمّة في الجزيرة العربيّة؛ لكن، في المقابل لا يُمكن تعميم هذه المعلومات على كلّ الحضارات العربيّة القديمة. لذا، واستناداً إلى الأصول والمصادر الأثريّة والتاريخيّة، نلاحظ أن كلّ هذه الدُّول القديمة قامت على نظام المَلكيَّة الوراثيّة تُساندها مجالس استشاريّة. بينما تميَّز المجتمع بطبقاته المُشابهة لحضارات العالم القديم. وعرف الدين، المُتعدد الآلهة والطقوس، وطبقة الكُهّان بوظائفهم المُختلفة وتراتبيّتهم.
أما في مجالات الاقتصاد، فقد ازدهرت الزراعة، ولا سيّما التوابل والعطور، ومنها اللبان والمرّ التي شكّلت مادّة مهمّة للعلاجات الطبيّة والتحنيط وللتجارة، فقامت على أساسها طريق التوابل. ولعب هذا الطريق دوراً محوريّاً في اقتصاد حضارات الجزيرة العربيّة، شأنه شأن طريق الحرير. بينما أسهمت غزارة المتساقطات والمجاري المائيّة بحَفر الآبار وإقامة السدود، وأبرزها سدّ مأرب، لتجميع المياه وجرّها بالأقنية لتوسيع الأراضي الزراعيّة والإفادة من محصولها في التجارة. وازدهرت الصناعات والحِرَف المتنوّعة، مثل صناعة الأسلحة والحلي من الذهب والفضّة المطّعَمة بالأحجار الكريمة. وبرعوا في صناعة السفن والنسيج والتعدين. أما العمران، فما تمّ اكتشافه من مواقع دينيّة وسكنيّة ومدفنيّة عائدة لمُجمل حضارات الجزيرة العربيّة، يدّل على مهارة وذوق في هذا المجالات. إن تنوع مُنتجات الجزيرة العربيّة، وغناها بالمواد الأوليّة الزراعيّة والمعدنيّة، وموقعها المُمَيَّز بين حضارات العالم القديم، أسهم جميعه في تنشيط التجارة والتفاعل الثقافي والحضاري بينها وبين مَنْ عاصرها من الحضارات منذ الألف الرابع ق.م.
بينما ظهر النمط الكتابيّ منذ أواسط الألف الرابع ق.م. وكان نسقاً مسماريّاً مثل الكتابة في بلاد ما بين النهرين، لكن الاكتشافات الأثريّة التي حصلت في موقع بيت شمس في فلسطين وفي مملكة أُغاريت في سوريا، أظهرت كتابة أبجديّة عربيّة مكتوبة بالنسق المسماري وفيها حرف الضادّ، وتُقرأ منذ بداية ظهورها من اليمين إلى اليسار. وهي كناية عن نصٍّ مدرسيٍّ لتعليم الأبجديّة؛ بينما ظهرت أبجديّة عربيّة مُخطّطة منذ أواخر الألف الثاني ق.م. ومؤلفّة من 29 حرفاً صوتيّاً.
ازدهرت هذه الكتابة وانتشرت في كلّ دول الجزيرة العربيّة، وتزايد عدد نصوصها بتطوّر الاكتشافات الأثريّة؛ فضمّت هذه النصوص العربيّة، المكتوبة بالخط المُسند، معلومات تاريخيّة أسهمت مساهمة واضحة وأكيدة في توضيح الواقع الحضاري والتاريخي لما حصل في هذه المنطقة، خلال حقبات تاريخها الطويل، ومدى تفاعلها مع العالم القديم. ازدهرت هذه الكتابة العربيّة وتفرّعت بين الجنوب والشمال إلى عائلة لغوية مُتشعّبة ومُختلفة في أشكال الحروف المُخطّطة غير المنقّطة والتي تُكتب منفصلة بعضها عن بعض. وأغنت الكتابة واللغة العربيّة علوم اللغات الساميّة، وساعدت عُلماء اللغة على فهمٍ أعمق للنصوص القديمة. تطوّرت هذه النقوش وأسهمت في ازدهار اللغة العربيّة، فأعطت بجمال تركيبها وعُمق مفرداتها الإنتاج الأدبي والفكري، ولا سيّما الشعري منه، قيمة جعلته من روائع الإنتاج الأدبي العالمي.

حضارات عريقة
يعود السكن البشري في الجزيرة العربيّة إلى أكثر من ثمانية آلاف سَنَة وفق ما أكّدته الحفريات الأثريّة القائمة فيها منذ أكثر من خمسين سَنَة. وبيَّنت هذه الحفريات حضارات عريقة لها مُمّيزاتها وخصائصها الثقافيّة والعمرانيّة وهي حضارات: دلمون، ومَجان، وأُم النار المُمتدة من جزيرة فيلكا في إمارة الكويت إلى اليمن، وحضارات مَعين وسبأ وحِميَر وكِندة في اليمن، والأنباط في البتراء، وتدمر والغساسنة على تخوم سوريا، والإيطوريّون بين سوريا ولبنان، والمناذرة على حدود العراق.

صعوبات منهجية
تعدّد الحضارات والدول التي قامت في الجزيرة العربيّة وخارجها قبل ظهور الإسلام يفرض على المؤرخ صعوبات منهجيّة عديدة عند دراسة مظاهرها الحضاريّة في مجالات الأنظمة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والعسكريّة، وفي مجال الفكر الديني وتعدّد الآلهة وممارسة الطقوس والعبادات، ومجالات العمران والمواصلات وغيرها من أمور الحياة اليوميّة، التي عاشها سُكان هذه المنطقة الجغرافيّة الواسعة. فالدخول في أدق تفاصيلها لا تسمح به الأصول والمصادر التاريخيّة والأثريّة التي نملكها لنتبيّن بشكل واضح كلّ هذه المجالات الحضاريّة.





مراجع توجيهيّة:
- بافقيه محمد عبدالقادر - بيستون ألفريد - روبان كريستيان - الغول محمود، مختارات من النقوش اليمنيّة القديمة، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1985.
- حتي فيليب - جرجي إدوار - جبّور جبرائيل، تاريخ العرب، بيروت، طبعة 2007.
- علي جواد، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 10 أجزاء، بيروت، 1968-1974.
- سورديل ج. و د.، معجم الإسلام التاريخي، ترجمة الدكتور أ. الحكيّم ومراجعة ف. الكك وإ. بيضون وه. الأيّوبي، الدار اللبنانيّة للنشر الجامعي، بيروت، 2009.
J. SASSON (éd.), Civilizations of the Ancien Near-East, New York, 1995.
LOZACHMEUR H. (éd.), Présence arabe dans le Croissant fertile avant l’Hégire, Actes de la Table ronde internationale (Paris, 13 novembre 1993), Paris, 1995.
JOANNES Fr. (éd.), Dictionnaire de la civilisation mésopotamienne, Paris, 2001.

اقرأ أيضا