الاتحاد

الملحق الثقافي

الشراكسة اختاروا الجبال من أجل النقاء والبقاء

اذا كان البحث الأدبي يهدف، فيما يهدف إليه، الى الكشف عن جانب جديد من الأدب، فإن الموضوع، الذي شكل لها هاجساً للباحث إيمان بقاعي وجعلها تقدم على الخوض فيه، كان دراسة “الوطن في أدب الشراكسة” سواء منه العربي أو المعرب، بعد أن تأكدت من أن الأدب المعرب، من اللغة الشركسية الأم، يشكل رافدا للأدب العربي من حيث ترابط القضايا المطروحة، والتشابه فيما بينها. وإذا كانت الظروف، التي جاءت ببعض الشراكسة إلى الوطن، والتي ابقت منهم من بقي في الوطن الأم، قد لعبت دوراً هاماً جداً في تنوع الأدب، فقد عاين الأدب العربي ـ الشركسي، قضايا البلدان العربية، بينما حاول الأدب الشركسي التأقلم مع أوضاعه، في الوطن الأم، سواء بشكل إيجابي، أو بشكل نقدي.
وبحثت المؤلفة في أثر التراث الشركسي من لغة، وشعر وأساطير، وأمثال، وعادات، وتقاليد، في الأدب العربي الشركسي، فكشفت عن هذا التراث، الذي بدا في أبهى حلله، وفي كامل وجوده معطياً الأدب الشركسي نكهة خاصة، وميزة فريدة مثلت الحضارة الشركسية التي، وإن تفاعلت مع قضايا الوطن العربي، أدبياً ووطنياً، فإنها ظلت محتفظة بهويتها القومية التي اثبتت وجوداً وحضوراً هامين ولافتين في هذا الأدب.
وتخلص المؤلفة إلى أن الأدب الشركسي ما كتب إلا عن الوطن. ربما لأن قضية الوطن كانت الأساس في تمزقات الشراكسة، اقتلاعهم، وزرعهم، تألقهم، أو عدمه. فكانت قضية الانتماء، عندهم، قضية تجاذبها الزمان والمكان، قضية لعبها الكبار ونفذها الصغار. ولماذا الشراكسة؟ لأنهم، كما تقول، جدودي واخوالي الذين انتقلت، منهم الي، هواجس البحث عن الوطن بكل ما يعنيه من مفاهيم وامتدادات.
وتشير المؤلفة أن القوم أمدوها بكل ما في مكتباتهم الخاصة، بكل سخاء، دون أن تنسى الأدباء الشراكسة، الذين قدموا لها كتاباتهم، وتابعوا معها جهودها.

أصول الشراكسة
دعي الشراكسة قديماً بأسماء عديدة، فقد ذكر تاريخ “هيرودوت” عن قبائل (السند والميؤوت) و(الأبخاز): (الأباظة) الذين يعدون من أمهات القبائل الشركسية الكبيرة. اما “استرابون” فسمى الشراكسة (جيكس) أو (جيكت)، بينما سماهم “ادريان”: (تسوخي) و”بلين” سماهم (سرست) أو (كركس) وكانت هناك قبيلة شركسية تسكن شمالي هذه القبائل وتدعى (سيراكس).
وذكر الرومان بلاد الشراكسة باسم (تسوخيا) أو (جيخيا) بينما سمى (الأيرون) بلادهم (قازاخ ـ كاساك)، وحين أرّخ مؤرخو بيزنطة تاريخ بلاد الشراكسة دعوها(قازادحيا)، اما الروس فدعوها (قاسوغي). لقب (شركس) اذن مأخوذ من اسم (كركس) أو (سرست) الذي لقب به قدماء اليونان إحدى قبائل الشركس، أو من اسم (سراكس) الذي سموا به أخيراً قبيلة أخرى من القبائل الشركسية.
أما العرب فيعرفون الشركس باسم (سركس) و(سراكس). وللشراكسة أربع قبائل وهي: “تركس” و”اركس” و”كسا” و”آص”. وتتفرع من تلك القبائل الأربع بطون وافخاذ كثيرة ذكرها المؤرخون. فعلى هذا، يقرب جداً أن يكون هذا التلقيب “شركس” أتى من جيرانهم الفرس بمعنى: الرجال الأربعة، وذلك انه ورد في الكتابة العربية القديمة اطلاق اسم “جهاركس” و”جاركس” بمعنى الرجال الأربعة، لأن “جهار” و”جار” بمعنى اربعة و”كس” بمعنى رجل.
وكان لفظ (تاشركسي) و(القفقاسي) بمعنى واحد، ثم خصه (الأتراك) بالقسم الغربي من سكان شمال القفقاس حتى تنوسي الإطلاق الأصلي واشتهر الإطلاق بالمعنى الأخص في المدة الأخيرة، ويعرف الشركس اليوم بالمجموعة الغربية من شمال القفقاس، ويتألفون من: (الأديغة)، و(الوبخ) و(الأبخاز) حيث يدعون بمجموعتهم بـ:”الأديغة”.
وكلمة “أديغة” بتخفيف الغين، هي الإسم القومي لشراكسة الجزء الغربي من القفقاس الشمالي، ومعناها المصطلح عليه: الإنسان الكامل أو معناها: نجيب، أصيل، وقد تطورت التسمية في مراحل عكست المراحل الحضارية والثقافية والاجتماعية التي عاشتها هذه الأمة عبر التاريخ.

صفات الشعب
أول من كتب عن الشراكسة بإسهاب هم اليونان والرومان، كذلك فعلت الروس والإنجليز والفرنسيون والألمان والأرمن والكرج والأتراك والعرب. وهم من شعوب القفقاس الأصلية (Paleo Caucasien) وقد حافظوا على قوميتهم وجنسيتهم، ولم يختلط بدمهم دم آخر ولم يدنس عرقهم اجنبي رغم تقلب وتعدد الفاتحين والمغيرين على بلادهم، وقد ضربت بهم الأمثال في حب الأوطان وعرفوا بالشجاعة ايضاً اذ هابهم الكلدانيون والآشوريون والمصريون والأقوام المجاورة لهم لعظمتهم وجبروتهم ودام ملكهم آلاف السنين وهم ضمن “الاتحاد الامبراطوري لحكومات الحثيين” اذ ان الحثيين هم من ارومة الشراكسة، تنبئ عن ذلك اللغة، وهياكل الحثيين المحفوظة في نواويس مصرية، كذلك الملابس والأزياء والمعتقدات.
وقد دعمت الشجاعة فيهم لتعرض بلادهم الطويل لغزوات وهجمات كبيرة فكان عليهم أن يكونوا متحفزين وجاهزين ضد اي غزو او هجوم، فهم “يقاتلون حتى الموت مع علمهم الأكيد بأن الأمل قد انتهى، وانهم في النهاية هم الخاسرون”.
وقد لفتت شجاعتهم ودفاعهم ومقاومتهم ضد الروس (1177هـ/ 1763م ـ 1281هـ/ 1864م) نظر المؤرخين فاهتم الأوروبيون بهذه المقاومة العجيبة من قبل شعب صغير ضد أكبر امبراطورية في أوروبا فكتب الكثير عنها واعتبروا فرساناً ارستقراطيين واعتبروا لشجاعتهم اللافتة نبلاء وقال ادمون دولوريه في مقالة “الشعوب القفقاسية” التي نشرت في “مجلة العالمين” باريس 15 ابريل 1861:
“لو كان ممكناً أن تجمع في شخص واحد شجاعة الجبلي التي لا تغلب، ومدنية الرجل الراقي، وعدم مبالاة الفلاح (paysan) غير المجهز بالعلم، لكان بالإمكان اعطاء فكرة صحيحة على وجه التقريب من الطبع الشركسي”.

الجغرافيا والتاريخ
كان القفقاس منذ القدم، حلقة الاتصال بين الشرق وبلدان اوروبا الوسطى والشمالية. وهو يشبه قنطرة عظمية بين آسيا وأوروبا، لذا كان طريق المغيرين والفاتحين بين القارتين، وكان ايضاً، سداً منيعاً وعقبة كأداء في وجه الغاضبين. وهو، بحكم موقعه الجغرافي، غني التربة، غني الأنهار، غني البحيرات، غني الجليديات، غني المياه المعدنية، كما إنه يملك ثروة نباتية ضخمة اذ يحتوي نحو 6500 نوع من النبات الموجود في العالم، اي ما يعادل نصف أنواع النبات في العالم ويوجد فيه الكثير من أنواع الحيوان. اما الثروة المعدنية، فهو غني بالذهب والفضة والرصاص والقصدير والحديد والمنغنيز والكوبالت والنحاس والكبريت والكروم والفحم الحجري، وملح الطعام وصخور الجرانيت وأنواع الرخام الفاخر، وعروق الماس. غني ايضاً بالموليبدن والفولجرام اللذين يدخلان في الصناعات الحربية والفضائية، كذلك غني بالنفط والغاز خاصة في اقاليم: الأديغي والقبرطاي والشاشان والداغستان.
إن هذا الموقع الجغرافي، وهذا الغنى، جعل القفقاس ومنذ القدم، محطة هامة للقوافل التجارية، فقد كان نقطة التلاقي بين التجارتين البحرية والبرية، وبيعت في أسواقه كثير من المواد الهندية والصينية والإيرانية والبيزنطية والعربية، بينما صدر الأقمشة المطرزة بالذهب، والأسلحة والأرز والمواشي والأسماك، لكن طريق التجارة تراجعت اثر الإحتلال الروسي، واكتشاف طرق أخرى كرأس الرجاء الصالح، وقناة السويس، وتحولت الى تجارة داخلية، الى السوق الروسية ومنها. وفيه طرق مواصلات معبدة، وسكك حديدية ومطارات وموانئ بحرية هامة. وتشكل السياحة فيه مورداً هاماً لغناه بالغابات الواسعة، والمحميات الطبيعية، والقمم، والشلالات والمياه المعدنية، والبحيرات، والجموديات، والتجمعات السياحية الأخرى.
اما بالنسبة للصناعة، فقد اشتهر الأديغة، منذ القدم، بنحت التماثيل وصقلها، وبفن الحفر والرسم، وصياغة المعادن، وصناعة عدة الحرب، وكانت صناعتهم تلك مضرب الأمثال. وقد صنعوا الفسيفساء (الموزاييك) من خلط البرونز مع الأحجار الملونة بالأحمر والأسود والأبيض كما اشتهروا بصناعة الحلي والمجوهرات والأواني الخزفية والصينية، كما صنعوا (القامة) (الخنجر القفقاسي) وزينوها بالفضة وماء الذهب وصنعوا القسي والنبال، وخراطيش البارود الخشبية المصفحة بالفضة المزخرفة، واقراطها من الحديد والفضة واساور وخواتم وامشاط وادوات للزينة، كما صنعوا البنادق والعتاد يدوياً.
والى جانب هذه الصناعات، وجدت لديهم صناعات تقليدية، كصناعة الألبان والزبدة وعرفوا الزراعة ومهروا فيها، كذلك مهروا في تربية النحل. ونقلوا معهم صناعاتهم الى حيث هاجروا. هذا، وقد اثر موقع البلاد الاستراتيجي على علوم الشراكسة، اذ وجدت آثارهم القديمة مكتوبة بالآشورية، كما كتبت باليونانية، وبحكم وجود علاقات بين قدماء الشراكسة واليونانيين الذين نزلوا سواحل البحر الأسود الشمالية الشرقية في القرن السادس ق.م، وشرعوا ببناء بعض المستوطنات هناك حيث ازدهرت دولة الشراكسة، ويسكن الأديغة اليوم في ثلاث مناطق ضمن الإطار التنظيمي لجمهورية روسية الاتحادية كما يلي: في جمهورية قبردين ـ بلقار ذات الحكم الذاتي. وفي جمهورية الأديغة ذات الحكم الذاتي. وفي جمهورية قرشاي ـ شركس ذات الحكم الذاتي. وفي جمهورية ابخازيا. كما يوجد الشراكسة اليوم في تركيا. اما في البلاد العربية، فيوجدون في الأردن، مصر وسوريا.

اقرأ أيضا