الاتحاد

الملحق الثقافي

القلم سلاح الحضور

العنوان “إلى جهة في السماء”، ديوان جديد للشاعر اللبناني الدكتور حسن جعفر نور الدين، عن دار رشاد برس ـ بيروت في مئة وإحدى وتسعين صفحة من القطع الصغير طرّزتها تسع وثلاثون قصيدة عابقة بذكريات الطفولة والصّبا مستمدّة مادتها من البيئة المحلّية: طبيعة وعادات وتقاليد وصداقات وحبا.
قصائد منها البسيط الوادع، المنبعث من النهر والشجر والطواحين، ومنها العميق المؤثّر في الذاكرة، كعاطفة الأمومة، وابتهالات الإيمان، وتأملات القضايا الجادة: القدس وفلسطين. إنها، كما قال الشاعر في المقدمة: “ذكريات الأمس واليوم المشتعلة بالوجدانيات، والملتصقة بعالم الطفولة والفتوة، منها ما أفل، ومنها ما زال يعيش ويتوسع، وتتوسّع معه الذاكرة اللاقطة التي تعتبر أعظم نعمة وهبها الله للإنسان... ذكريات بل قصائد من عالمي الفسيح الذي عشت فيه ونهلت منه”.
وانطلاقاً من هذا البوح الصّادق، جاءت القصائد فلذات تعبيرية تخرج من القلب إلى القلب، يتهادى بها ضمير المتكلم، كي تكون الجملة نغماً صافياً، لتجربة شعرية ناضجة توغل في التأمل دون التخلي عن البراءة والحميمية والمكاشفة.
إنّ تصفح الديوان يشبه قراءة في سيرة، تخلع عنها حفيظة الكتابة التاريخية، وما يعتمده المؤرخون من احتياطات في نقل الوقائع، وتنظيم الأحداث، فهي سيرة مطهّرة من الزّيف والحذر والمصانعة ترخي عنان القول، وتضعك وجهاً لوجه أمام سفر الطفولة والأحلام. وقبل أن تعبر معها إلى العناوين الرقيقة، تسدي إليك الاستهلال بقصيدة قلمي، لتؤكّد تمسّك الشاعر بالكتابة فعل ومقاومة وخلود. يقول فيها:
قلمي، هذا الذي أكتب
فيه
حبره شلال قلبي
لا تقولوا: دعه يرتاح
فقد ملّ
وهل يملل قلب فيه
جرح
يا سلاحي الماضي الدافئ
صبّ الحبّ والدّمع
وأشعل أسطري البيضاء خمرا
ولهيبا.
ومن شلاّل القلب، تتدفق صور الطفولة بجمالها وقيمها وأحلامها، فينشد في قصيدة طفولتي:
طفولتي مليئة بالحبّ
والحنان
واللطف والأمان
كتبت في سطورها
تذاكر السفر
إلى النجوم والغمام
وأطرف المحطات الطفولية “مدرستي الأولى” التي تراءت في البدء سجناً أو مرتعاً للمجهول، ومحنة للإعدام، قبل أن تستحيل ميدان تآخ ووداد:
هي أوّل سجن أدخله
مدرستي الأولى
كانت لي كالقادم نحو
المجهول...
أدخلت كشاة تسحب للذبح
كمحكوم بالإعدام...
لكنّ الأمر تغيّر
بتّ ومدرستي أخوين ودودين
كانت تطعمني شهد دواليها
وسنابلها الذهبية
حتى أضحى لي داران.
ومن المدرسة إلى فضاء القرية والمحيط، بقصائد لها طعم الريف، وترنيمة الجدول والنهر والطاحون، وبهجة المرعى والجبل والسهل والثلج. وهنا يأخذك الشاعر في رحلة ممتعة أمام مشمشة القرية وناي الراعي، والغيم والقمر والأعمال الرمضانية، في سعي لأخذ العبر، وبناء التأملات، حيث يقول:
تعلم هذي الطبيعة
أنّ الخصام لأجل البقاء
أصيل هنا
في خلاء الوجود
وبين البشر...
وفي موازاة الأطياف الساحرة لذاكرة الطبيعة والتراث والطفولة، تتسلل إلى قصائد الشاعر نورالدين، مواقف عنفوان وآباء، ترسل عبر الأثير، صرخة احتجاج، أو مناشدة ضمير لنصرة الحق، وإعلاء الفضيلة والمحبة والسلام. نراه ينتفض في وجه العابثين بالسلام الداخلي للوطن العازفين على الأوتار الطائفية والقبلية، فيقول في قصيدة “بم تحلمون”:
أعنّي الهي لكي أحسن
السير في القمم العالية
وألآ أكون جباناً
أمام النواتئ والطرق
العاتية
فاقهر جموع المصابين
بأنفلونزا الطوائف
وردّ من الغيّ للرّشد
ضالآ وزائف...
ثمّ يطلّ الشاعر على القدس وفلسطين في بعض عناوين الديوان، فيهدي نفثات صدره إلى الشاعر الراحل محمود درويش بلبل فلسطين، ويقول:
هذا هواء القدس منتظر
قدومك فوق أعناق الزمان...
من أين تشرب قدسك
ماءها
ما راقني الآ نسيم القدس
ليس يعوزني الآ
هواء من فلسطين الحبيبة...
ولهذه المدينة المقدّسة قصيدة طويلة في الديوان نسجت أحرفها من الجرح، وانتظمت إيقاعاتها من أصوات المظلومين والمشرّدين في الشّتات، فكان عنوانها: خطاب إلى القدس من الشّتات، ومطلعها يقول:
سؤال يحير يا قدس
ماذا نقول
متى نلتقي والدروب
إليك طلول...
متى ناتقي أو نقبل
أرض المعاد؟
أمّا غزّة مدينة الملاحم والبطولات، فهي المان الغنيّ الذي يصنع رؤى الآتيات من أيّامنا، والزمان الجديد المختلف عن زماننا الرّتيب، ففي معركة غزة لا وقت للنوم، ولا هنيهة للطعام، والشراب، بينما الشهداء يسقطون، والأطفال مضرّجون، يقول الشاعر:
كانوا نياما ثمّ
ماتوا واقفين
هذا هو الزمن الجميل
الملحمي
لا وقت الآ للذين
يسطّرون ولادة
العصر الجديد...

اقرأ أيضا