الاتحاد

تقارير

«موريا».. المخيم المتجمّد الشمالي!

تهبُّ الرياح القوية عنوة من كل الفتحات ببرد شديد قارس، فيما ينهال الثلج المتساقط من السماء، مزعزعاً استقرار الخيمة الواهية، وقد اكتسى المشهد حتى نهاية المدى بوشاح أبيض مهيب، فيما يكابد جمشيد، الأفغاني ذو الـ16 سنة وابنة عمه «رويا»، 14 سنة، وهما يروحان ويجيئان بين الخيمة المتجمدة، ومقر منظمة الأمم المتحدة للاجئين، هنا في مخيم «موريا» للاجئين بجزيرة ليسبوس اليونانية. وقد طال الزمن وتحول مع مرور الوقت إلى دوامة مفتوحة من المعاناة والانتظارات لمواعيد رحيل لا تجيء، وهواجس عودة مع طريق لا ينتظر اللاجئين فيه سوى ما فروا منه أصلاً من جوع وفقر وفاقة وانعدام أمان.

«منذ يومين فقط وزعت الأمم المتحدة أسِرَّة في قاعة -من المساكن الجاهزة- كبيرة تؤوي 60 شخصاً. وقد وُعدنا بالحصول على مكان أكثر ملاءمة، ولكن لا أظن أن ذلك سيقع»، هذا ما قاله الشاب الأفغاني جمشيد. وتحت خيمة «باش» جمشيد، لا توجد طبعاً وسائل تدفئة، ولا كهرباء، لتشغيل مصباح إنارة خلال الليل. وكل ما هو متوفر لا يزيد على أكياس للنوم، وسرير من الخشب للارتفاع عن أرضية الخيمة المتجمدة. وليس هذا فقط، بل تردف «رويا» قائلة: «في كل مرة ينهمر فيها المطر أو يتساقط الثلج يجري الماء داخل خيمتنا، ويبلل أكياس النوم التي ننام فيها، وتغرق الأرضية وكأن أحداً ما يدلق تحت أقدامنا دلواً من الماء في كل دقيقة». ليعقّب عليها جمشيد: «طبعاً، لا شيء يتغير، هنا، إنهم يطلبون منا الانتظار في كل مرة.. يكررون فقط تلك الكلمة: الانتظار.. Wait».

وتفاصيل معاناة جمشيد و«رويا» هنا هي كحال معاناة جميع سكان مخيم «موريا» من اللاجئين الآخرين هنا في جزيرة ليسبوس. وقد عثر يوم الاثنين الماضي، 30 يناير، على لاجئ متوفى، هو الثالث في هذا الأسبوع. وكان هذا اللاجئ الميت، وهو شاب باكستاني، في العشرينيات من العمر، قد وجد ميتاً في خيمته. فيما كان اللاجئان الآخران اللذان فارقا الحياة أيضاً، خلال هذا الأسبوع، على التوالي، مصري في الـ20 من العمر، وسوري في الـ46.

وقد تحولت جزيرة ليسبوس، إلى مأوى شبه دائم، بحكم الأمر الواقع، لآلاف من اللاجئين الذين تقطعت بهم السبل فجأة، بعد إحكام الاتحاد الأوروبي إغلاق طريق البلقان، أمام المهاجرين السرّيين، فيما شددت تركيا، بدورها، وفق اتفاق مع الدول الأوروبية سد معابر التهريب والهجرة غير الشرعية عبر حدودها البحرية. وفي الوقت ذاته لا يريد سكان الجزيرة اليونانية أيضاً بقاء اللاجئين لفترة طويلة علي أرض جزيرتهم. وكذلك لا يريد اللاجئون بدورهم أيضاً العودة إلى بلدانهم التي هربوا منها أصلاً بسبب الفقر والجوع والحروب الشرسة المندلعة فيها، كما هي حال لاجئي العديد من الدول التي تشهد صراعات دموية مفتوحة، ودون سقف نهاية قريبة.

وبين أحلام الهجرة إلى الشمال، وفرص الالتحاق بالفردوس الأوروبي، التي تبددت الآن تقريباً، ومخاوف العودة إلى الأوطان الأم الطاردة أصلاً، يمضي سكان مخيم «موريا» يوميات متجمدة، وسط برد قارس، ومعاناة لا توصف، دون أن يلوح لهم في نهاية النفق أي بصيص أمل، ولكنهم هم لا يمتلكون أيضاً في مقابل ذلك سوى الانتظار المرير والرهان على الوقت، وهم على قارعة الانتظار ينظّفون أظافرهم في صمت!

اقرأ أيضا