الملحق الثقافي

الاتحاد

دقات قاسية

صوتها لم أسمعه إلا الآن، كانت مجهولة بالنسبة لي كنت أراقبها بين فترة وأخرى فلا أرى شيئاً مميزاً فيها، هي تدور وتتنقل بين الأرقام وهي التي تهمنا فهي تخبرنا أين نحن ومتى سننجز ما نريد، لكنها تبقى ساعة، عملها روتيني معتاد، قاسية تجرك لتعود إلى حقبة من الزمن، أو ثانية أو دقيقة منها، تعود وأنت محمل بالأثقال وتبقى تحملها ولا تستطيع أن تنزلها لأنك مرهون بتلك الساعة، قد تتوارى الذكريات خلف مجال الرؤية ولكن ما أن تدق ساعة تلك الذكرى حتى تعود كل دقات الساعة تسمع! لحظتها يصير صوت تلك الساعة صوتاً قاتلاً مرعباً، دورانها حجارة تتدحرج بقوة، لا يهم من يكون أمامها، صماء لا ضير إن أماتت أو حطمت فهي تمضي ولا شأن لها بما تخلفه من دمار، باتت حركتها الرشيقة حركة ملأى بالاستهزاء تعيش روتين الحياة ماضية بلا هوادة تصارع الأنفس العليلة التي انهارت للحظة أمام قسوة الزمن والتي تريد أن ترحمها دقات تلك الساعة.
أتلمس الساعة بأناملي الدافئة لأشعر ببرودة الساعة تلف معصمي صامدة لا تعيرني اهتماماً فأهمس لها بعينين حائرتين ألا تعودي بي إلى الوراء إلى تلك الفترة الزمنية التي محت كل ملامح الفرح من معالم وجهي، ألا تجريني جراً إلى تلك الفترة التي أبت أن تمسح من كل ثغرات عقلي وأبت أن تخفي مذاق تلك الحقبة من قلبي، توقفي أيتها الساعة لا تضغطي بعقاربك على فؤادي حتى لا تتبعثر أشلاء قلبي وشظايا روحي في أزمنة مختلفة أعجز لاحقاً أن ألملمها لأني وقتها سأكون قد أسدلت على كل أفراحي ستارة سوداء من القماش الناعم رحمة لها من قسوة الزمان.
أنظر إليك وأتساءل من علمك أن تمضي وتمضي وتنهي مهمتك من دون أن تتوقفي للحظه وتنظري للوراء! من دون أن تشعري بالألم الذي يمزق القلب! من دون أن تخجلي انك أعلنت حرباً باردة على القلوب المشتعلة بنار الذكريات التي لم تخمد بعد!
لم أشأ أن أراك على معصمي، تركتك في زاوية مجهولة تكملين عملك الرهيب، ومضيت ولم أنظر للخلف حيث تركتك وما زال صوت دقاتك يقرع أذني يجبرني أن أعود إلى ذاك الزمن باهت الملامح، مصرة على أن أقلب الماضي بحثاً عن تلك المفقودات التي تاهت لفترة من الزمن، ورحمة بهذه النفس سأعلن حرباً ساخنة مدمرة وأصم أذني عن تلك الدقات المؤلمة لأكسب الحرب وأعود وأمزق تلك الستائر الناعمة لأطلق كل أفراحي تمرح في فضاءاتها الوردية وأعيش اللحظات من غير هدير دقاتك القاسية.

* البدية ـ الفجيرة

اقرأ أيضا